الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “المجتمع” الإسرائيلي.. وكارثية اتفاقيات أوسلو

“المجتمع” الإسرائيلي.. وكارثية اتفاقيات أوسلو

د. فايز رشيد

” كان يوماً أسود يوم توقيع هذه الاتفاقية, من قبل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، إذ جرى الاعتراف رسمياً بالدولة الصهيونية المحتلة للجزء الأكبر من الأرض الفلسطينية عام 1948. هذه الأرض المغتصبة التي أنشئت عليها دولة الكيان، هي أيضاً أرض فلسطينية، أصحابها في جزءٍ كبير منهم، مازالوا يعيشون في الشتات، ومازالوا يحتفظون بـ”كواشين” ملكيتهم لأراضيها ومفاتيح بيوتهم في مدنها وقراها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية يؤسفني أن يستعمل المناضلون الفلسطينيون في بياناتهم, تعبير “المجتمع” في وصف الشارع الصهيوني اللقيط ! كلمة مجتمع لا تنطبق على وصف المهاجرين اليهود, لا من قريب أوبعيد! للعلم, الكثيرون من علماء الاجتماع (بمن فيهم اسرائيليون) لا يعترفون حتى اللحظة بوجود “مجتمع” إسرائيلي, لافتقاد الشارع الصهيوني إلى كل عناصر ومقومات تشكيل المجتمع, ونتحدى كل من يقول العكس. وإذا كانت الجماعات اليهودية على اختلاف تشكيلاتها, لم تتوصل حتى الآن إلى تعريف محدّد لليهودي, وبالتالي إلى تعريف محدد لـ “الهوية اليهودية”, فكيف نُلبسُ نحن, المهاجرين اليهود ثوب “المجتمع”؟ هل قرأ هؤلاء المناضلون تفاصيل القضايا الاجتماعية, المتعلقة بالشأن الإسرائيلي؟ على العموم, منذ سنوات, وصاحب هذه السطور, يولي في كتابته أهمية فائقة, للدّقة في استعمال التعابير في الصراع مع هذا العدو, الذي ينصب كمائنه التعبيرية اللفظية للآخرين من الأغيار, وبمنتهى السهولة , نظرا للامعرفة, نقع بها! لذا , أرى من الضرورة بمكان ,استعراض هذه القضية من جديد, على صفحات العزيزة “الوطن” في مقالة قادمة, لن أحدد وقتها. ولأن القضية الأهم حاليا للكتابة عنها, هي ذكرى اتفاقيات أوسلو, فإن مقالتي الحالية ستتركز عليها.
في 13 سبتمبر مرّت الذكرى الـ 23 على اتفاقية أوسلو المشؤومة. هذه التي لم تجلب سوى المزيد من الويلات والمصائب والكوارث على شعبنا الفلسطيني. بعد مرور ما يزيد على العقدين من توقيعها، ازدادت الاشتراطات الصهيونية تعنتاً على الفلسطينيين والعرب فقط لمجرد القبول الإسرائيلي بالتسوية معهم. ازدادت إسرائيل تنكراً للحقوق الوطنية الفلسطينية. تعاظم الاستيطان بالشكل الذي بات فيه حل ما يسمى بالدولتين, مستحيل التطبيق على الأرض. هذا باعتراف رسمي فلسطيني. لقد أعلن شارون وفاة هذه الاتفاقية بعد إعادة اجتياح القوات الصهيونية للأراضي الفلسطينية في عام 2002. ورغم ذلك فإن السلطة الفلسطينية مازالت متمسكة بها.
بالفعل تظل هذه الاتفاقية أولاً وأخيراً مصلحة سرائيلية ، لم تقم إسرائيل بتنفيذ معظم بنودها، الأمر الذي يجعلها في حكم المتوفاة فعلياً. إذ لم يبق من مظاهرها غير سلطة فلسطينية, ليست أكثر من حكم ذاتي على القضايا الحياتية للسكان، سلطة مجردة من كل أنواع السيادة. ففي ظل استمرار الاستيطان في الضفة الغربية, ومصادرة الأراضي وتهويد القدس، وفي ظل رفض حق العودة للاجئين، والاغتيالات والاعتقالات (ما يزيد على سبعة آلاف فلسطيني وفلسطينية أسرى في السجون الصهيونية)، وفي ظل ارتكاب المذابح والحصار المستمر على غزة، وفي ظل الجدار العازل الذي يقسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، وفي ظل الإصرار الإسرائيلي على أن تكون السيادة في الأرض الفلسطينية بين يدي إسرائيل, سابقاً والآن ولاحقاً، والاصرار على إبقاء القوات المحتلة في غور الأردن، والإشراف على المعابر، ولا دولة فلسطينية على حدود عام 1967، ولا انسحاب من القدس (العاصمة الموحدة والأبدية للكيان)، فماذا بقي للفلسطينيين من حقوق ومن الأرض؟ لم يبق لهم سوى أقل من 17% من مساحة الضفة الغربية (بعض المصادر تقول 12%)، وهي أيضاً وفي جزء كبير منها مهددة بالمصادرة! وبالتالي: ماذا يمتلك الفلسطينيون لإقامة دولتهم؟
كان يوماً أسود يوم توقيع هذه الاتفاقية, من قبل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، إذ جرى الاعتراف رسمياً بالدولة الصهيونية المحتلة للجزء الأكبر من الأرض الفلسطينية عام 1948. هذه الأرض المغتصبة التي أنشئت عليها دولة الكيان، هي أيضاً أرض فلسطينية، أصحابها في جزءٍ كبير منهم، ما زالوا يعيشون في الشتات، وما زالوا يحتفظون بـ”كواشين” ملكيتهم لأراضيها ومفاتيح بيوتهم في مدنها وقراها.اتفاقية أوسلو تعني، بأن دولة المستوطنين المغتصبة هي دولة من دول الشرق الأوسط ، وهي الدخيلة على هذه المنطقة، بكل المعاني: التاريخية والحضارية والحقوقية، وهي الدولة التي أنشئت قسراً بعد إجبار ثلاثة أرباع أهلها الأصليين آنذاك ,على الرحيل إلى الشتات، وبعد قيام الكيان بمذابح عديدة لهم في أكثر من بقعة جغرافية فلسطينية, في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات. نعم, لقد استمرت المجازر ضد الفلسطينيين والعرب ولاتزال ,منذ ما قبل تلك الولادة المشؤومة للكيان، على أيدي العصابات الصهيونية، وأثناء قيامها، وبعد ذلك، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
اتفاقية أوسلو عنت تنازلاً من فئة من الفلسطينيين عما يزيد على ثلاثة أرباع المساحة الجغرافية لفلسطين التاريخية، وتنازلاً عن حق العودة، وتنازلاً عن القدس وعن المقاومة المسلحة، وإلغاء كافة البنود في الميثاق الوطني الفلسطيني المتعلقة بالكفاح المسلح ضد الكيان. وعنت أيضاً تأجيلاً للبحث في القضايا الحقوقية الأساسية الفلسطينية، لما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي، في ظل وضوح صهيوني يرفض بالمطلق الاعتراف بكل هذه الحقوق!.اتفاقية أوسلو عنت وتعني اعترافاً من فئة فلسطينية (ولو حتى بطريق غير مباشر)، بالرواية الصهيونية لتاريخ أرض فلسطين، واعترافاً بالأضاليل والأساطير الصهيونية عن الحق التاريخي لليهود على الأرض الفلسطينية، وعنت وتعني, تنازلاً من هذه الفئة عن التاريخ العربي الفلسطيني لهذه الأرض. شئنا أم أبينا,هذا هو الواقع الذي يعنيه توقيع هذه الاتفاقيات، التي استخدمها الكيان,لجر الفلسطينيين إلى المزيد من التنازلات التدريجية عن حقوقهم.
اتفاقية أوسلو عنت وتعني, إيحاء لدول العالم , بأن ثمة حلاً يدور بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأن الحقوق الفلسطينية لن تعود إلى أصحابها، فـإسرائيل ترفضها جملة وتفصيلاً، وتمارس كافة أنواع القمع تجاه الفلسطينيين، وتمارس ذات احتلالها للأرض الفلسطينية وللإنسان الفلسطيني. كما تعني أن الإمكانية، بالنسبة لبعض الدول العربية لتوقيع اتفاقيات مع الكيان, أصبحت جائزة وممكنة. بعد 23 عاماً على توقيع هذه الاتفاقية المشؤومة، التي قسمت الصف الوطني الفلسطيني,والتي مازلنا نعيش تداعياتها في هذا الانقسام، الذي أدى إلى تراجع المشروع الوطني الفلسطيني عقوداً إلى الوراء! في الوقت الذي تشكل فيه الوحدة الوطنية الفلسطينية، الشرط الأهم لانتصار الثورة, ونيل الحقوق الوطنية.
للأسف بعد 23 عاماً على الاتفاقيات, لدينا سلطتان هزيلتان تتنازعان مفتاح السجن الكبير لشعبنا. سلطة رام الله, التي لاتزال متمسكة باتفاقيات أوسلو، وسلطة غزة الموقعة لهدنة طويلة مد مع الاحتلال الصهيوني، يتم تجديدها!, والحاكمة لأبناء شعبنا بالحد والنار, وببرنامج الإخوان المسلمين وسياساتهم.
إلغاء الاتفاقيات واجب وطني فلسطيني. في ذكرى اتفاقية أوسلو هذه, فإن الإلغاء سيعيد القضية الفلسطينية إلى حقيقتها الأصيلة، وسيعيد الصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني إلى مربعه الأول، نعم فكل الأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر، هي حقنا التاريخي، والمشروع الصهيوني ليس أكثر من مشروع غازٍ ,سيحمل عصاه على كاهله ويرحل، مثل كل الغزاة الآخرين، وستعود فلسطين التاريخية… عربية ولتذهب اتفاقية أوسلو إلى الجحيم.

إلى الأعلى