الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / (نايف صقر .. بين المعنى ومعنى المعنى..)؟!

(نايف صقر .. بين المعنى ومعنى المعنى..)؟!

بين اللفظ والمعني تسافر أسراب المترادفات الشعرية في فضاء النقد الواسع، كالشكل والمضمون، الموهبة والتصنع، الإبداع والابتداع، الشاعر والمتلقي، وغيرها الكثير من المصطلحات النقدية المتعمقة في قراءة القصيدة أو النص الشعري. واحد من هذه المصطلحات هو معنى المعنى.

معنى المعنى:
” فقد استعمل النقاد العرب كلمة المعنى ويريدون بها أمرين اثنين: الأول الأغراض الشعرية؛ والثاني المعاني الجزئية من أفكار وصور شعرية”(1) . بينما تنبه الناقد عبدالقاهر الجرجاني (ت 471هــ) إلى مصطلح (معنى المعنى) وعرّفه بهذه الجملة الموجزة :” تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر”(2)، وحتى نطبّق هذه النظرية عمليا اخترت لكم أبياتا متفرقة من ديوان الشاعر السعودي المعروف نايف صقر والذي وسمه بعنوان (غشّام). ولنقرأ هذا البيت من قصيدة (رغبات):

وِشْ خطاي الاّ المحبه وِشْ رجاي الاّ وصاله
وِشْ يبي غير المودّه والغلا والمقدريّه

إن المعنى الذي يتضمنه البيت السابق واضح ٌمنذ القراءة الأولى ولا يحتاج لمكابدة وتحرِّ ، فالشاعر يقول : خطئي هو الحب ورجائي هو الوصال، وفي الشطر الثاني يقول بأسلوب استفهامي : ماذا يريد الحبيب سوى الغلاء والتقدير؟ إن البيت لا يحتمل أي تفسير آخر لاستكناه معناه لأنه بيت مباشر وواضح. ولو أخذنا كل لفظة على حدة فإن دلالتها لن تختلف عن الدلالة المتولدة من السياق اللغوي. وستقودنا الألفاظ مجتمعة إلى معنى العتب المنضوي على الندم. والواضح أن هذا البيت يفتقد إلى معنى المعنى “فمرحلة معنى المعنى هي المستوى الفني من الكناية والاستعارة والتشبيه”(3)، وهذا ما سنجده في الأبيات القادمة حيث كشف الشاعر فيها عن موهبته الشعرية الأصيلة، وبرع في تركيب صورة شعرية تشع بالتأويلات المختلفة وتمنح القارئ متعة التفكّر، لنقرأ هذين البيتين من قصيدة (خماسين الوله) :

لو للسحايب يا طويل الهدب سوق
شريت لك برق رهيف وسحابه
هتّانها يا صاحبي لو هطل فوق
إخضرت اطراف السما من عتابه

ما أروع الصورة التي اقتنصها الشاعر من الطبيعة، فقد قلب قوانين الطبيعة من أجل حبيبته طويلة الهدب، فالسحاب يباع ويشترى في سوق خاص ، والمطر يهطل للأعلى وتخضّر السماء عوضا عن الأرض، وبذكاء ودهاء شعري سوّغ أبياته الفنتازية بأداة الشرط (لو) كأنه يطلب من القارئ أن يتخيل الصورة لا أكثر، ولا يطلب منه تصديقها بتاتا فهي من باب الخيال لا أكثر، ولكن هذا الخيال يحمل في عمقه معنىً يتضمن الحالة العاطفية التي يصارعها الشاعر؛ أي أن المعنى متوزع على الصورة الكلية، ولن يستطيع القارئ أن يتوصل للمعنى من ظاهر اللفظ، فظاهر اللفظ يستمد معانيه من مواءمته للألفاظ الأخرى.

شاعرية معنى المعنى:

لعل المثال القادم خير دليل على نظرية معنى المعنى، فجاء في بداية قصيدة (طرْق) :

نار الحطب صفرا وزفراتها زرق
يذكر بها الأخضر ليالي جفافه
لشموسها شبيت في سدرة الشرق
واطعمتها طلح الشجن والحسافه

أن المعنى الواضح والمباشر للبيتين السابقين هو وصف النار، ولكننا لو تعمقنا في محاولة فهم الرموز والاستعارات فسنكتشف أن الشاعر يعني نار الشعر التي هي الموهبة والمعاناة، وإن كان الشعر هو معنى المعنى فإن النار هي المعنى.. وربما سيأتي قارئ آخر ويقول أن الشاعر يقصد (العاطفة الشعرية) هذا يعني أن معنى المعنى يستوعب أكثر من قراءة وتأويل بينما المعنى لا يحتمل سوى تأويل واحد وهو النار، عطفا على الضمائر وعلى تركيب الجملة بأكملها، فمثلا: (زفراتها، يذكربها، لشموسها، واطعمتها).. كل هذه الضمائر تعود على نار الحطب، “فمن مرحلة المعنى يتكون علم المعاني ومن مرحلة معنى المعنى يجي علم البيان”(4).

الهوامش:
1- النقد في رسائل النقد الشعري ص86 للدكتور حسين علي الزغبي.
2- أسرار البلاغة ص102 لمؤلفه عبدالقاهر الجرجاني3.
3- تاريخ النقد العربي عند العرب ص436 للدكتور إحسان عباس.
4- نفس المصدر السابق.

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى