الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءات في نظرية الفن والعمارة

قراءات في نظرية الفن والعمارة

مجموعة الكتب التي اخترناها للمراجعة في هذا المقال تمثل نخبة من الإصدارات الحديثة في موضوعات مهمة في العمارة عموما وفي مجالات نظريات العمارة والحضرية.
الكتاب الأول كان موجها في النظرية المعمارية ومحاولة تعريف مصطلحات ومفاهيم مرتبطة بالعمارة، بينما كان الكتاب الثاني تحليليا للصور الفوتوغرافية في القرن التاسع عشر وربطها بالعمارة. أما الكتاب الثالث فيبحث في مشكلات مراكز المدن في حوض البحر الأبيض المتوسط والعقبات التي تواجه الحفاظ على مراكز المدن التاريخية. والكتاب الرابع كان تحليليا في الفكر والعقل القديم لمحاولة تقديم أطروحة في الفن المتناقل عبر الصخور وهي دراسة انثروبولجية فنية تضع النقاط على الكثير من المفاهيم الفكرية النظرية الثقافية. أما الكتاب الخامس والأخير فينقل القارئ لليابان حيث يطرح منهجية مجموعة من المفكرين والمعماريين اليابانيين وكيف انتشر فكرهم في العالم الغربي والمعاصر، ويمثل خلاصة عمل أكثر من ست سنوات من المقابلات التي أجراها ريم كولهاس ورفاقه مع طليعة من معماريين إتجاه (ميتابوليزم). وتظل الكتب مجالات مفتوحة للدراسة بشكل يتجاوز هذا العرض المقتضب والقراءة المحدودة.

قراءة النظرية المعمارية
Decoding Theoryspeak
An Illustrated Guide to Architectural Theory
Enn Ots، Routledge 2011
تزخر كتب العمارة، والتاريخ المعماري ونظريات العمارة بالعديد من المصطلحات التي ترتبط بمعاني وطرز وحقب ونظريات قديمة وحديثة: فهناك مصطلحات مثل الوجودية والحضرية والفضاء والتعددية الواقعية والإنشائية وسواها، والتي تحتاج لتعريفها تعريفا دقيقا بالنسبة للمحتوى والظرف التي نشأت فيه. فما هو المعنى المعماري لكل من هذه المصطلحات وغيرها؟

اللغة المعمارية المستعملة، سواء في الكتابات أو في الخطاب اللغوي، تبدو غامضة، وصعبة وعصية على الفهم أحيانا، وبخاصة للطلبة الجدد في مجال العمارة. وهذا الكتاب يقدم الدليل وفهرسا معماريا لمحاولة تقديم مفاهيم عمرانية للجيل التالي من المفكرين والمعماريين والمصممين. ويعد مرجعا مهما بحجم الجيب لاستخدام الطلبة والمعماريين على حد سواء، ويحوي أكثر من 200 تعريف لمصطلحات بطريقة سهلة وشاملة.

العمارة في صور ورسومات القرن التاسع عشر
Architecture in Nineteenth Century Photographs: Ashgate، 2011
الكشف عن التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر يتجاوز الوظيفة ليعكس الاهتمامات الجمالية والفكرية والثقافية في تلك الفترة، وهذه الدراسة تقترح أن الصور الفوتوغرافية يمكن دراستها بشكل بصري كوثيقة مهمة وكعنصر للتحقيق الجمالي والبحث في مكنوناته وفهم تركيبته. وهذا المنهج متعدد الجوانب هو ما يعتمده هذا الكتاب. وبالرغم من ثلاثة عقود من نقد ما بعد الاستعمار، والبنيوية، وحركات فهم “الجندر” أو العلاقة بين الجنسين في الفن والعمارة، تستمر مسألة التصوير المعماري في تقديم علاقات تقنية عميقة تحتاج لفهم شامل ضمن مضمونها وأطرها الظرفية التاريخية والمكانية والزمانية. وهذا الكتاب يقدم دراسة نقدية بحثية وذات قيمة فكرية للمادة التصويرية التي تخص عمارة تلك الفترة، بالإضافة لمحاولة فهم ودراسة المادة التاريخية والاجتماعية التي لم يتم تناولها من قبل بشكل شامل في مجلد وكتاب واحد. وقد شملت الدراسة موضوعات متعلقة بالنساء في التصوير المعماري ودور الصور الفوتوغرافية في العمارة والحفاظ التاريخي والحضرية والتجديد الحضري والقومية. الباحثة في هذا الكتاب ميشيل نيلسن تحلل الصور الفوتوغرافية في فرنسا وانجلترا، وهما الدولتان اللتان تم اختراع التصوير الفوتوغرافي بهما، بالإضافة إلى بلدان أخرى حول العالم، بالإضافة إلى كم هائل من الصور من متحف الفنون بجامعة نوتردام.

المدينة: المحافظة والحفاظ على المدن الإسلامية التاريخية
The Medina: The Restoration and Conservation of Historic Islamic Cities، I.B.Tauris، 2012
تتمتع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط بتراث غني متنوع الثقافات. وفي قلب هذا التراث تكمن مراكز المدن حيث المراكز التاريخية التقليدية، والتي يرجع تاريخ بنائها غالبا للعصور الوسطى. وهي مصدر للفخر والانتماء الجماعي في المجتمعات المحلية، لكنها مع ذلك تعاني من الإهمال والتداعي تحت وطأة عوامل متعددة منها النمو الديمغرافي غير المنضبط وعوامل النمو الحضرية والهجرات المتزايدة للمراكز الحضرية وعوامل الحداثة. وبالإضافة لذلك تعاني مراكز المدن التاريخية من خطر التهميش بشكل غير مسبوق لا رجعة فيه. وفوق ذلك فبرامج الحفاظ تتميز بالجزئية وعدم وجود مخططات شمولية حيث يجري تنفيذ سياسات لترميم والحفاظ على مبانٍ ومعالم تاريخية عريقة من خلال تحويلها إلى فنادق او مطاعم، لكن المحافظة على النسيج العمراني لمراكز المدن القديمة تبقى مشكلة قائمة دون حل شمولي ونظرية استشرافية واعية وعميقة. وضمن هذه النظرة الحفاظية الشاملة، وكمدافعين عن هذا الخط الفكري، يقدم مؤلفو هذا الكتاب السيناريوهات المختلفة لتطوير هذه المراكز الحضرية التاريخية واستراتيجيات من أجل ترميمها.
الجزء الأول من الكتاب يقدم مدخلا إلى المشاكل والقضايا المطروحة في الترميم. وهو يفعل ذلك على خلفية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضرية، والتي ستخضع لها هذه الدول. الجزء الثاني يقدم أمثلة من مختلف المدن القديمة ـ بما في ذلك دمشق، القاهرة، مكناس ـ ويقدم مادة مهمة بشأن تمويل مثل هذه المبادرات. ومن المتوقع أنه بحلول عام 2030 ما يقرب من 80 في المائة من سكان بلدان البحر الأبيض المتوسط سيعيشون في المدن. وهذا يمثل تحديا هائلا، ويشير إلى أن مستقبل المناطق الاقتصادية والاجتماعية سيعتمد بشكل كبير على إدارة للواقع في المناطق الحضرية. ويقدم الكتاب تصورا وطرحا بأن السيطرة على تطور مراكز البلدات والمدن، وبخاصة المدن القديمة، سوف تلعب دورا حيويا في الحفاظ على رأس المال والثقافة والنواحي الاجتماعية لبلدان البحر الأبيض المتوسط، بينما ستكون هناك إمكانات كبيرة في مجالات الجذب السياحي. هذا الكتاب المهم، يقدم مساهمة فريدة رائدة لتحقيق هذا الهدف.

تفكيك العقل القديم
Deciphering Ancient Minds،
Thames and Hudson، 2011
كيف كانت الشعوب القديمة، التي كانت تعيش قبل السجلات المكتوبة، تفكر؟ هل كانت طرق عملها، تختلف اختلافا جوهريا عنا اليوم؟ يعتقد الباحثون على مر السنين ذلك بكل تأكيد. وبالإضافة إلى السكان الأصليين في أستراليا، والسكان الأصليين سان من جنوب أفريقيا ـ من بين آخر الصيادين وجامعي الثمار على الأرض ـ يعتقد أن هؤلاء أصبحوا يجسدون مثالا لأسلافنا القدماء، وأصبح ينظر إليهم إما كمتعصبين غير منطقيين أو، كالأطفال، أو كمحافظين على البيئة بشكل روحي للغاية.
منذ فترة الستينيات، قلبت موجة جديدة من البحوث ـ التي تم إجراؤها على قبائل سان وفنهم ـ عالم فن الصخور وهذه الأفكار الخاطئة. ويكشف ديفيد لويس، وليام وزملاؤه سام تشاليس عن الكيفية التي يمكن بها تحليل الرسوم الصخرية والنقوش لتحليل الرؤى والمعتقدات وطرق التفكير لقبائل سان. هذا أصبح ممكنا لأن لدينا تدوينا وسجلات حرفية شاملة، توفرت في القرن التاسع عشر، من المقابلات مع الناس من قبائل سان والذين طالعوا نسخا من الفن، وقدموا تفسيراتهم لها. وباستخدام مبدأ المقارنة قياسا على حجر رشيد وقراءة نصوصه الموازية التي فكت رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية، أمكن للباحثين القراءة باتجاهين سعيا وراء تحليل الفن الصخري ونصوص سان، للوقوف على المعاني الكامنة وراء كليهما. والصورة الناتجة مختلفة كليا عما تم فهمه واكتشافه واعتقاده سابقا: فهذا الفن ليست رواية ساذجة من الحياة اليومية وإنما هو مشرب بالقوة والعمق الديني. هذا الكتاب مكتوب بشكل رائع، ويقدم منهجية تنير باقتدار عصور ما قبل التاريخ وتلقي بالضوء على العقل وتظهر أنه كان عقلا متطورا ومعقدا كما هو الحال اليوم. والكتاب يضم 98 الرسوم التوضيحية، و 29 ملونة.

مشروع اليابان: حديث “حرق الطاقة”
Project Japan: Metabolism Talks، Taschen، 2011
ذات مرة كانت هناك دولة ذهبت إلى الحرب، ولكن بعد ان غزت قارة دمر بلدهم بواسطة قنابل ذرية، ثم فرض المنتصرون الديمقراطية على المهزومين. بالنسبة لمجموعة من المهندسين المعماريين، والمعماريين المبتدئين، والفنانين، والمصممين، الذين توفرت لهم رؤية متقدمة، لم يكن الوضع المزري لبلدهم عقبة ولكن مصدر إلهام للتخطيط والتفكير. وعلى الرغم من كون هذه المجموعة من المعماريين والفنانين شخصيات مختلفة جدا، إلا أنهم عملوا معا بشكل وثيق لتحقيق هذه الرؤى والطموحات، والتي دعمت وتلقت التأييد بشدة من قبل بيروقراطية خلاقة عظمى ودولة ناشطة.
بعد 15 عاما في طور الركود والتكوين والحضانة، فاجأ هؤلاء العالم بعمارة جديدة (الميتابوليزم) ـ التمثيل الغذائي ـ والتي تقترح تحولا جذريا في طريقة التعامل مع المحيط بشكل جذري. وتحول هؤلاء المعماريون بفضل الصحف والمجلات والتلفزيون والمهندسين المعماريين إلى أبطال: كمجموعة من المفكرين والتطبيقيين، الداعمين لمبادئ التطوير والحداثة. ومن خلال العمل الجاد والانضباط، والتكامل على جميع أشكال الإبداع، أصبحت بلادهم، اليابان، مثالا ساطعا. وعندما أعلنت أزمة النفط نهاية الغرب، انتشر معماريو اليابان في مختلف أنحاء العالم لتحديد معالم جمالية ما بعد الغرب وتقديم رؤى جديدة.
بين عامي 2005 و 2011، أجرى المعماري ريم كولهاس وأمينة هانز أولريش اوبريست مقابلات مع الأعضاء الباقين على قيد الحياة من حركة (الميتابوليزم)، جنبا إلى جنب مع عشرات من مفكري الحركة، والمتعاونين معهم، والمنافسين، والنقاد، وأسرهم. والنتيجة هي فيلم وثائقي حي للحركة الطليعية الماضي، وتسجيل لآخر لحظة حين كانت العمارة شأنا عاما بدلا من أن تكون شأنا خاصا.

د . وليد أحمد السيد

إلى الأعلى