الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نادي مشتري دالاس .. ترويض مرض

نادي مشتري دالاس .. ترويض مرض

منذ ظهور أول حالة إيدز ” فقد المناعة الكسبي (AIDS) ” في صيف 1981 في شاب بكاليفورنيا في الولايات المتحدة والتى أعلن لوك مونتانيه عنها بالاضافة الى 4 آخرين من أوائل حملة المرض وحتى الآن، وهذا المرض المميت يكتنفه الغموض، ففي كل يوم من عام 2008 فقط ، كان هناك 6800 شخص على مستوى العالم يلتقطون عدوى فيروس الإيدز، بينما كان هناك حوالي 5700 شخص يموتون نتيجة الإصابة بعدواه، ولهذا يعيش مرضاه على أمل أن يستيقظوا في يوم من الأيام ليجدوا علاجاً جذرياً شافياً لهذا الفيروس، وليس علاجاً يؤخذ للسيطرة على المرض واستعادة نشاط الجهاز المناعي بشرط أن يتناوله المريض مدى الحياة ولا يوقفه أبداً على الرغم من تكاليفه الباهظة. مثلما عزم بطل فيلم اليوم على صراع مرضه ” الايدز” بتعاطي الأدوية والمنشطات التى تبقيه على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة.

نادي مشتري دالاس (Dallas Buyers Club) : هو فيلم دراما وسيرة ذاتية اميركي من تأليف كريغ بورتن وميليسا والاك، ويستند إلى شخصيات وأحداث حقيقية وقعت في مدينة دالاس بولاية تكساس في أواسط ثمانينيات القرن الماضي.
من اخراج الكندي جان مارك فاليه الذي أخرج عمله الاول في 2009 وحمل اسم “فيكتوريا الصغيرة” حيث تحدث عن الملكة البريطانية فيكتوريا وصراعها السياسي التى مرت به في بداية حكمها، وحقق مراجعات إيجابية آنذاك.
واليوم يتمكن فاليه من أسرنا مشهدياً وانسانياً بروايته هذه القصة المؤثرة والعالمية رغم انها تنطلق من حكاية فرد واحد. حيث اجتذب عددا كبيرا من الجمهور ونقاد السينما بسبب براعته في إدخال كثير من الطرافة بالفيلم حين يحتدم التوتر الدرامي فيه ، واحسانه بالابتعاد عن الميلودراما وعن محاولة إشعارنا بالشفقة التى يرفضها المريض . ايضا تمسك بكل تفرعات القصة وشدها في لحمة واحدة ، برغم خطوطها العديدة المعقدة بين إجراءات طبية وتساؤلات قضائية وصفقات تجارية، ورغم الشخصيات الكثيرة التي تدخل وتخرج من الحبكة وإليها.
الفيلم من بطولة الممثل ” ماثيو ماكونهي ” في دور مختلف لم نره من قبل،حيث خضع لحمية جعلته يخسر نحو 20 كغم ليظهر بجسد شديد النحول، وقيل إنّه سجن نفسه 6 أشهر في المنزل ليصبح لونه شاحباً كما يظهر في الفيلم.
يقوم ماكونهي بتجسيد دور الكهربائي ( رون ) الذي يكتشف بمحض الصدفة أنه مريض بفيروس نقص المناعة ” الايدز” الذي غير مجرى حياته، ماكونهي قدم لنا أداء العمر، أداء استحق عليه ذهب ثمثال اوسكار، ويعد الأفضل في حياته المهنية كممثل بناءً على ماشهدناه له، ولست أقول ذلك فقط لقيامه بخسارة الكثير من وزنه بل لأنه فعلاً قدم آداء تفوق فيه على نفسه وجسد فيه شخصية رون وودروف بأفضل شِكل مُمكن. ولا ننسى مشاركته الممثل ” جاريد ليتو” الذي جسد دور الفتى المضطرب والغريب الاطوار ( رايون ) فقد ادى دورا صادما ومقنعا تماماً بمكياج وثياب المرأة وهشاشة الانثى وضعفها. والذي انتزع به ايضا جائزة اوسكار أفضل ممثل مساعد لهذا العام، وهو ما اعتبروه النقاد من أبرز نقاط قوة الفيلم لأنها تظهر مدى موهبته وقدرته على التلوّن حسب المرحلة. تشاركهم بطولة الفيلم أيضا الممثلة ” جنيفر غارنر” في دور الطبيبة المتعاطفة والحنونة (آيف) .
رشح الفيلم لخمس وسبعين جائزة سينمائية وفاز بثمان وأربعين جائزة شملت ثلاثا من جوائز الأوسكار لأفضل ممثل في دور رئيسي وأفضل ممثل في دور مساعد وجائزة أفضل ماكياج وتصفيف شعر. فاز ماثيو ماكونهي وجاريد ليتو ايضا بجوائز الكرات الذهبية ونقابة ممثلي السينما الأميركيين وعشر من روابط نقاد السينما، كما فاز الفيلم بجائزة أفضل عشرة أفلام من المجلس القومي الأميركي لاستعراض الأفلام السينمائية. وبلغت الإيرادات العالمية الإجمالية له 31 مليون دولار في حين اقتصرت تكاليف إنتاجه على 5,5 مليون دولار.

قصة الفيلم وأحداثه
تدور أحداث الفيلم حول رجل مدمن للمخدرات يعمل كهربائيا، حينما يكتشف انه مصاب الإيدز، ويبلغه طبيبه أن المدة المتبقية لحياته هي ثلاثون يوماً ليبدأ رحلة الصراع مع المرض ومحاولات بشتى الطرق من قبله لإيجاد علاج للمرض المميت.
يبدأ الفيلم في مدينة دالاس بولاية تكساس الاميركية، في عام 1985 حيث الكاوبوي المقامر رون يهرب من حلبة الروديو ومعه بعض من الدولارات الاميركية التى جمعها من المقامرين بعد خسارته الرهان معهم لسقوط لاعبه أرضا داخل حلبة الروديو.
يصاب رون بحادثة صعق كهربائي أثناء عمله ويفقد وعيه، ليستيقظ في المستشفى ويتم تشخيصه بفيروس نقص المناعة ” الايدز” و يستفسر الأطباء عن شخصيته لمعرفة أسباب العدوى. فيثور رون ويشتمهم ويرفض الاعتراف بمرضه، إلا أنهم يخبرونه بأنه لديه 30 يوما ليعيشها . يحتفل رون في منزله بصخب وكأنه لم يسمع من الاطباء بالـ30 يوما المتبقية لديه، لكنه سُرعان مايعود الى صوابه ويبدأ بقراءة مقالات عن الايدز في المكتبات في محاولة لايجاد علاج لهذا المرض.
آي زي تي
في اليوم السابع يذهب رون الى نفس المستشفى الذي شخص مرضه وهُناك يقابل الطبيبة آيف ويطلب منها و بيأس إعطاءه دواء يُسمى ” آي زي تي ” وهو دواء جديد وفي طور التجريب لِشفاء مرض الأيدز الا آنها ترفض طلبهُ بِحجة عدم موافقة وكالة الادوية عليه للآن فيخبرها باستنكار أنه على وشك الموت، الا انها تطلب منه بتعاطف الذهاب الى مركز للدعم حيث يتحدث مع المرضى مثله، ولكنه يثور عليها ويخبرها بأنه يحتضر ويريد الشفاء وليس البكاء مع مجموعة من المضطربين والمدمنين .
يتجه حزينا بعدها الى اصدقائه لينسى همومه الا انه يطرد من المكان بحجة انهم قد اكتشفوا شخصيته وانه مصاب بالايدز، ولكنه يرفض تلك التهم ويشتمهم ويتطاول عليهم ليجد نفسه وحيدا ومليئا بالهموم والغضب من المرض.
يتمكن رون من العثور على شخص يعمل بنفس المستشفى ليساعده بتهريب دواء الآي زي تي له، ويبدأ في تعاطي الدواء ولكنه في اليوم الـ28 يذهب لإحضار الكمية المعتادة , ويخبره عامل النظافة انه لن يتمكن من احضار المزيد له ويخبره بعنوان طبيب في المكسيك معه كمية كبيرة منه ويستطيع مساعدته، بعدها بلحظات يقع رون مغشيا عليه، ويستيقظ ليجد نفسه في المستشفى مجددا بجانب مصاب بالايدز غريب الاطوار يدعى رايون . يقرر بعدها رون الخروج من المستشفى ويتوجه الى الطبيب الذي اخبره عنه عامل النظافة . وهناك يقنعه الطبيب المفصول من العمل بأخذ الفيتامينات والاحماض الدهنية والاعشاب بدلا من الآي زي تي الذي وصفه الطبيب بـ السم، وبعد مرور 3 شهور يؤكد له الطبيب على تحسن في صحته وان عليه المواظبة في اخذ ذلك الدواء، لكن رون يعقد معه صفقة يتمكن من خلالها من تهريب المئات من الدواء الى تكساس لمساعدة أمثاله في الشفاء المؤقت والعيش لأطول حياة ممكنة. في غضون ذلك ، يقوم الاطباء بإجراء تجارب الآي زي تي على المرضى لمعرفة مدى فعاليته عليهم .
حياة اطول
يقرر رون محاربة هيئة الادوية الاميركية والشركات الفاسدة ويخوض معركة حول اثبات سمية الآي زي تي الذي وافقت عليه الهيئة بتكلفة 10 الاف دولار للمريض ، ويقدم بدلا منه ذلك الدواء الذي يحسن من أعراض المرض ويطيل من فترة حضانته وحياة المريض به. ويؤسس ” نادي مشترى دالاس” وهي عبارة عن شقة يقوم باستجارتها مع صديقه الجديد رايون الذي يلتقي به مجددا ويقنعه بالشراكه معه لترويج الدواء الجديد بين المصابين بمرض الإيدز الذين يحصلون على عضويات ثمن الواحدة منها 400 دولار فقط مقابل العلاج والمتابعة بالمجان وضمان حياة اطول.
وفي أحد الايام وعند إتمامه صفقة لشراء مضادات الفيروسات من أحد مصنعيها في اليابان يصاب رون بالإغماء عند عودته الى اميركا، وهناك يتم فحصه ليتأكد لرجال هيئة الادوية انه يتعاطى دواء محظورا داخل الولايات المتحدة وتتم مصادرة تلك الشحنة، ولكن ذلك لا يمنعه من السفر الى العديد من البلدان المصنعة لتلك الادوية ويقوم بتهريبها وإعطائها لمرضاه الذين يعتمدون عليه وقرروا ترك علاج المستشفيات الذي يهدف للتجارة فقط .
وبعد مداهمته من رجال الشرطة بالولاية والضرائب ورجال هيئة الادوية الذين يصادرون جميع الادوية التى يمتلكها يلجأ رون الى سفر اخير لشراء كمية اخرى من مضادات الفيروسات والاحماض التى تساعد على استقرار مناعة مرضاه، وبمساعدة مالية من صديقه رايون الذي يلقى حتفه في النهاية بسبب تدهور حاد في صحته وتمكن المرض منه ، وتقرر الطبيبة آيف في معاونته بمجموعة ابحاثه حول علاج مرض الايدز وذلك بعد ان تقدم استقالتها لإدارة المستشفى التى تعمل به بعد ان تكتشف خطورة الآي زي تي وعدم فعاليته على المرضى واتهامها من قبل الادارة بالتعاون مع رون .
معركة أخيرة
يخسر رون في النهاية معركته الاخيرة بعد ملاحقة إدارة الغذاء والدواء له ولناديه الذي يسقط ويتعثر ولكنه يكرس حياته لمساعدة مرضى الايدز ويسمح له القضاء بتناول دواءه الخاص بعد مصادقة ادارة الاغذية والعقاقير عليه بشرط عدم المتاجرة به ويتوفى متأثرا بالايدز في العام 1992 اي بعد مرور سبع سنوات على الموعد الذي كان الاطباء قد حددوه لوفاته.
فيلم جدير بالمشاهدة مثير للدهشة يدين الجهات المسؤولة سواء في مراكز الأبحاث التي لها سلطة في تشريع العلاجات في أميركا، أو حتى بعض السياسيين داخل مجلس الشيوخ أو مجلس النواب الذين لا يبذلون الكثير من الجهد بالضغط على شركات الأدوية المسيطرة بنسبة كبيرة على الأسواق الأميركية ولهذا السبب يواجه برنامج ” أوباما كير” الطبي العديد من الاعتراضات داخل مجلس النواب الأميركي الذي تسيطر عليه غالبية من الجمهوريين.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى