الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : تباريح تربوية(1)

رحاب : تباريح تربوية(1)

أحمد المعشني

رحم الله أستاذي الشيخ محمد بن علي العيدروس، كان شيخا وقورا ومعلما مخلصا ومديرا ناجحا للمدرسة السعيدية المسائية في صلالة التي التحقت بها في مستهل عام 1973، جئت إلى المدرسة ولم أكن أعرف طريقي. شهدت الطابور بحماس وعندما انصرف الطلاب إلى فصولهم بقيت في ساحة الطابور وحيدا أنظر يمينا ويسارا، لا أعرف إلى أين أتجه، لاحظني الأستاذ محمد فجاء إلي بكل رحمة وحنان وسألني: يا ابني لماذا لم تدخل إلى صفك؟ أخبرته بأنني طالب جديد وجئت لكي التحق بالمدرسة. فقال لي: تعال بعد أسبوعين( حسبما أذكر) لنسجلك مع طلاب الصف الأول الإبتدائي. فشق علي انتظار أسبوعين، وقلت له بحماس: أنا أعرف أقرأ وأكتب! فبادر بكل مرونة وتلقائية واصطحبني إلى معلم فاضل هو الأستاذ محمد بن أحمد شروبة المعلم، وكان يومئذ معلما للصف الثاني الإبتدائي، وطلب منه أن يختبرني وطالبين آخرين في مهارات القراءة والكتابة والجمع والطرح، وبعد اختبار قصير صرنا طلبة مقيدين بالصف الثاني الابتدائي، وبهذا الحماس اختصرت سنة دراسية كاملة، وبوعي ذلك المعلم الجليل بنيت انطباعا ايجابيا عن المدرسة والمعلمين، ولا زالت ذاكرتي تستعيد وأنا أكتب هذه السطور رائحة الكتب الدراسية التي استملتها، ورائحة الطباشير وأروقة المدرسة السعيدية القديمة، وصوت الأستاذ فوزي السقا معلم التربية البدنية وهو يصيح فينا أثناء الطابور لتأدية التمارين الرياضية في الطابور. كانت ساحة المدرسة السعيدية في ذلك الوقت ترابا وعندما كنا نقوم بتأدية وضع( صفا) ثم (انتباه) كانت حركتنا تثير سحبا من الغبار. كان سلوك المعلمين قدوة، وكنا ننظر إليهم باحترام وتقدير، كنا نهابهم جدا، كانت المسافة النفسية بين المعلم والطالب يحكمها الاحترام المشووب بالحذر والخوف. ومن الممارسات التربوية الجميلة التي لم تعد موجودة في أيامنا هذه، ممارسة عريف الفصل، فكان المعلم عندما تنتهي الحصة الدراسية، يكلف أكفأ الطلبة ليقف مكانه حتى يرجع، فلا يسمح للطلبة بالخروج أثناء وجود المعلم خارج الفصل، وكان اختيار عريف الصف يتم وفقا لمعيار التفوق والأخلاق والإنضباط، وكان عريف الصف يقوم أيضا بدور الطالب النموذجي الذي يقرأ ويقرأ الطلاب بقراءته، ويجيب عن الأسئلة عندما يعجز جميع الطلاب عن الاجابة، وكان من بين الطلاب المتميزين في مراحل لاحقة الدكتور عمر بن عوض الرواس الذي كان طالبا مثاليا في الأخلاق والتميز العلمي، وكان طيلة مسيرته الدراسية متفوقا حتى أنهى المرحلة الثانوية بالترتيب الأول على مستوى السلطنة، وهو الآن يعمل استاذا وعميدا لكلية الطب بجامعة السلطان قابوس، ومن بين الطلبة المتميزين أيضا أذكر الأستاذ محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن العليان، الذي كان أيضا من بين الطلبة الآوائل على مستوى السلطنةعام 1982 ثم التحق بجامعة أوهايو في الولايات المتحدة وكان مثقفا جدا، وهو ألان يكتب في التاريخ وفي فلسفة العلم، ويعمل في هيئة الإذاعة والتلفزيون. ومن المواقف الطريفة التي تعطي دلالة تربوية لاهتمام المعلمين بأخلاق ونظافة وانضباط الطلاب، أتذكر موقفا للاستاذ عوض بن مسلم زعبنوت مع طالب من زملائنا حضر إلى المدرسة بملابس غير نظيفة، فما كان من الأستاذ عوض إلا أن أخذه إلى المواضيء في الجانب الشرقي من ساحة المدرسة وأعطى له صابونا وأرشده إلى تنظيف دشداشته بالماء والصابون، ثم انتظر الطالب حتى جف ثوبه وبعد ذلك عاد إلى الصف بثوب نظيف، وكان يصطحبنا في حصة الدين إلى المواضيء ويتوضأ أمامنا ويطلب منا محاكاته، وفي حصص التلاوة كان يطلب من الأستاذ محمد بن علي العيدروس وكان شيخا في العلم الشرعي وفي القرآن واللغة العربية، فيؤدي عنه بعض حصص التلاوة والفقه. بهذه الروح التربوية الشفافة اجتزنا المرحلة الإبتدائية بدافعية كبيرة للتحصيل وبحماس متقد لاجتياز المراحل الدراسية بتفوق.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى