الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / المحادثات والميدان

المحادثات والميدان

”هؤلاء الذين خططوا لـما أسموه “الربيع العربيّ” استعادوا في أذهانهم نظرية الدومينو لدى احتلال العراق، وتوقعوا أنّه بعد تونس ومصر ستكون سوريا لقمة سهلة لتغيير النظام فيها، والذي يعني تغيير هويتها السياسية بما يروق للكيان الصهيوني. ولكن تحالف روسيا والصين في الأمم المتحدة لدعم السيادة السورية شكّل سابقة في السياسة الدولية.”

المسار التاريخي في العلاقات الدولية، وبالتناغم مع صمود الجيش العربي السوري، والشعب السوري رغم كل الآلام وجسامة التضحيات، قد وصل اليوم إلى نقطة العالم المتعدد الأقطاب. وها هي نتائج اللقاء الماراثوني بين كيري ولافروف، وبعد التشاور مع أوباما وبوتين، تحضر الولايات المتحدة إلى النقطة التي دعت إليها روسيا منذ سنتين ونيّف، ألا وهي الفصل بين التنظيمات الإرهابية، وما يسمّونه المعارضة المعتدلة، واستهداف التنظيمات الإرهابية من قبل الطيران الروسي والأميركي.
ما أن يتمكن الجيش العربي السوي من تحرير منطقة عزيزة من دنس الإرهاب، حتى تتعالى أصوات في الغرب قلقًا على المدنيين ورأفة بوضعهم الإنساني، ومحاولة عقد هدنة لإدخال المساعدات لهم!!! بحيث أصبح التناغم بين وضع الإرهابيين والقلق الغربي عليهم أمرًا ملموسًا في أكثر من مفصل في الزمان والمكان. ذلك كي يثبت في أذهان الجميع أن هذا الغرب الذي احتل العراق بجيشه وجنوده قد غيّر طرائقه فقط، وقرر أن يستخدم وكلاء له من عصابات إرهابية يتم تمويلها وتسليحها والتخطيط لها وتوجيه أعمالها عن بعد. وقد رأينا دولًا تدخل بجيوشها وأسلحتها الثقيلة حين عجزت هذه العصابات عن تحقيق الأهداف المرسومة لها. ولذلك فإن نتائج لقاءات لافروف وكيري في 9 أيلول/ سبتمبر توضح دون أدنى شك أن صعوبة الحوار نابعة من كونه بين طرف يعبّر عن مصالح الذين استهدفوا سوريا، وطرف آخر وقف منذ البداية وقفة صلبة لحماية الدولة السورية والشعب السوري.
ماذا يحدث إذًا؟ وكيف وافق من يدعم ويموِّل ويسلِّح أن يجلس على الطاولة مع من يحاول الحفاظ على سيادة الدولة السورية؟ عوامل كثيرة أوصلت الجميع إلى هذه النقطة التاريخية المرشحة للاستمرار، وربما للتعزيز والمزيد من القوة في المستقبل. هؤلاء الذين خططوا لـما أسموه “الربيع العربيّ” استعادوا في أذهانهم نظرية الدومينو لدى احتلال العراق، وتوقعوا أنه بعد تونس ومصر ستكون سوريا لقمة سهلة لتغيير النظام فيها، والذي يعني تغيير هويتها السياسية بما يروق للكيان الصهيوني. ولكن تحالف روسيا والصين في الأمم المتحدة لدعم السيادة السورية شكّل سابقة في السياسة الدولية، وبالذات في المواجهة بين محور الشرق (روسيا والصين)، ومحور الغرب (الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا). وقد ردَّ الشعب السوري وجيشه لمحور الشرق هذا الموقف النبيل من خلال صموده، وبذل أغلى التضحيات في سبيل سلامة الوطن، ووحدة ترابه، واستقلال إرادته. ومضى الطامعون والمصممون على كسر شوكة سوريا العربية المقاومة في مخططهم، واستقدموا كل مرتزقة العالم إلى الأرض السورية الطاهرة في محاولة مستميتة منهم لتنفيذ مخططاتهم والتي تعني تغيير وجه المنطقة والعالم. ولكن سوريا وحلفاءها كانوا أكثر تصميمًا في هذه المعركة المصيرية، ورغم ضعف إمكاناتهم المادية مقارنة بكل إمكانات الخليج التي وضعت تحت تصرّف المحور الغربيّ، فقد استطاع محور الشرق الذي يدافع عن الحق والسيادة والشعب المظلوم أن يعزّز كلمته ومكانته على الساحتين الإقليمية والدولية، خلال سنين قليلة.
وإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر قمة العشرين التي عُقدت مؤخرًا في الصين، وقمة العشرين التي عُقدت في مدينة برسبرن (أستراليا) في آذار/ مارس من عام 2014، نرى مدى الشوط الذي قطعه محور الشرق بفرض وجوده وقوّته ومكانته على محور الغرب. ففي قمّة 2014 طلبت جولي بيشوب، وزيرة خارجية أستراليا، عدم السماح لروسيا بحضور القمة، ولكن دول البريكس اعترضت على الاقتراح وأحبطته، ومع ذلك فقد كانت الصور الواردة من القمة في ذلك الوقت تشي بعدم رغبة أحد من القادة الغربيين بالحديث مع الرئيس بوتين، بينما لاحظنا في القمة الأخيرة في الصين كيف احتل الرئيس بوتين والرئيس الصيني مكانًا مركزيًّا في القمة، وكانت اللقاءات الثنائية بين روسيا والسعودية، والصين والسعودية، والاتفاقات التي عُقدت دليلًا آخر على توسع مركزية الصين وروسيا على عرش العلاقات الدولية. لم يكن أحد ليتوقّع توقيع اتفاق بين روسيا والسعودية، أي أن مثل هذا الاتفاق قد جرى بموافقة أميركية. وهذا يعني اعترافًا غربيًّا ضمنيًّا أننا ندخل حقبة جديدة، وهي حقبة تعدّد الأقطاب في هذا العالم. أما الرئيس الصيني، فقد نظر إلى أوباما وقال إن الصين ترفض التدخل بشؤون الدول الداخلية.
إذًا المسار التاريخي في العلاقات الدولية، وبالتناغم مع صمود الجيش العربي السوري، والشعب السوري رغم كل الآلام وجسامة التضحيات، قد وصل اليوم إلى نقطة العالم المتعدد الأقطاب. وها هي نتائج اللقاء الماراثوني بين كيري ولافروف، وبعد التشاور مع أوباما وبوتين، تحضر الولايات المتحدة إلى النقطة التي دعت إليها روسيا منذ سنتين ونيّف، ألا وهي الفصل بين التنظيمات الإرهابية، وما يسمونه المعارضة المعتدلة، واستهداف التنظيمات الإرهابية من قبل الطيران الروسي والأميركي. أوليس هذا ما دعا إليه الرئيس بوتين مرارًا وتكرارًا من أجل تحالف دولي حقيقي ضد الإرهاب؟ موافقة الولايات المتحدة اليوم مع روسيا على مواجهة الإرهاب في سوريا، وعلى أن المعارضة يجب أن تشمل جميع الأطراف، هي نتاج صمود سوريا وروسيا وإيران ومحور المقاومة في هذه الحرب الشنيعة على سوريا، وهي أيضًا اعتراف أكيد بفشل الإرهابيين ومشغّليهم من تحقيق أهدافهم في سوريا، وإلا لمَ الانتظار سنتين قبل الموافقة؟ لأنّ الأمل كان ولا يزال موجودًا بتغيير موازين القوى على الأرض. وربما ليست من قبيل المصادفة أن يأتيَ هذا الاتفاق على وقع تقدّم الجيش العربي السوري في حلب وحماة وريف اللاذقية وغوطة دمشق، لأن دماء الشهداء وآهات الجرحى هي بالنتيجة التي خطّت بنود هذا الاتفاق، وهي التي ساهمت بشكل فعّال بتغيير مركز القوة في العالم من قطب واحد إلى عالم متعدّد الأقطاب.
ولم يغفل لافروف القول إننا تشاورنا مع الحكومة السورية حول بنود الاتفاق، وأنها قد وافقت عليه، كما لم يغفل أيضًا التأكيد على الخروج من دائرة المتدخلين. هؤلاء المتدخلون هم الذين حلموا أنهم قادرون على تغيير هوية سوريا، متناسين أنّ سوريا، وعلى مدى عشرة آلاف عام، كانت عصية على كلّ الغزاة والأعداء الذين استهدفوها، وأن التضحيات التاريخية للشعب السوري هي التي صنعت هذه الهوية السورية الشامخة أبدًا والحرّة دائمًا.

د. بثينة شعبان
مفكرة سورية

إلى الأعلى