الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشاعر رفعت زيتون لـ “أشرعة”: القصيدة ذات الاتجاه الصوفي جزء فطري من الشاعر حتى وإن أخفى ذلك وادعى غيره

الشاعر رفعت زيتون لـ “أشرعة”: القصيدة ذات الاتجاه الصوفي جزء فطري من الشاعر حتى وإن أخفى ذلك وادعى غيره

يميل إلى الوسطية في استخدام الرمز والمفردات الغريبة وغير المتداولة

شعر المقاومة لا ينتهي ما دامت هناك مقاومة، والتغيير الذي يطرأ عليه كمّا ونوعا يعتمد على التغييرات داخل المجتمعات
أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا
يؤكد الشاعر رفعت زيتون ان الرمز من أدوات الشعر الجميل ما دام مفهوما وواضحا ومتماسكا وبعيدا عن المغالاة في الغموض. وحول طغيان الهم الفكري والفلسفي على قصائد ديوانه “نوافذ ” يقول في حوار مع ” اشرعة “: ما نعيشه في هذه الأيام يسكب الخوف والقلق في قلوبنا سكبا، فنصبح لا ننفك نفكر في هذا الواقع الذي نعيشه، وما قد تؤول إليه الأمور، والنهايات المتوقعة، وبالتالي نحاول أن نجد الحلول قبل فوات الأوان.
والشاعر رفعت زيتون من مواليد القدس حاصل على بكالوريوس هندسة مدنية و بكالوريوس برمجة وتحليل نظم.
وهو عضو ندوة اليوم السابع في القدس الشريف ـ وعضو شعراء بلا حدود الدولية. حائز على جائزة ناجي نعمان الدولية للإبداع لعام 2010 صدر له: ” حروف مقدسية على السور الجريح ” ـ “نوافذ”ـ ” على شفا القيامة” بمناسبة صدور ديوانه الجديد ” على شفا القيامة ” التقيناه وكان هذا الحوار..

* هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن البدايات..واهم الشعراء الذين تأثرت بهم..؟
** البدايات في كتابة الشعر أو لنقل الميل للشعر عموما، فقد كانت في نعومة أظفاري، وأذكر أنني بدأت أول خاطرة لي وأسميتها آنذاك قصيدة وأنا في الصف السادس الابتدائي، حيث كتبتها لصديق لي مهنئا إياه بعيد ميلاده. ولكن البدايات الحقيقية أعتبرها عندما بدأت دراسة أصول الشعر وأنواعه. وقرأت الكثير من كتب النقد التي ركزت على الشعر تحديدا. وكان لندوة اليوم السابع الفضل الأكبر علي في ذلك المجال. أعتبر أن تلك كانت البداية الحقيقية لكتابتي للشعر. وأضيف أن المنتديات الأدبية التي شاركت فيها قبل مواقع التواصل الاجتماعي كان لها أيضا مساهمتها في صقل موهبتي وموهبة العديد من الكتاب المبتدئين، وذلك نظرا لوجود كتاب وشعراء ونقاد كبار من كل الوطن العربي، حيث كانت التوجيهات والتعليقات والنقد البناء وتبادل الأفكار والثقافات. ومن هذه المنتديات مثلا منتدى الواحة الأدبي بقيادة الشاعر الكبير ( العمري)، والجمعية الدولية للمترجمين واللغويين الدولية (واتا )، ومعهد الدراسات العربية وغيرها الكثير الكثير.
أما من حيث الشعراء الذين تأثرت بهم وطبعا لا أزال أعود إلى قصائدهم وهم كثيرون، منهم المتنبي ومحمود درويش ونزار قباني والجواهري ومظفر النواب، وطبعا شعراء العصر الحديث خاصة أولئك الكبار الذين التقيت بهم في تلك المنتديات الأدبية.
* تتحدث معظم قصائد ديوانك ( حروف مقدسية على السور الجريح ).. عن القدس..لماذا.. هل بقي ما نكتب عن القدس بعد كل ما كتب عنها..؟
** ربما كان للقدس في ديواني الأول النصيب الأكبر من القصائد وهذا ليس غريبا على من ولد من رحم المدينة ورضع من حليبها ومشى في أزقتها وتعلقت رائحة جدرانها العتيقة في جسده وثيابه فكانت الحبيبة الملازمة وجدانيا له.. ولو أنني كتبت لغير القدس من العواصم العربية التي أعتبر أن كلها بيوتا لي وأهلها أهلي فكتبت عن همّها وجمالها وآثارها فكتبت للقاهرة ولدرعا وحلب وتونس وبنغازي وغيرها. ألم أقل في أحد القصائد:
افتح عيونك هذا النور لا عجبُ … شمس البلاد وقلبي إنها حلبُ
أما عن القدس وهل بقي ما يقال فأقول: إن الله قد اختصها بقدسية خاصة من لدنه وهذه القدسية لن تنتهي لأنها من لدن ربّ وهاب وبالتالي فإن القدس التي هي قبلة الأمة الإسلامية والعربية بمقدساتها الإسلامية والمسيحية لن يشيخ حبها أبدا ولن يتوقف الشعراء عن الكتابة لها. ومهما كتبنا فما زال هناك الكثير الكثير.
* غلب الطابع المباشر على العديد من قصائد ديوانك الأول.. هل السبب انها سياسية.. وهل بالضرورة ان يكون الشعر السياسي مباشرا.. ؟
** السؤال يتعلق بالشعر من ناحية وبالسياسة من ناحية أخرى ولكلّ منهما ضوابط وأدوات وأساليب للخوض فيه. وإن الرمز من أدوات الشعر الجميل ما دام مفهوما وواضحا ومتماسكا وبعيدا عن المغالاة في الغموض وقد قالوا ( إن الإيجاز والمجاز من دلائل الإعجاز ) والمجاز هو الرمز. أما السياسة فتقتضي وضوح الموقف وإيصال الفكرة إلى العامة بطريقة يفهمها العامة دونما تحميل الفكرة فوق ما تحتمل وبالتالي فعندما يكون الحديث عن الشعر السياسي فيجب على الشاعر أن يجمع بين هذه الضوابط وأن يوفق بينها ما استطاع ولو أن الشاعر أحيانا يلجأ إلى الرمز على حساب وضوح الفكرة لأسباب تخص النمط السياسي السائد في بلده فمجتمع تنعدم فيه حرية الرأي والصحافة يميل الشعراء إلى الابتعاد عن المباشرة ليس حبا بالرمز ربما ولكن اتقاء الأسوأ.. والحقيقة أنني أميل إلى الوسطية في استخدام الرمز وكذلك في استخدام المفردات الغريبة وغير المتداولة مع تضمين النصّ قليلا منها للمحافظة على مستوى معين للقصيدة ولإثراء المخزون اللغوي لدى القارئ ومحاولة لإحياء مفردات اللغة ولكن دون إغراق أو إرهاق للقارئ.
ومع ذلك فلي العديد من القصائد التي يظهر استخدام الرمز فيها جليا ولعلها ليست كثيرة في الديوان ولكنها حتما موجودة ولكن بالقدر الذي أنا أريد أن أقدّره. ولا أنكر جمال القصيدة الرمزية التي يسهل استخدام مفاتيحها لفهمها ولي موقف من الرمزية التي لا يفهمها إلا كاتبها.
* كنت أكثر ذاتية في ديوانك الثاني ” نوافذ “.. وكان ملاحظا طغيان الهم الفكري والفلسفي على قصائده.. ؟
** ديوان (نوافذ) أعتبره قفزة كبيرة مقارنة بديواني الأول ( حروف مقدسية)، حيث طغى على القصائد الهمّ والفكر الإنساني، ولبست القصائد ذلك الثوب القلِق الذي أصبح زيّا عالميا أنّى نظرنا. والذات جزء من ذلك الكلّ الإنساني. والشاعر عندما يتحدّث عن همّه إنما يتحدّث عن همّ الكثيرين. ودليل ذلك أنني لست طفلا ولكني تحدثت بلسان الطفل المشرّد في شوارع البؤس العربية عندما قلت على لسانه ( قد كفرتُ بحبّكم، لا حبّ ينمو في ثرى الحرمانِ).
وما نعيشه في هذه الأيام يسكب الخوف والقلق في قلوبنا سكبا، فنصبح لا ننفك نفكر في هذا الواقع الذي نعيشه، وما قد تؤول إليه الأمور، والنهايات المتوقعة، وبالتالي نحاول أن نجد الحلول قبل فوات الأوان.
* تبدو المؤثرات الدينية واضحة في أكثر قصائدك. وجاء ذلك جليا في الرموز الدينية المستوحاة من التوراة والإنجيل والقرآن.. كما تلجأ غالبا للتناص القرآني، قصيدة ( ياليل فاحذر ).. ؟
** الرموز الدينية جزء من حياتنا، وكما قال الشاعر ( وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ)، ولا أشدّ علينا من هذا الظلام الذي يحيط بنا من كل جانب كأنه بحر لجيّ ظلمات بعضها فوق بعض. وفي هذا السواد نحتاج إلى سنيّ الأنوار وبهيّ الأقمار لتبديد الحلكة والعتمة من حولنا، وذلك لا يكون إلا باستدعاء تلك الرموز. فإذا اختارهم الله فراقد لهداية البشرية وإنارة دربهم، فحريّ بنا أن نقتدي بذلك وندعوهم كلما ادلهمّت سماؤنا. وهم رموز استمدوا القوة من الله، وبالتالي فهم أقوياء، وفي حالات الخوف والقلق يكون الإنسان ضعيفا، والضعيف يحتاج إلى القوي بل والأقوى وهذا من أهم الأسباب لاستدعاء تلك الرموز. والسبب الآخر أن تلك الرموز عادة تكون أكثر إقناعا في تمرير العبرة والفكرة التي يراد إيصالها، وهذا ما يحتاجه الكاتب صاحب الرسالة أو الفكرة والذي يريد إقناع الناس بها. أما في قصيدة السجن ( يا ليل فاحذر ) فكان استخدام القصة القرآنية حاضرا أمامي لربط أحداث الحاضر بالماضي بان الظلم واحد وأن السجن واحد والسجين واحد فتحدثت من زنزانة يوسف الفلسطيني بلسان يوسف النبي، ولذا فأنا أستخدم التناص متى ما كان ذلك يكمل اللوحة بطريقة مثلى.
* تكتب الشعر العمودي.. كما تكتب شعر التفعيلة.. أين أنت بالتحديد من هذا وذاك.. ما الذي يحدد شكل القصيدة عندك..؟
** أنا أعتبر أن كثيرا من الشعر هو من يكتب الشاعر وليس العكس وبالتالي فمثلما أن الشعر يكتبنا فهو يختار الطريقة للكتابة فأحيانا يفرض النمط العمودي وأحيانا يفرض على الشاعر شعر التفعيلة وكلاهما شعر موزون وأنا أميل فقط إلى الشعر الموزون، وهذه وجهة نظر لا تنقص من قدر غيره من أنواع الشعر.
وأنا أجد نفسي في المكان الذي تضعني فيه القصيدة والفكرة فأجدني بدأتُ أكتب القصيدة العمودية دون تفكير او العكس، ولكني أعتقد أنني في الشعر الديني والوطني أميل إلى كتابته باستخدام النمط العمودي أما الشعر الوجداني والإنساني فأجده أقرب نمط التفعيلة.
* في هذا السياق ما هو رأيك بقصيدة النثر.. وماذا بعدها.. ؟
** هذا موضوع خلافيّ لا أودّ الخوض فيه كثيرا وقد تناوله الكثيرون بالبحث والنقاش والجدل وأحيانا التهجم وخوض المعارك وكأنّنا نحتاج إلى ساحات أخرى لمعارك أخرى. وأقول إن من حقّ الشاعر أو الأديب أن يختار الطريقة التي يكتب فيها وهناك من النثر ما هو بجمال القصائد الشعرية الموزونة وربما أجمل وقد أجاد كتابها أيّما إجادة وأنا شخصيا لا أميل إلى كتابة النثر، و لا أسميه شعرا..فالشعر الذي عرفه العرب هو الشعر الموزون والمقفى ولن أكون ممن يقول أن التفعيلة ليس من الشعر فهذا أيضا رأي مجحف في حقّ شعر التفعيلة خاصة أن التفعيلة شعر موزون بتفعيلات الشعر العربي المعروف. وعودة إلى النثر فكما قلت أنا لا أسميه شعرا وهذا ليس إنقاصا من قدره ولا قدر أهله بل أسميه النثر الجميل لأنه يستحق أن يسمى باسمه وهو النثر وهو أخ للشعر وأعتقد أن تسميته شعرا يكون فيه من الظلم له الكثير لأنه يلغي كينونته وذاته الجميلة ويسميه بغير اسمه وكأنّ في اسمه ما يعيب… وهذا مجرد رأي وكم تمنيت لو لم أجبْ على هذا السؤال.
* رأى احد النقاد ان عناوين قصائد ” نوافذ ” ( أنتِ اشتياقي.. وأنتِ السّرابْ، طوتِ السّطورُ حروفَها، منْ بينِ قطراتِ المطر، غيثُ الفؤادْ، قالَ لي حُلمُ المساء، لو تموتُ الذّكرياتْ..)، كانت تشي بحالة اقرب للبوح والعشق ” العشق العذري”..ماقولك..؟
** بالنسبة لتلك القصائد وأنها عشق عذريّ كما قال أحد النقاد، فأنا لا أتفق معه في كونها جميعها عشق عذري. قد يصلح ذلك الوصف لبعض تلك القصائد مثل قصيدة ( أنتِ اشتياقي.. وأنتِ السّراب)، ( وقصيدة قال لي حلم المساء)، ( وقصيدة من بين قطرات المطر)، ولكن ذلك يختلف في باقي القصائد التي تختلف في فكرتها وتوجهها ورسالتها؛ فمثلا ( قصيدة طوت السطور حروفها) وقصيدة ( لم يعد في النهر ماء) تتحدث القصيدتان عن خريف العمر وقرب النهاية وذلك الإحساس المصاحب للإنسان وهو يتلمس جفاف العروق في أيامه. وقصيدة ( غيث الفؤاد ) اتّكأت على فكرة الحثّ على التمسّك بالفضيلة والأخلاق الحسنة والتقرب للفكر السماوي السّامي وقمع وساوس الشيطان في النفس. وقصيدة ( ألا من خبر) هنا كان الحديث ذاتيا محضا وقد تلامس في فكرتها وجدان الكثيرين، لكنني تحدثت فيها عن تجربة حياتية ذاتية، تحدثت فيها مع نفسي ومع القدر بعدما بلغ سيل همّي زُباه.
أما قصيدة ( عابرة سبيل) فهذه لم تُقرأ كما يجب أن تقرأ، لأن الحديث فيها عن الدنيا ومفاجآتها غير المتوقعة لهذا أسميتها عابرة سبيل. أما قصيدة ( لم يبق إلا الكلمة) فالحديث عنها يطول وسيكون كإجابة في سؤالك اللاحق.
* استوقفتني قصيدتك الملحمية (لم يبق إلا الكلام) والتي ” تقمصت” فيها دور الصوفي تارة والفيلسوف الحكيم تارة اخرى.. ( لم تبق إلا كلمة الأنوار / بدّد عتم ليلك / واقتحم جدر السواد ودكّها / يا صانع العهد الجديد / انهض بها من تحت أكوام السواد / بنورها / وأعد إلى الدنيا البياض ) ؟
قصيدة ( لم يبقَ إلا الكلمة): هذه القصيدة الطويلة والتي قسمتها إلى سبعة وثلاثين مشهدا شعريّا، وكانت بحجم ثلثيّ الديوان. في هذه القصيدة تقمصت فيها دور الموجّه والناصح وفي بعض الأحيان دور الرجل الصوفي كلما كان لذلك ضرورة لغرض ما. هذه القصيدة تناولت فيها تجربة إنسانية لإنسان متخيّل في ذهني وقد لفّه القهر والخوف والضعف، وجعلته يبدو كأنه في كهف لا يخرج منه، فكان دوري كموجّه له للخروج من ذلك الكهف عبر فتح نوافذ الأمل؛ ليرى من خلالها الكثير من التجارب المشابهة لتجربته والتي حدثت عبر التاريخ منذ نشأة الكون وحتى يومه هذا. وفي كل مرة كنت أفتح له نافذة يرى من خلالها تلك التجربة، وصلت معه لخلاصة العبرة المبتغاة، وسرت معه رويدا رويدا إلى أن أخرجته من ذلك الكهف فطلبت منه عندها أن يهدم ذلك الكهف، وأن يعيد إلى الدنيا البياض الذي كان يوما وافتقدناه. في هذه القصيدة كان هناك العديد من الاستدعاءات للرموز التاريخية والدينية الكبيرة، وقد لمحت لها من خلال المواقف والكلمات دون الإشارة إليها مباشرة، وأردت بذلك أن يصل القارئ لكل رمز بمفرده، فلم أقل أن محمدا عليه الصلاة والسلام فعل كذا في تجربة مشابهة، ولم أقل كذلك فعل موسى أو عيسى عليهما السلام، ولكن تركت للقارئ أن يستنتج ذلك بنفسه. هذه التجربة الشعرية أعتبرها الأكبر والأهم في حياتي ومشواري الأدبي حتى اليوم، وقد عرّج عليها بعض الأدباء والنقاد وكتبوا عنها في الصحف والمواقع الإلكترونية.
* هناك اتجاه صوفي واضح في العديد من قصائد ديوانك..لماذا.. وهل توافقني أن العودة للتراث الصوفي أصبح ظاهرة يلجأ إليها معظم الشعراء في السنوات الأخيرة.. ولاسيما بعد ادونيس ؟
** هي ظاهرة قرأتُ عنها أكثر مما لمستها ولعل ذلك بسبب عدم متابعتي للكثير من الشعراء وبما أن هذه الظاهرة قد أخذت قدرا من الاهتمام من الباحثين فلا شكّ أنها ظاهرة وموجودة وبقوة. وعلى الصعيد الذاتي وتجربتي وخصوصا في بعض قصائد ديواني، فأنا لا أدّعي أنني أمثل هذا الاتجاه أو أنتمي إليه ولكني أنتمي في قصائدي إلى إحساسي باللحظة، فإن كان الإحساس في تلك اللحظة صوفيا كنت كذلك وهذا ما أعتبره توحدا مع الذات ومصالحة معها فلا يمكن أن أكون في غيهب حزن وأكتب كطائر يغني طربا. القصيدة ذات الاتجاه الصوفيّ هي جزء فطريّ من الشاعر حتى وإن أخفى ذلك وادّعى غيره. وأنا عندما كتبت بعض هذه القصائد كنت أتحدث عن تجربة ذاتية شعرت خلالها بتفاهة هذه الدنيا.. ولكن من يقرأ الديوان يجد القصيدة الوطنية القصيدة الإنسانية التي تحثّ على الأمل والقصائد الوجدانية.. وصولا إلى القصيدة الجدارية التي أعتقد أنها تمثل نهاية كلّ شيء فكانت خاتمة الديوان..فكانت كل قصيدة من الديوان تمثل أحداثا أو لحظات من عمري كتبتها على قدر استطاعة قلمي شعرا.
* تقول في قصديتك ” ألا من خبر”: غريبًا غدوتُ كطيرٍ حزين/ تُرى هلْ سلتني غصـونُ الشــجَرْ. والسؤال متى يشعر الشاعر بغربة في وطنه.. وأيهما أسوأ الحرية في المنفى، أم السجن في الوطن”، ؟
** قصيدة ( ألا من خبر): أعتبرها قصيدة حياتي الخاصة وانفعالاتي وهمّي الخاص، وفيها كان البثّ والنجوى، تحدّثت فيها مع نفسي ومع القدر، محاولا أحيانا قتل اليأس في نفسي، وأحيانا استجداء السكينة والاطمئنان بعدما بلغ اليأس مني ما بلغ. طبعا لا يصل الإنسان عموما لهذه الحال إلا عبر تراكمات عايشها، ولم يحالفه الحظ في إيقافها عند حد ما. هذه الغربة في الوطن وبين الأهل والعشيرة إذا تملكت الفتاة قتلت فيه روح الأمل، وجعلته كسفينة بلا شراع ولا بوصلة. أما عن أيهما أشدّ على النفس الحرية في المنفى أم السجن في الوطن، فإنني حقيقة لا أملك الإجابة عليها، لأنني عشت الغربة في وطني ولم أعش المنفى، وهذا يجعلني أفشل في عقد المقارنة لانعدام المعلومة.
* يرى البعض ان تأثير الشعر في الإلقاء وليس في القراءة.. ؟
** هذا مؤكد طبعا، فالإلقاء الجيد والمجيد يوصل الفكرة والإحساس الذي يريده الشاعر إلى المتلقي كما يريده الشاعر، فتجد الشاعر المتميّز يجيد هذا الفنّ وعندما يقرأ تجده يتحكم بنبرة صوتها بما يخدم النصّ فتجده تارة يرفع صوته وتارة يخفضه ويهمس الحروف همسا أو يمدّ بعضها ويخطف بعضها الآخر خطفا والإلقاء فنّ يجب على الشاعر أن يتعلمه كما يتعلم باقي فنون الشعر وأدواته هذا طبعا للشاعر الذي يقف أمام جمهوره.
وأجد أنّ القارئ الجيد والمتذوق للشعر والذي يريد أن يستشعر كل حرف بالقصيدة أن يتعود على القراءة الشعرية تماما كما لو أنه هو الشاعر الكاتب للقصيدة. وأمر آخر في الإلقاء وهو استخدام لغة الجسد بمعنى استخدام اليدين والعينين والحاجب والجبين والثغر في إكمال اللوحة الشعرية التي يريد.
والصوت أظنه من أهم الضرورات في عملية الإلقاء ولا يغيب عنا في هذا صوت الشاعر الكبير نزار قباني وكذلك الشاعر الكبير محمود درويش في صوته ولغة جسده.
* إذا انتقلنا إلى الشعر الفلسطيني..كيفَ تنظر إلى شِعر المقاومة الآن؟ وهل ما زالَ الشّعرُ الفلسطينيُّ شِعرًا مُقاومًا فِعلًا..؟
** شعر المقاومة لا ينتهي ما دامت هناك مقاومة. والتغيير الذي ممكن أن يطرأ عليه كمّا ونوعا يعتمد على التغييرات داخل المجتمعات، ومنها المجتمع الفلسطيني الذي طرأ عليه الكثير من التغييرات وخاصة بعد أوسلو. فقطاعات الشعب تتبع في أفكارها فكر أحزاب معينة. تلك الأحزاب اجتمعت على فكر المقاومة في حقبة السبعينات والثمانينات وأيام الانتفاضة. ولكن عندما دخلت منظمة التحرير في عالم المفاوضات وأخذت صفة عالمية رسمية عندما أصبح هناك سلطة وطنية، أصبح لمنظمة التحرير وغالبية فصائلها توجهات أخرى تميل إلى العمل السلمي غير المقاوم، وهذا بالتالي أثر سلبا على هذا الجانب من الشعر الفلسطيني. وبالتالي لا يمكن أن نقول أن هناك شعر مقاومة كما كان يوما، و بالمقابل هناك شعر مقاوم حقيقي ولكن بنسبة أقل بكثير مما كان يوما. وهذه القضية لا أظنها حكرا على المجتمع الفلسطيني وحده، بل أنها أصبحت ظاهرة عامة في المجتمع العربي ككل، خاصة بعدما انشغل الناس بصراعاتهم الداخلية وثورات الربيع العربي كما يسميه البعض.
* وكيف ترى هذا المشهد الشعري الفلسطيني في الداخل ( أراضي الـ 48 والضفة والقطاع ). وأين هو من الشعر في الشتات..؟
** لعل هذا السؤال يرتبط ببعض جوانبه بالسؤال السابق؛ وذلك أن حالة الشعر ترتبط بحالات المجتمع والناس في كل الميادين. ونحن اليوم نعيش حالة انهيار في كل شيء وعلى كافة الأصعدة؛ سياسيا واجتماعيا وفكريا واقتصاديا. ورغم ذلك فهنالك أدباء في كل الأقطار العربية وشعراء يصرون على أن تبقى زهرة الشعر يانعة وألا يجفّ عوده مهما بخلت السماء بغيثها؛ فترى الحركات الثقافية والفعاليات والمهرجانات التي ترعاها المؤسسة الرسمية وكذلك تلك التي يرعاها أهلها بشكل خاص وطوعيّ. وهناك دور النشر الحديثة ومئات وربما الآلاف من الشعراء والكتاب الذين أصبحنا نسمع أسماءهم في كل البلدان. ولكن للأمانة ما زلنا بعيدين عن إعادة المشهد الأدبي والشعري والثقافي والفني عموما إلى ذلك المشهد الذي عشناه وقرأنا عنه قبل عقود.
* يراهن البعض على المشهد الشعري الشاب في فلسطين، فهو برأيهم المشهد الأكثر خطورة وتميزاً في العالم العرب..ما رأيك..؟
** للإجابة عن هذا السؤال يجب علي أن أكون موضوعيا من ناحية فلا أنحاز لهذا الرأي أو ذاك وأن أكون مطلعا على المشهد الثقافي والشعري بشكل شمولي في الوطن العربي. ولكني أقول إن هذا الرأي فيه الكثير من الصواب، من خلال متابعتي لفئة الشباب، وهذه الصورة البهية التي يظهرون بها وفي ذلك التنوع الذي يقدمونه. طبعا الأحداث التي يعيشها الوطن لها تأثير كبير على الأداء، فمن ناحية نجد أن تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها الشباب تخلق تلك الحالات الوجدانية والمحفزات لظهور إبداعهم، فالمعاناة تخلق الإبداع. ولكن من ناحية أخرى فإن الظروف السياسية والاقتصادية تشكل أحيانا معوقات في طريق البعض وتقتل فيهم بواعث الإبداع. ونحن في أيام قد تشهد تحولات كبيرة في المجتمعات العربية وعلى كافة الأصعدة، هذه التحولات حتما ستؤدي كذلك إلى تحول في المشهد الشعري والأدبي والثقافي عموما. ولا أحد يدري ماذا تخبئ الأيام لهذه المنطقة من العالم، أو ربما ماذا تخبئ هذه المنطقة للعالم بأسره في لاحق الأيام.

إلى الأعلى