الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ظاهرة “الحُلْم” التي حيَّرت العلماء والفلاسفة!

ظاهرة “الحُلْم” التي حيَّرت العلماء والفلاسفة!

جواد البشيتي

”في الحلم توصَّل قدامى البشر إلى الاعتقاد بحياة ثانية بعد الموت، فرؤية الشخص، في منامه، لميت من أهله، مثلًا، دفعت به إلى الاعتقاد بوجود عالم آخر يعيش فيه البشر بعد موتهم، ولا يمكننا، نحن الأحياء، رؤية الميت وهو يعيش في العالم الآخر إلاَّ بفضل “قوة روحية مبهمة”، يظهر تأثيرها وفعلها في أثناء النوم، أي عبر “الحلم”.”

“الحُلْم” هو من عداد تلك الأشياء والظواهر التي ما زال “تعريفها” مستعصيًا (عِلْميًّا) علينا؛ فـ”ماهية” الحُلْم، أي إجابة سؤال “ما هو الحُلْم؟”، ما زالت مُسْتَغْلَقَة، على كثرة الأبحاث والنظريات والإجابات في أمْر هذه الظاهرة؛ لكن دَعُوني أُحَدِّثكم عن بعضٍ ممَّا أراه وأعتقده في أمْرها.
لنسأل (على سبيل المثال) السؤال الآتي: هل يمكن أنْ يَحْلُم إنسان من القرن التاسع عشر (مثلًا) حُلْمًا يرى فيه (مثلًا) جهاز كمبيوتر؟
الإجابة هي قَطْعًا “كلا، لا يمكن”؛ لأنْ ليس في وعي الإنسان من “الصُّور الذهنية” إلا ما له “أصل” في “الواقع الموضوعي”، أو يتألَّف من “عناصر” موجودة في هذا الواقع.
وهذا الذي قُلْتُ يؤسِّس (على ما أحسب) لـ”تفسير واقعي وعلمي” لظاهرة “الحُلْم”؛ فالإنسان لا يحلم، وليس في مقدوره أنْ يحلم، إلا بأشياء لها وجود (ولو على هيئة عناصر ومكوِّنات) في “الواقع الموضوعي” الذي (بالممارسة والتجربة) يتفاعل معه.
رأَيْتُ في المنام أنِّي “أجلس قُرْب خيمةٍ أحلب بقرة”؛ فهل من العِلْم في شيء “تأويل” هذا الحُلْم، أي إعطاؤه (مع بعض تفاصيله كالخيمة، والحَلْب، والبقرة) دلالة معيَّنة؟
كلا، ليس من العِلْم في شيء، فـ”البقرة”، مثلًا، في حلمي هي “بقرة (فحسب)”؛ ولا يجوز، عِلْميًّا، من ثمَّ، النَّظر إليها على أنَّها “رَمْزٌ (إلى..، أو إلى..)”؛ وإنَّ كل كُتُب “تفسير (أو تأويل) الأحلام” ليست علمية إذا ما توفَّر مؤلِّفوها على إعطاء عناصر الحلم (كالغيمة والبقرة) دلالات معيَّنة، كأنْ يقولوا إنَّ حَلْبِكَ بقرة (في المنام) يعني أنَّكَ ستصبح في رَغَدٍ من العيش.
وبَعْد نَبْذ كل فَهْمٍ لـ”الحُلْم” على أنَّه “مجموعة من الرُّموز”، أو مُرَكَّب يمكن ويجب إعطاء كل عنصر من عناصره دلالة معيَّنة، نسأل: هل تتحقَّق الأحلام؟
من التجربة الواقعية لصاحب الحُلْم، نَسْتَمِدُّ إجابة مزدوجة (أو متناقضة) عن هذا السؤال، فالحُلْم قد يتحقَّق (كلِّيًّا أو جزئيًّا) أو ربَّما لا يتحقَّق أبدًا.
وفي مثال المنام الذي فيه رأيتُ أنِّي أجلس قُرْب خيمةٍ أحْلِبُ بقرة، أقول قد يتحقَّق بعض من هذا الحُلْم، على ألا يكون حَلْب البقر من الأعمال التي اعْتَدتُّ تأديتها.
أمَّا إذا حدث، في اليوم التالي، أو بعد بضعة أيام، أنْ حلبتُ بقرة، وأنا الذي لم أفعل هذا الشيء في حياتي قط، فهذا إنَّما يعني أنَّ تَحَقُّق هذا الحُلْم كان “مصادفةً صرف”؛ فليس من حُلْمٍ يُري صاحبه ما سيَحْدُث بعد حين.
على أنَّ هذا الذي قُلْتُ في أمْر “المستقبل” لا يتناقض مع قدرة الإنسان على “التوقُّع”، الذي قد يأتي المستقبل بما يوافقه كلِّيًّا أو جزئيًّا، أو بما يذهب به كلِّيًّا أو جزئيًّا؛ فإنَّ حُسْن التوقُّع هو أمْرٌ يتأتَّى من “الموضوعية” و”العلمية” في التفكير، وفي النظر إلى الأمور.
و”الحُلْم” قد يأتينا بما يجعله يبدو لنا “مَصْدَرًا للمعرفة”؛ فأنتَ قد تتوصَّل في أثناء نومكَ، ومن طريق “الحُلْم”، إلى حلٍّ لمشكلة ما، لم تتوصَّل إليه في يقظتكَ، على الرَّغم من الجهود المضنية التي بَذَلْت.
إنَّ هذا أمْرٌ يمكن ويجب تفسيره على أنَّه نتيجة ترتَّبت على ما بَذَلْتَ من جهد معرفي وبحثي وذهني في أثناء يقظتكَ، ودليل، في الوقت نفسه، على أنَّ النوم يخالطه شيء من اليقظة، وليس بالحالة التي يختفي منها “الوعي”، وجودًا وعملًا؛ فأنتَ في النوم، ومن طريق “الحُلْم”، يمكن أنْ تَسْتَكْمِل ما بدأتَ من جهد معرفي في أثناء يقظتكَ.
ومع ذلك، ليس في مقدور أي “حُلْمٍ” أنْ يعطيكَ أكثر مِمَّا (أو ما لا) تَخْتَزِنه “ذاكرتكَ” من “صُوَرٍ ذهنية”، فإنَّ “الحُلْم” يَتْبَع، أو يشبه، تجربتكَ في الحياة الواقعية، وزمانكَ وعصركَ، وبيئتكَ وتربيتكَ.
والإنسان، في نومه، ومن طريق “الحُلْم”، يتأثَّر نفسيًّا كما يتأثَّر في أثناء يقظته (بالأحداث الواقعية أو الذكريات) فحالته النفسية، بَعْد يقظته، تتلوَّن بلون حُلْمِه، انشراحًا أو غَمًّا؛ حتى سلوكه الواقعي (بَعْد اليقظة) يمكن أنْ يتأثَّر بما رآه في منامه، إنْ تذكَّره.
لو كنتَ نائمًا في غرفة مظلمة، ثمَّ أُضيء فيها مصباحٌ، فقد يتأثَّر حُلْمكَ بهذا “المؤثِّر الخارجي (ضوء المصباح)”، وقد ترى، من ثمَّ، في منامكَ، “طلوع الشمس”، أو “اندلاع حريق”، أو “شُهُبًا لامعة في السماء”.
في هذا المثال، نَقِف على بعضٍ من معنى “واقعية الأحلام”؛ لكنَّنا لا نتعرَّف منه “ماهية الحُلْم”؛ وإنِّي لأعتقد أنَّ بعضًا من تعريف “الحُلْم” نتوصَّل إليه إذا ما أجَبْنا عن سؤال “لماذا تأثَّر حُلْم هذا النائم بإضاءة مصباح الغرفة على هذا النحو فحسب؟”، فإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نعرف السبب الذي جَعَل هذا النائم يرى في حُلْمه “شمسًا تطلع”، أو “حريقًا يندلع”، أو “شُهُبًا تلمع في السماء”.
“الحُلْم” هو الذي جَعَل الإنسان البدائي يعتقد بوجود عالَمٍ آخر غير عالمه الواقعي، فهو، على ما اعتقد، يحيا في نومه، وفي أثناء حُلْمه، حياة أخرى، منفصلة ومستقلة تمامًا عن حياته الواقعية، أي عن حياته اليومية في أثناء يقظته.
وإنَّ فهمه لـ”الموت” على أنَّه روحٌ انتقلت، إذ غادرت جسدها نهائيًّا، إلى “عالَمٍ آخر” لم يأتِ إلا من طريق “الحُلْم”، الذي فيه “تزوره” روح ميت ما.
ثمَّة فَرْق بين ما يراه الإنسان في أثناء يقظته وبين ما يراه في أثناء نومه؛ وهذا الفَرْق هو كالفَرْق بين نَصٍّ تتقيَّد كلماته وعباراته وجُمَلِه بقيود المنطق، فيَسْهُل علينا فهمه، وبين نصٍّ يشتمل على الكلمات نفسها؛ لكن من غير قيود المنطق التي تقيَّد بها من قبل. إنَّ “الحُلْم” أشبه ما يكون بـ”نصٍّ فوضوي”، وكأنَّ “المُنظِّم (منطقيًّا)” لكلمات النصِّ نفسها ينام مع النائم.
قبل العرافة والتنجيم وأضرابهما كان الحلم، فمن الحلم أنشأ البشر وطوَّروا كثيرًا من المعتقدات، واخترعوا، تلبية للحاجة إلى معرفة أحوالهم في المستقبل، ما اعتقدوا أنَّه معارف وطرائق وأساليب تسمح لهم بذلك.
في الحلم توصَّل قدامى البشر إلى الاعتقاد بحياة ثانية بعد الموت، فرؤية الشخص، في منامه، لميت من أهله، مثلًا، دفعت به إلى الاعتقاد بوجود عالم آخر يعيش فيه البشر بعد موتهم، ولا يمكننا، نحن الأحياء، رؤية الميت وهو يعيش في العالم الآخر إلاَّ بفضل “قوة روحية مبهمة”، يظهر تأثيرها وفعلها في أثناء النوم، أي عبر “الحلم”.
وفي الحلم نرى “الرغبة”، و”القلق”، و”الخوف”.. فما نرغب فيه ولا نستطيع تحقيقه في أثناء اليقظة قد نحقِّقه في الحلم. وبعض هذه الرغبات التي نحققها في الحلم يكون دفينًا في أعماق نفوسنا وكأنْ لا أثر لوجوده في حياتنا الواعية.
و”القلق” من أمرٍ ما في أثناء اليقظة يشق طريقه إلى أحلامنا وكأنَّ الحلم هو الحالة التي يعجز فيها الإنسان عن صدِّ “القلق” عن نفسه؛ و”الخوف”، أيضًا، نراه حلمًا.
وثمة من يعتقد أنَّ الإنسان، في أحلامه، يعبِّر عن مخاوفه الواقعية بلغة رمزية، فخوف الطالب من الفشل في الامتحان قد يعبِّر عنه، في أثناء نومه، بحلم يرى فيه أنَّه يهبط من علوٍّ.
كل الناس يحلمون؛ أمَّا من يعتقد أنَّه لا يحلم فهو في الحقيقة لا يتذكَّر؛ ونحن لا نستطيع أنْ نتذكَّر أحلامنا إلاَّ إذا استيقظنا في خلال الحلم نفسه، أو بعد انتهائه مباشرة.
ونحن في حالة النوم المليء بالأحلام لا تنقطع صلتنا بالعالم الخارجي، فإذا سمعنا رنين هاتف فإننا ندرج هذا الصوت في حلمنا الجاري؛ وإذا ما أضيئت الغرفة في أثناء نومنا فقد نرى هذا الضوء، في حلمنا، شمسًا أو حريقًا أو..
بقي أنْ نقول إنَّ الحلم كما التفكير يُعَدُّ قوة منشِّطة للخلايا العصبية في الدماغ، فخمول هذه الخلايا (التي لا تتجدد في الإنسان) مدة طويلة يسرِّع في فنائها، فالإنسان ينبغي له إذا ما أراد تنشيط الخلايا العصبية لدماغه أنْ يُكْثِر من التفكير، وأنْ ينام نومًا مليئًا بالأحلام.

إلى الأعلى