الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / ذَاتَ حُلُمْ

ذَاتَ حُلُمْ

النص الفائز بالمركز الأول في “القصة القصيرة” بمسابقة المنتدى الأدبي 2013م.
كنا اثنين لا ثالثَ لهُما في ذلكَ المقهى ـ الذي يعج بالآسيويين ـ حينما سقطَ هاتفُهُ ولم ينتبه له
- (حميد ماذا يحصل لك ؟)
- لا تسألني يا صاحبي فما نحن إلا كفراشات النار تهوي نحو جحيمها بلا تفكير أُسْتبيحت أحلامنا وما عُدنا نعرف من نحن !!
ظننتُ لوهلة أنهُ سيقدمُ على أمرٍ سيئ في تلك الليلة، كان حديثه مشبعاً بالكثير من الكآبةِ تفوحُ منه رائحةُ الجنون.
لا مارة، ولا أصوات سيارات، ولا حتى همس.. روي علقت ضجيجها فجأه وكأنه لم يكن بها إلا نحن .. هي شاحبهٌ كليلةِ حداد وصاحبي حميد يجاريها الصمت إلا من سعالهِ المستمر وهو يغافلني بين الفينةِ والأُخرى ليسرق أنفاساً خاطفةً من (الشيشةِ) أمامي يمتص السمَ من أعماقها.
أيُ غباءٍ هذا الذي قادني لأصطحبه لمكان مثل هذا ؟
آه يا حميد البائس، كم أُشفق على حالك وأنت الذي أتيت تحمل أحلامك على أكتاف آمالٍ مبتورة سرعان ما دهستها شوارعُ مسقط المزدحمة.
حميد شابٌ أنبته القدر في عائلةٍ لم تعرف إلا البؤس ينتابه هاجس المستقبل، يوقعه في كمين الذاكرة وهو الهارب منها، يواري خلف ابتسامته الساخرة حُزناً تقاسمه مناصفةً مع الوجع يدهشك بحديثه فهو أكبر بتفكيره من الخمسة والعشرين ربيعاً التي ذهبت من عمره .. لو لم يترك مقاعد الدراسة في سن مبكرٍة ليعمل في مزرعة والده لكان اليوم شيئاً كبيراً. جلٌ أحلامه أن يكون له بيت صغير لا يتساقط من سطحه الماء حينما تمطر السماء، وسيارة (بيكاب) ولو كانت ذات طرازٍ قديم .
دائماً ما كان يردد لي جملته المعروفة (نحن المتشردون بعبثيةٍ غريبة الكل يرفضنا ونحن لا نريد إلا أن نعيش فقط ) .. ويقهقه بضحكاته التي تشعرني بجنونه.
تلك الأمسية كان الملل قد خدر عقلي، وسرى كالتثاؤب في شراييني .. ألصق نظره بوجهي كالذي يود البوح بسر ما، أسند يده لذقنه وهو يتبادل النظرات مابيني وبين كوب الشاي الذي أمامه، اعتدل في جلسته ثم قال بصوت بارد لوثه اليأس: (لقد حصلت على عمل إضافي )
جمد أطراف الحديث وجمد تفكيري معه فكيف لجسده الضئيل أن يتحمل كل هذا العبء ؟ ألا يكفي عملنا الذي يبدأ قبيل الفجر وينتهي بالمغيب؟ وأي عمل هذا الذي يبدأ في المساء؟
كان يقاوم عبرات تهم بالسقوط على صفحة خدية ولم أجد لها تفسيراً.غرقت أنا في صمتي وحرمته من مباركتي .. لم يكسر ذلك الصمت بيننا سوى صوتُ فيروز الذي كان يخرج من إحدى السياراتِ المتوقفة أمامنا. كم هي غريبة هذه المرأة تشعرني بنشوة الحياة رغم كل شيء، فكرت في أحد الأيام أن اقتني شريطاً لها، توقفت أمام المحل لدقائق ثم عدت أدراجي لم أشأ أن يراني أحد أصدقائي الملتحين وينعتوني بالفاسد فتذهب سمعتي هباءً من أجل شريط . تأملت حميد طويلاً وأنا أتساءل كيف وافق على العمل الإضافي وهو ليس صبوراً كفاية. كأنه شعر برياح الدهشة تعصف برأسي المثقل بأسئلة تنتظر منه الإجابة فلم يجعلني أتناوش مع ما كان عابراً من إجابات تجول هنا وهناك. عاجلني الرد بقوله: كلهم يزدري حالي ومن يملك المال هو (الشيخ ) لا شيء يرفعني للأعلى سوى مالي .. هذه هي معادلتهم وسأثبت لهم من يكون حميد سأثبت ذلك مهما كان الثمن.
نظراته الرمادية وهو يقول عبارته هذه تشعرني بالخوف فهو يتشبث بحلمه العقيم تشبث طفل بلعبته المحطمة. إنتهى من طعامه وغادرنا نحو الشاطيء حيث ملاذنا الدائم.
الساعة الثانية عشرة وعلى حين حلم يزحف عبء الليل لمدينة لا تغادر كبائر الألم وصغائره ، وشاطيء السيب يتيمٌ يلتهمُ صغارَ الرملِ ويبكي غُربة هذا الرجلِ الجالس على صفحةِ رماله. لم أتفوه بكلمة، نفسه منكسرةٌ، ذليلةٌ ينظر للعتمه بكل هدوء. أخذته من يده وقفلنا عائدين للسكن الذي كان عبارةً عن غرفةٍ صغيرة حصلنا عليها بعد جدالٍ طويل مع صاحبها الجشع. ألقينا بأجسادنا المنهكة واستسلم كل منا لنوم عميق. منذ أن أستلم عمله الإضافي ونحن لا نتلقي إلا صباحاً لدقائق يلقي أحدنا التحية على الآخر ونغادر سريعاً يناضل من أجل حلمه بشراسه بالغة الى أن جاء اليوم الذي كنت أتناول فيه عشائي فإذا بصوتِ الجرس، ظننته حميد قد نسي شيئاً ما، أسرعتُ نحو الباب دلف شخصان يرتديان زياً عسكريأ كان أحدهما بملامح واجمة فلم أتجرأ على السؤال سألني الآخر : أين حميد ؟
- أتقصد حميد بن خلفان ؟ صديقي ؟
- وهل يوجد حميد غيره يشاركك السكن ؟
- ليس هنا غادر قبل دقائق لعمله.
- أي عملٍ هذا الذي تتحدث عنه .. هل المتاجرة بعقول الشباب يعتبر عملاً؟ أخبره بأنه مطلوب في قسم الشرطة وإن لم يأتِ سنحضره (من تحت الأرض ).
لا زلت محنطاً بصمتي اللعين عندما بدأ الرجلان بالتحرك ولم أنتبه لمغادرتهما إلا من صوت ارتطام الباب. عُدت الى الداخل، تهاوى جسدي الى الأرض أسندتُ رأسي على قدميَ المضمومتين لصدري، فراغ هائل يحيط بي ينهش جسدي يحطم كل خلايا التفكير في رأسي .. ماذا يقصد الشرطي بعبارته تلك؟ أيعقل أن يكون حميد قد فعل شيئاً سيئاً ؟ لابد أن هناك خطأ , ربما تشابه أسماء ، حميد ؟؟ لا مستحيل.
انتظرته للفجر وحينما عاد هممت بقراءة عينيه وأنا أستعطف وجهه المجهد أن يجيب على حيرتي، اتخذت مكاناً قصياً عن جسده الذي تفوح منه رائحة العرق كان هناك متسعٌ من الوقت ليحكي لي أحاديث البؤساء والجهاد في الحياة وكيف أنه بدأ بتحقيق حلمه سريعاً وأن مسقط هي عاصمة السعادة.
لم يدرك المغزى من بقائي أمامه لوقت طويل ولم يدهشه مثولي بين يديه، فعاجلته قائلاً: ماذا تعمل بالضبط ؟
- لا شي سائق شاحنة صغيرة أقوم بتحميل البضاعة ونقلها من مكان إلى آخر
- وهل تعرف نوع البضاعة التي تنقلها ؟
- بالتأكيد وهل تراني غبياً للدرجة التي أقوم فيها بنقل شيء لا أعرفه ؟ – قالها بثقة زائدة -
- ولماذا تبحث عنك الشرطة إذاً ؟
سؤالي كان كنصل سيف بتر رأس ثقته المغرورة وبدأ كل شبر في جسده يرتجف بقوة حاول الهرب، أمسكته ودفعته نحو الداخل، وأمام إلحاحي الشديد انهار واعترف لي بكل شيء كان متمسكاً بعبارة (الغاية تبرر الوسيلة) ما الذي زرعوه في عقله أولئك الحثالة الذين كان يصاحبهم.!
ملابسهم الغريبة التي لا تشبه ثيابنا، قبعات رعاة البقر التي يعتمرونها والسجائر المأسورة بين شفاههم السوداء، كان واضحاً أنهم ليسوا أسوياء بالمرة.
وجدت نفسي بعد ساعات من الحديث معه أسلمه بيدي لمركز الشرطة
بدت لي كل الأشياء رخيصة ، حمقاء ، تافهة.. هل يعقل أن يلعب الفقر بعقول الفقراء لدرجة تجعله يحركهم بأصابعه الخفية كالدمى؟ جروح مخيلتي نزفت ذكرياتها لسبب أجهله ربما لأجل شباب حميد الذي أبكي فقدانه وربما لعدم كوني صديقاً جيداً.
قضى مدته وخرج من السجن كان هو نفسه حميد لم يتغير إلا من تلك البقعة السوداء التي لوثت روحه ودفع ثمنها من حريته ، خرج من هناك وترك لي مسقط بزخمها وليلها الساهر، ترك لي غرفتنا المملوءة بالفراغ والعدم ومذكرة كتب في أول صفحة منها
(قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك). وعلى هامش الورقة أسمٌ لفتاة لم أعرفه ولأول مرة أعلم أن حميد يقرأ لمحمود درويش. يبدو أنني لم أكن اعرفه جيداً كما كنت أظن ويبدو أنه لم يعرفني أيضاً . تركني حميد ومضى عائداً لقريته يتسول لأجل ماضيه الجميل وجهاً يعيده بين مرافئه. التقيت به ذات مساء وسألته على سبيل المزاح: متى سوف تصبح حميد الذي لا يقهر؟ أجابني بابتسامته الساخرة : كنت هكذا ذات حُلم لكنك لم تنتبه لي.

عائشة بنت محمود بن علي النقبية

إلى الأعلى