السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فَيَا زَمَنَ المُهْلِكَاتِ تَنَحَّى.. فَهَذِي دِمَشْقُ

فَيَا زَمَنَ المُهْلِكَاتِ تَنَحَّى.. فَهَذِي دِمَشْقُ

علي عقلة عرسان

أراك الخلاصَ دمشق، وأخشى عليكِ ومنكِ وفيكِ.. وأخشى على الشام إن طالت النارُ أطرافَ ثوبكِ.. أَخشى عليهم، بنيكِ.. فأنت الشآم.. وأمُّ العواصمِ، أمُّ العروبةِ، أمّ العباد، ووعدُ السماء لكل البلاد.. وأبحث عنكِ، وأبحث فيك عن المُعْتَصَم.. إلى الأمَويِّ أشدُّ الرحال مرارًا.. عَجولًا أروحُ كريحِ الشّمال..

دمشقُ..
تلوحينَ في موجِ هذا الخضم من الحزن والبؤس.. طوقَ نجاة،
فيغمر نفسي رجاءٌ، ويشتدّ فيَّ نشيدُ الحياة،
ويَصْرُخُ توقي إليك:
“حياتي دمشق..
وصانعةُ المعجزاتِ.. وفخرًا، تكون دمشق.
فيا زمن المُهْلِكات تَنحَّى..
تفيَّا بغير دمشق..
بظلٍّ سوى ظلِّها، الياسمين..
دمشق ستبقى، وتُحيي السنين..
دمشق ستبقى إلى أبد الآبدين
وأنت ستفنَى، أبا المُهْلِكات،
وتبقى دمشق العرين..
عرين العروبة، لا خيمة العابرين
دمشق ستبقى، وتُحيي السنين،
ما بين حَيْنٍ يَبينُ، ومجدٍ يَحين،
وزهو البُناة، وتضحية العاشقين..
لعزِّ دمشق، وخير دمشق..
دمشق ستبقى ثمارَ اليقين،
وحربًا تكون على الظالمين.
تنحِّ، تنحَّ وكن من الغابرين..
ويا ليت قُلْ ـ يا زمن المُهلكات ـ يا ليتَ قُل..
ألا، لا.. لا تَقُلْ..
فكل الكلام إلى مجدِها..
وأنت الزوالُ، الزوال الَمهين..
دمشق البقاء، ونحن الوفاءُ لها، على عهدها..
وأهلُ البلاد، ودرع الحُماة الحصين..
دمشق لنا، والليالي لنا..
ونيلُ الأمانيَ، للصابرين”.

***
وتفتح “يا ليت” صدرَ المحيط،
تشقُّ عُباب الدماءِ إلى التُّربةِ البكرِ..
تزرع قمحًا أصيلًا هنالك، قمحَ الجنوب..
وتغرس زيتونة في الحقول..
ومرجًا من الورد والياسمين..
وتبقى انتظارًا لطيرِ الأمانِ، يُظِلُّ الزمانْ..
يُظِلَّ البلادَ، ويحيي العباد..
ويمنحُ اللَّذة للساهرين.
ويا “ليتَ” تَبقى.. في الظلام نهارًا..
وتَبقى انتظارًا، لأحلام طفلٍ:
بِقُوتٍ، ودفءٍ، وأمنٍ، وعام سعيد..
بعهدٍ من الحُبِّ والنور فيه الجديد.
فلا تهربي يا دمشق من الحلمِ، من “ليتَ”، من الحالمين،
ولا تُصْغِ للصوت اذنُكِ، صوت الصّغار..
لمن يفرش الدَّرب بالياسمين،
ويبهرُ الليلَ بالأُغنيات،
ويحيي الخلائق بالأمنيات،
ويقطع أعناقها في النهار..
لا تسمعي، يا ربيع الفصول، يا دمشق..
لِمَن، بين نَزْعٍ ونَزْعٍ، يُغنِّي، يقول:
“أُزَوِّق ليلي بشمعٍ، أُرطِّب دربي بدمعٍ،
وأرسمُ دارة ضوءٍ بلون دمائي، وبرق ضيائي..
لينجابَ ليلُ يُغشِّي، دمشق،
دمشق سَمائي..”؟!
فذاك غَويٌّ، دَعيٌّ، وذاك هَجين..
تموج به الريحُ على سَريان الذبول..
وتذوي بجنبيه كلُّ الحقول..
يقول، يقول، يقول..
ويذوي.. يذوب رويدًا رويدًا،
مدى ما يقول.
وأرنوه، ينهار مثل انبهارٍ بشلو نَهار؟!
وأرنوه، يفسِد مائي، ويجفو ندائي..
وينهار، ينهار، مثل الأُفُول.
فأبقى.. وأبقى ضرامًا..
يمرُّ حنيني بدارة نارٍ، فدارةِ نار..
وتُمحى رسومي، ويُمحى بعينيَّ كل المدار..
ولا تَمَّحي بعيوني دمشق.

***

دمشقُ.. دمشقُ..
تلوحُ ببابك كلُّ المنائرِ، حينَ يَعُبُّ الظلامُ دروبي،
إخالُ أَنيَ أسمع صوتَ البشائر من “قاسيون”،
فأَهرع، يغزو كياني، كقرع الطبول، الفَرَحْ،
ويجتاح شَدوي نَحيبي،
يبدِّد ظلَّ شحوبي،
ويمحو غيومَ التَّرَحْ.
وتَنْبُتُ في رئتيَّ الأماني ربيعًا،
وفي مقلتيَّ، تلاوينَ قوسِ قُزَحْ..
فأركض.. أركض.. أركض..
بين الفُرات العريقِ، ونهرٍ عَصِيِّ يطوِّع كل العُصَاة..
وبين السهول، البوادي، الجبال.. وبين الحفاة العراة..
أدحرج ناري على الماء، أُحَرِّقُ شوكَ دروبي،
ألملم نفسي، وأَسجرُ يأسي،
وأَجمِّعُ أهلى، وأشتات قومي، لعرسي..
وأصرخ بالناس: هيا.. وهيا.. وهيا..
لنمسَحَ بالعَفوِ كلَّ الذّنوبِ..
نُعَطِّرُ كل القلوبِ..
ونَصْنع للناسِ يومَ الفَرَحْ..

***
تسحُّ دموعي على وجنتيكِ دمشق،
فأقرؤها زهرةَ الياسمين،
وضَمَّةَ وردٍ.. وساقيةً من حنين..
وماء الحياة يفيض على العالمين..
أَئِنُّ.. تئنُّ ضلوعي، دموعي..
ويُثقل قلبي الأنين..
فأمشي حزينًا.. على شفرتين وملحٍ، وطِين..
أعودُ من الغوطتين إليكِ..
إلى باب “جَيرون”.. دربِ الطّيُوبِ.. وخانِ الحريرِ..
ومئذنة الجامع الأمَوي “العروس”..
إلى نبعِ نهرِك، نهرِ العطاءِ..
إلى بردى حيث كلّ الرجاء..
أجول، أبوابك، بابًا، فبابًا، أجول.. وثم أعود..
فألقاك حُزنًا مُصفَّى..
وألقاهُ، نهَرك، دمعَ القرون،
ومن ضفَّتيه يضجُّ البُكاء..
وفي ضفتيكِ تُقيم المَنون..
فأبكي، وأبكي، ونبكي على من فقَدْنا..
على شامِنا.. على عِزِّنا الذي لا يَهون..
على الماءِ يجري حزينًا، وفيه صبيبُ الدماء..
على نجمتين، ثلاثٍ، وما شئتَ..
و”عالي السناء يحاكي السماء”..
على الشّهدا، حُبنا، والبِناء، الوفاء..
وأسأل عنك النهارَ.. فيسأل عنّي المساء..
أضيعُ.. نضيعُ دمشق.. يضيع الضِّياء..
ويسأَلُنا الأمسُ عن يومنا،
وتسأَلُ كلّ الشآم عن القادماتِ.. أيامِنا..
وعن صَبوات السماء إلى أرضنا..
فأغرق في عتمةٍ من خراب..
وأصبحُ جنحَ الغراب..
يَبابًا يغطي اليباب..
يرينُ الغيابُ عليَّ، وأُضحي الغِياب..
وينساب ليلٌ بهيمٌ، ويغدو الصباحُ بحكمِ السراب..
يروح الحمامُ بعيدًا بعيدًا إلى غربةٍ من رُخام..
ويبقى بقربي صراخُ الأنام..
ونافورةٌ في فضاء المَقَام..
تنزّ دماءً وتَبكي، ويرفدُها قاتلٌ لا يَنام..
وتهذي المياه، مدى الوقتِ:” أَهذي دمشق”؟!.. وأهذي:
“أهذا أنا، يا أنا، يا دمشق؟!
أَدمشق “الهَناءِ”.. قبورٌ هناك، وموت هُنا..؟!
وطفلٌ يهيمُ على ضِفَّتَينِ، قَريبُ المنايا، غَريب المُنى..
غَريبٌ هناك، أَيضًا هنا..
وشيخٌ به وردةٌ من دماء، وبؤسٌ يطول شِغَاف الفؤاد..
فلا الدربُ دربٌ، ولا الأهلُ أهلٌ،
ولا الشام شام، وما مِن رَمَق..
أَهذي دمشق؟!
أهذا أنا: في الشعاب دماء..
وفي الشام: موتٌ، وبؤسٌ، وعيشُ الإماء..
وهينمةٌ بالأماني تشيخُ.. وما من رجاء؟!
أهذا أنا، يا أنا، يا دمشق..؟!..
ألا.. لا..
وألفٌ على لا..
لأَنتِ ضباب دمشق،
خيال دمشق،
ورُؤيا تُخيِّلُ لي في المنام دمشق.
فأَرفضُ ذاتي، أكسِّرُ كلَّ مرايا حياتي..
أَدُوسُ مرآتيَ المهملة..
وأرفضُ هذه الزَّلْزَلَة..
أكسِّر رؤيا المنامِ، المنامَ،
وقولَ الأنامِ: تناهت دمشق إلى..
لا أطيق الكلام..
ولا.. لا أُطيقُ الكلام.
أنا في الدماء، أكسِّر ذاتي، أكسِّرُ مرآتيَ المهملة،
وأمشي على كسرات الزُّجاج المهشَّمِ،
فيَّ، أنا ودمشقَ، أروم دمشق..
أموجُ، أَروج، يَشِتُّ بيَ الدَّربُ..
وأبقى لصيقًا بجرحي، بملحي، وحَوَاري دمشق..
وأبقى، وتبقين جرحي، وكل الرجاء دمشق..
ونبقى معًا على صهواتِ الدّموعِ سُؤالًا..
إلى أن ينام النهارُ على دمعِنا..
وتُدفنَ في التُّرْبِ أعمارُنا..
ولكنعلى العهد نبقى،
وتبقين رمزًا، دمشق..
نموت، وتحيا دمشق.

***
أراك الخلاصَ دمشق، وأخشى عليكِ ومنكِ وفيكِ..
وأخشى على الشام إن طالت النارُ أطرافَ ثوبكِ..
أَخشى عليهم، بنيكِ..
فأنت الشآم.. وأمُّ العواصمِ، أمُّ العروبةِ،
أمّ العباد، ووعدُ السماء لكل البلاد..
وأبحث عنكِ، وأبحث فيك عن المُعْتَصَم..
إلى الأمَويِّ أشدُّ الرحال مرارًا..
عَجولًا أروحُ كريحِ الشّمال..
وأرفع صوتي هناكَ، فيرفع الأمويُّ صوتًا معي..
أقول، نقول معًا:
“.. أيا أمل الآملين دمشق..
متى نَرفعُ السيفَ عن بعضنا..؟!
متى يُزهرُ العقلُ في أرضنا؟!
متى يرفدُ العزمُ نهرَ الحياة بأصقاعنا..؟!
متى تستظل الحياةُ بنا..؟!
متى.. ومتى.. ومتى.. يا دمشق..؟!
وألهثُ.. ألهثُ.. بين الأزِقَّة، بين البيوت..
وما بين طفلٍ يجوعُ، وطفلٍ يموت..
وألهثُ.. ألهثُ..
تسبق قلبي المخاوفُ، يسبق قلبي الأَمل..
أُداري دموعَ النوائب أرجو دموعَ الفرَح
وتَفرش عيني الربيعَ فيأكل قلبي الترَح
وألقاكِ بين الجراحِ على شفتيك المرَح
تقولين:
“هذا شقيقٌ يخون وهذا حَفيدٌ فلَح؟!
وهذا صديقٌ وفيٌّ وهذا رفيقٌ سَرَح
وهذا عدوٌّ لئيمٌ ولا عُجْب إن هو ذَبح
وهذا، وهذا، وهذا.. وصدرُك للنائبات انشرَح
فأعجَب منكِ، وأعجَب فيكِ.. وهزؤك بالنائباتِ اتَّضح
أقول هي الشام تسخرُ بالعابرين على ظلها كعبور الشَّبَح..
وفيها فنون الحروب، وفيها فنون الكلام، وفيها فنون المرَح..
أما زلت تهوين هذا دمشق..؟!
ويغريك ذوبُ الكلامِ نضارًا..
ورفعُ النشيد شعارًا..
وصادحُ ليلٍ صَدَح..!؟
أما تُبت يا جَنة من فتون..
وعشقًا تجاوز حدَّ الجنون..
وحُضنًا يحنّ لكل حنون..
أما تبت يا عشقنا والحنايا، وكل متون الظنون؟!
أما زلت مهدَ الصِّبا والفَرَح؟!
نئنُّ.. تصولين.. أُمًّا تصون البنين..
وتَزأرُ، بالطامعين، تدفعُ عنها المنون..
وتتئمُ فيكِ القرون مِراسًا شديًّا، يصون..
تثور الثّغورُ، فتحمينَ أمنَ الثّغور..
ويعلو نشيدُ كقصف الرعود.. وغيث من المعصِراتِ هَتون..
يقول: الحياة دمشق.. وفرسانُها يُجْحِمون الحُزُون..
تهزّين عودَ الزمان دمشق فيسقط مجترِحٌ.. ما اجترَح
وتبدين أعلى من النائباتِ ومن كل قَرحٍ إذا ما قَرَح
فأحني لك الرأس أُمًّا رؤومًا، وأدخل منك بهيَّ الجِنان..
يطوِّقني الزهر قبل الجُمان ويَحْضُنني الحُبُّ قبل الحَنان..
وأصحو على العيد في كل بابٍ.. على العشق يحتضن البيلسان..
أصيحُ: “دمشق.. وحق الإله دمشق”..
وتجري دموعُ الفَرَح.

***
دمشق.. أراكِ..
ولا ينظر القلب نجمًا سواك..
أراك.. يبرعِم زنداك، رغم انصباب الدماءِ، نَهارًا..
أراك مَنارًا.. فلا.. لا تغيبي..
أراك بهاء الحياة..
أضيئي إلى الصبح دربًا دمشق.. وكوني النجاة..
وقولي: “تعالوا.. تعالوا..
وهاكم خذوا من دمشق النهارَ وعَزْمًا..
وسيروا على ضوء قلب دمشق إلى أمةٍ واحدة..
إلى وقفةٍ ماجدة..”.
أَشَامُ.. أَشَامُ.. أقولُ:
“الإناءُ الكبير يضمُّ الإناءَ الصغير،
ومن أسكَرته الوعود فأضحى عَميًّا جهولًا..
على ساعديك يصير البصير..
برحمةِ أمٍ، وحكمةِ شيخٍ، وطهرِ نبيٍّ، وحرص القوي القدير..
تعَالَي على الجرح، وابني صروح السَّماح..
فأنت الإناءُ الكبيرُ، وأنت النَّدى والفلاح..”..
فهلا فعلت دمشق، وهلا عَصَمْتِ الصِّغار..
وبَلْسَمت كل الجراح..
وهلاّ أَضَأتِ النهار..
فإنا انتظارٌ دمشق..
وإنا انتظار.

إلى الأعلى