الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأدب العماني في المهجر الأفريقي ( 3 ـ 3 )

الأدب العماني في المهجر الأفريقي ( 3 ـ 3 )

الأدب العماني بشقيه داخل عمان وفي شرق أفريقيا وزنجبار بحاجة إلى دراسة
فن أدب الرحلات
فن أدب الرِّحلات نوع من الأدب الذي يصور فيه الكاتب ما جرى له من أحداث وما صادفه من أمور في أثناء رحلة قام بها لأحد البلدان. وتُعد كتب الرحلات من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، لأن الكاتب يستقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية، والتصوير المباشر، مما يجعل قراءتها غنية، ممتعة ومسلية. عدد كبير من الروايات والقصص يمكن أن يندرج بصورة ما تحت مسمى أدب الرحلات، ومن أشهر كتب رحلات الرحالة والجغرافيين والأدباء العرب المسلمين، رحلة ابن جبير في كتابه ” تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار”، ورحلة ابن بطوطة في كتابه ” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” ورحلة المسعودي في كتابه ” مروج الذهب “، ورحلة المقدسي في كتابه ” أحسن التقاسيم ومعرفة الأقاليم “، ورحلة الإدريسي في كتابه ” نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.
وفي الأدب العُماني ما يمثل هذا الجنس الأدبي، كتاب ” رحلة أبي الحارث ” لخميس بن علي البرواني المذكور سلفا عند الحديث عن المقامة، والذي طُبع طبعته الأولى بمطبعة النجاح بزنجبار في عام 1333 للهجرة- 1915 للميلاد. بينما الطبعة الثانية كانت سنة 2010م، من قِبَل وزارة التراث والثقافة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كانت للبرواني مؤلفات أخرى نثرية وشعرية بجانب المؤلف السابق إلا ان معظم مؤلفاته فقدت بزنجبار إبان ثورة الزنوج على العرب.
والبرواني يؤرخ هذه الرحلة بأنها كانت في الصباح من يوم الجمعة الموافق العشرين من شهر جمادى الأول سنة 1332 للهجرة، السابع عشر من شهر أبريل سنة 1914 للميلاد. كما يستهلها بآيات من الذكر الحكيم من سورة غافر آية: 82، وبالصلاة على النبي الكريم، واصفًا لوعة الفراق حيث يقول:” بينما هي (أي الباخرة ) تمخر عباب اليم على ضفاف مدينة زنجبار، إذ لاحت مني التفاتة إلى تلك الديارِ التي ألفتها ومنازلِ أحبائي وخلاني الذين فارقتهم فأحسست بألم الفراق” ثم بعد ذلك يذكر سبب رحلته بقوله: ” ومما خفف عني ذلك الألم اشتياقي لرؤية تلك الأقطار التي أزمعت الرحيل إليها “.
ثم يشرع إلى وصف كل ميناء وكل بلد ومدينة تطأها قدماه مثل: عدن، والسويس، وقلب مدينة القاهرة وضواحيها، وبلاد الشام من دمشق، ويافا… إلخ.، وهو في كل ذلك لا يعتني بالرصد الجغرافي والتاريخي للمكان فحسب، بل يهتم بوصف أدق التفاصيل لعادات وتقاليد أُناس كل بلد، مازجًا كل ذلك بتجربته الذاتية ومشاعره تجاه ما يراه وما يحس به، خلال لقاءاته بأصدقائه الذين لم يرهم منذ أمد، فضلاً عن سرده لخصال كل واحد منهم. وقد جمع البرواني في رحلته بين أسلوبي النثر والشعر.
فن الرواية:
الرواية هي سرد نثري طويل تصف شخصيات خيالية وأحداثا على شكل قصة متسلسلة، كما أنها أكبر الأجناس القصصية من حيث الحجم وتعدد الشخصيات وتنوع الأحداث، تعتمد السرد بما فيه من وصف وحوار وصراع بين الشخصيات وما ينطوي عليه ذلك من تأزم في الأحداث.
ومن أبرز الروايات التي برزت في الأدب العربي ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية)، والمنفلوطي في رواياته (الشاعر والفضيلة ومجدولين).
وأبرز رواية “الطواف حيث الجمر” للدكتورة: بدرية الشحي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1999م، إن أهمية هذه الرواية ليس في كونها أنها تمثل أول سرد نسائي روائي عٌماني فحسب؛ بل أيضا في مضمونها بما فيه من صدى تاريخي يمثل المهجر العُمانى الأفريقي وبجزيرة زنجبار خاصة.
إن الرواية للوهلة الأولى تبدو رومانسية الحدث حيث السرد لقصة حب البطلة (زهرة) لابن عمها (سالم) الذي تركها مسافرا من عُمان عبر البحر إلى زنجبار ليتزوج من امرأة أفريقية سوداء، فينجب ابنا من تلك الأفريقية المناقضة لزهرة في جمال ملامحها، ومن ثَمْ بدافع من أحاسيس الغيرة الأنثوية والشعور بتضخم (الأنا) مع الرغبة في إثبات الذات عبر التحدي للغريمة، تكسر البطلة (زهرة ) قيود العرف والعادات التي تحد من حرية المرأة في مجتمع عربي تقليدي فتهرب من عُمان عبر رحلة بحرية وحيدة وسط الرجال، بحثًا عن حبيبها المفقود وفضولاً لرؤية المرأة المُؤثَرة. لكن البطلة بعد رحلة البحث المضنية لا تعثر على الحبيب ولا على الزوجة ولا على الابن، بينما تعثر على ما هو أهم، تعثر على ذاتها، فعبر معاناة البحث عن الآخر نكتشف رسالة الكاتبة ألا وهي؛ إن بحث البطلة عن الحبيب بوصفه رجلاً لا يعد سوى لهثًا وراء سراب غُرس داخل المرأة بفعل الموروث الثقافي؛ لتقتنع بأن كينونَتها لا تتحقق إلا بوجود الرجل في حياتها وأن قوتها تكمن في الخارج ؛ أي من خلال الرجل، بينما الحقيقة التي تكتشفها البطلة بعد استقرارها في زنجبار وامتلاكها وإدارتها لمزرعة بكافة مزارعيها، أن قوتها تنبع من داخلها عبر اكتشافها مناطق في هذه الذات لم تكن تعرفها، وأن رحلة الخروج هذه لم تكن سوى رحلة البحث عن الذات وتحقيقا لها.
هذه أهم الألوان الأدبية الموجودة في الأدب العماني في المهجر الأفريقي، حسب استقصائي لها من خلال المراجع التي وقعتّ تحت يدي، وكلي أمل بأن أطور ورقة العمل هذه إلى ورقة بحثية بصورة أوسع وأشارك بها في مؤتمر من مؤتمرات اللغة العربية داخلَ السلطنة أو خارجَها.
وأخيرا أنوّه بأن الأدب العماني بشقيه داخل الموطن الأم (عمان) وفي المهجر العماني في شرق أفريقيا وزنجبار على وجه الخصوص لا يزال بحاجة إلى دراسة. وأوجه رسالة إلى وزارة التراث والثقافة بزيادة الاهتمام بتحقيق المخطوطات الموجودة في زنجبار والمتعلقة بعلماء وأدباء العرب العمانيين، إذ ان الحقبة الزمنية التي عاشها السلاطين البوسعيديون ومن هاجر معهم من العمانيين ليست قصيرة فهي تستحق العناء لما لها من قيمة تاريخية ووطنية.

المراجع :

- مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، الدكتور أحمد درويش، 1992م.
- زنجبار في نماذج من الأدب العُماني، د.آسية البوعلي مستشار الثقافة والعلوم الإنسانية بمجلس البحث العلمي، مسقط – سلطنة عُمان. ورقة مقدمة في إطارالأيام الثقافية العُمانية في زنجبار(13- 17 يوليو 2011م).
- الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، الدكتور علي عبدالخالق علي، 1984م.
- جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، الشيخ سعيد بن علي المغيري، 2001م.
- الشعر العماني الحديث .. أبو مسلم البهلاني رائدا، محمد بن ناصر المحروقي، 1999-2000م
- العمانيون والقرنفل، الدكتور محمود عبدالرحمن الشيخ، 2008م.
- زنجبار شخصيات وأحداث، ناصر بن عبدالله الريامي، 2009م

* ورقة عمل ضمن فعاليات الملتقى الأدبي الأول “ميلاد حلم” تنظيم أسرة كتّاب وأدباء محافظة الظاهرة

جوخة بنت علي بن صالح الشماخية
محاضر أول لغة عربية بالكلية التقنية بعبري

إلى الأعلى