الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : تفسير المفسر !

باختصار : تفسير المفسر !

زهير ماجد

ماذا نفعل نحن الكتاب غير تفسير المفسر والتوغل في معلومات، احيانا، أكل الدهر عليها ونام، ثم نشعر بأننا حصلنا على ماهو صعب التحقيق، في الوقت الذي تكون مفاعيل ما نكتب قد سبقها بكثير انجازات وانجازات .. نحن إذن نصل متأخرين في الكشف ، فما نفع ما يكتبه المرء وقد تحقق ما تحقق ، وما نفع التعليقات على واقع حصل ..
اذكر أني بكيت وأنا أرى الدبابة الأميركية في بغداد، ما نفع احساس جاء تعبيرا عن واقع حصل .. كان الصينيون يمارسون النقد قبل حصول الشيء، ولهذا كان علينا أن لا نعطي للأميركي ذريعة لدخول دباباته الى العاصمة العراقية، رب قائل، لكننا على يقين إنه مهما اخترع من وسائل لمنع ذلك فلن ينفع، لأن القرار بيد الصهيوني والمسيحية الصهيونية وهؤلاء اتخذوا قرارا بالعملية، وسواء كان لدى صدام حسين أسلحة دمار شامل أو لم تكن فالقرار لا يمكن تعطيله، وكان أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ريتشارد بيرل قد أسر لأحد الصحافيين العرب ” إننا نعرف ان لاوجود لأسلحة الدمار الشامل في العراق لكننا سنجتاحه في كل الأحوال”.
نسينا مشهد الدبابة تلك، وكم من دبابات رأيناها تسرح وتمرح في بلادنا، ألم نر الميركافا تتمختر في شوارع بيروت العصية وفي صحراء سيناء وهي اليوم في الجولان، أليست آليات الإرهابيين في سوريا احتلالا هي الأخرى.
نحن نكتب عما وقع، لكني لن أنسى القول بأني احيانا اكتب عما سيقع .. عندما يمتلك الكاتب مفهوم الديالكتيك، والثوابت المعرفية، فقد تتفتح في ذهنه احتمال ما سيقع .. فالاحتلال مثلا يؤدي الى نهوض وطني مسلح للتحرير، وهو حصل في كل مكان تقريبا، في العراق حديثا، وقبله في فيتنام، والجزائر … فعلها أيضا الفلسطينيون يوم اكتشفوا أن لا أهمية للحجج القانونية اذا لم تدعمها القوة، وسقطوا يوم تمسكوا بالحجج وتنازلوا عن القوة.
يوم بدأت الأحداث في تونس وما نتج عنها، قلنا إنها الشعوب، ويوم انتقلت الى مصر، شعرنا أن في الأمر لعبة، لكننا أيقنا أنها لعبة حين صارت في ليبيا والشكل الذي اتخذته، وحين انتقلت الى سوريا تحولت الى وثيقة دامغة بأنها صناعة خارجية، لكنها كلفتنا كل هذا المشهد المؤلم كي نحدد الحقيقة الساطعة .. فأحيانا يكون العلم بالتجربة، وأحيانا يكون بقراءة الآتي قبل ان يأتي معتمدا على خبرة الكاتب وعلمه في الشعوب وردات فعلها.
الآن مثلا ما الذي يمكن كتابته عن مجريات العراق سوى أن معركة الموصل تتضح شيئا فشيئا وهو أمر لابد من انجازه، واذا لم ينجز فمعناه أن التاريخ توقف في نقطة الخطأ الذي تلزم تصحيحه. والواقع ذاته في سوريا، فماذا ستكون عليه المرحلة القادمة غير معارك تحرير حلب والأر ض السورية، مزيد من المعارك في الدولتين العربيتين اللتين عليهما عبء الحمولة الزائدة التي تمر أحيانا على الشعوب والدول والأمم فتضعها أمام واقع لابد من ممارسته.
نحن إذن لانملك غير تفسير المفسر والقول بأننا نبصر مرحلة لم تأت، فلطالما كان وضوحها يعطينا إشارات التفسير الممكن، فننجح في التصور او نسقط في التحليل.

إلى الأعلى