الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : في التجارة النووية الهندية

في الحدث : في التجارة النووية الهندية

طارق أشقر

بإعلانها نهاية الأسبوع الماضي عن إجرائها ما أسمته (بمحادثات موضوعية) مع الصين حول سعيها بأن تصبح عضواً كاملا في مجموعة الموردين النوويين، تكون الهند قد خطت خطوات أخرى واسعة في اتجاه أن تصبح رقماً يشار اليه بالبنان في مجال تأهيل الآخرين للحصول على تكنولوجيا الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
قد ينتاب البعض القلق من مجرد الحديث عن الاتجار في كل مايتعلق (بالنووي) في منطقة الشرق الأوسط على وجه العموم، وفي المنطقة الآسيوية على وجه الخصوص، وذلك في وقت شغلت فيه التجارب النووية الأخيرة لكوريا الشمالية الرأي العام بالمنطقة الآسيوية، وقبلها المباحثات الماراثونية الدولية بشأن الملف النووي الإيراني، وليس بعيدا عن كليهما ما قامت به الهند نفسها من تجربة نووية في عام 1998، تلتها في خلال ثلاثة اسابيع منها التجربة الباكستانية النووية ايضاً.
ورغم حالة الاستقطاب الحاد التي مازالت تعيشها المنطقة الآسيوية ولربما العربية إذا اجتررنا ذكريات السلاح النووي العراقي المزعوم، أو النووي الليبي الذي سرعان ماتم تسليمه للغرب، أو النووي السوري الذي سارع الغرب في الاستيلاء على بواكيره دون الالتفات الى ما خفي عن النووي الاسرائيلي، إلا ان الحالة الهندية الجديدة تبدو مختلفة الأبعاد والتخصص، كونها تتعلق فقط بسعي هندي اقتصادي يسعى لتمكينها من الاتجار في التكنولوجيا النووية (السلمية).
قد يتساءل البعض عن: لماذا لايبدو المجتمع الدولي قلقه بشأن سعي الهند للاتجار في هذه التكنولوجيا التي فيها الفاصل بين السلمي وغير السلمي رفيعا، ويصعب السيطرة عليه، خصوصا وأن أي تميز وتعمق في البحوث العلمية في هذا المجال بالضرورة أن يأتي بقفزات قد تغير من مسارات التوجه في هذا المجال لآفاق جديدة ومختلفة، فضلا عن ان الهند في الأساس لم تنضم حتى الآن إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كما لم تنضم ايضاً لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية..
ولكن رغم ماكان ينبغي وجوده من قيود في كل مايتعلق بماهو نووي، إلا أن الأمر يبدو مختلفا في الحالة الهندية التي ربما تكون تفوقت في استخدام (الدبلوماسية الناعمة) لتقنع العالم بأنها جديرة بأن يثق في عقلانيتها النووية، وسندها في هذا المستوى من الصدقية، هو انها من الناحية التاريخية تعتبر من أوائل الدول التي دعت منذ 1954 إلى عدم تورط المجتمع الدولي في سباقات التسليح النووي، مع تأكيدها المستمر على أهمية تطوير الاستخدامات السلمية النووية، كما انها شاركت بفاعلية في الأعمال التحضيرية لانشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1956، كما شاركت في الإعداد لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، رغم انها لم تنضم اليها.
وإلى جانب نجاحاتها في استخدام الدبلوماسية الناعمة في هذا المجال ودون ضجة اعلامية، قد يكون للهند أيضا مسوغاتها التي تجعل العالم (الآخر) اي الغرب اكثر اطمئنانا لها لدرجة صرفه النظر عنها بكل سهولة في مسعاها التجاري في أحد أهم وأخطر أنواع التكنولوجيا. ومن بين تلك المسوغات، هو أن الهند المليارية في قوتها البشرية تفتقر الى حد كبير إلى موارد الطاقة الأحفورية التقليدية التي تتمتع بها المنطقة العربية، وذلك في وقت تعتبر فيه حالة (النمو المتسارع) الذي تتسم به الهند في حاجة مستمرة إلى استخدام المزيد من الطاقة لتسيير عجلة النمو وتواصلها، وبالتالي تكون حجتها أقوى امام المجتمع الدولي بأنها الأحوج للاستمرار في بحوثها العلمية في مجال التكنولوجيا النووية السلمية.
عليه، وكيفما كان مستوى نجاح الهند في كسب ثقة الغرب في المجال النووي رغم سابقة تفجيراتها النووية التي عرضتها لبعض الغضب وبعض العقوبات الغربية لقليل من الوقت، إلا إن الحالة الهندية في السعي للانضمام لمجموعة الموردين النووين بمجال التكنولوجيا النووية السلمية، تعتبر درسا دبلوماسيا واقتصاديا وعلميا، ينبغي على المنطقة الآسيوية والعربية الأخذ به على الأقل ليعلموا اجيالهم كيف هي أصول التجارة نووية كانت أو غير نووية، أو حتى سياسية.

طارق أشقر من اسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى