الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

لم يتوقع الأميركيون أن قتلهم للعراقيين بهذه الطريقة سيوصلهم إلى أنفاق الجحيم
الحلقة الثانية عشرة
ـــــــــــــ
في يوم الاثنين المصادف (2842003) أعلنت القوات الأميركية أنها قتلت ستة مقاتلين عراقيين في مدينة الموصل, وإعترف الضباط الأميركيون في تصريح لوكالات الانباء، أن معركة نارية جرت مع المقاتلين العراقيين بمدينة الموصل, وتعرض مقران للجيش الأميركي إلى هجومين متزامنين, وذكر شهود عيان أن إطلاقا كثيفا للنيران سُمع في وسط الموصل بالقرب من الاماكن التي تمركزت فيها القوات الأميركية, واستمرت المعركة لمدة 45 دقيقة, وهي أطول معركة تخوضها المقاومة العراقية حتى ذلك التاريخ ضد قوات الاحتلال, واستعانت القوات الأميركية بالطائرات وهاجمت المروحيات أماكن وجود المقاومين, وأوقعت بينهم عدد من الاصابات, وتمكن المقاومون من اخلاء الجرحى حسب روايات شهود عيان, ولم تتمكن القوات الأميركية من اعتقال أي من المقاومين، الذين استخدموا قاذفات ار بي جي واسلحة البي كي سي والقنابل, واعترف الكابتن جيه بي سوبز من الفرقة 101 المحمولة جوا التي سيطرت على الموصل قبل اسبوع من ذلك الهجوم(55 ), أن هؤلام الاشخاص يعبرون عن معارضتهم للولايات المتحدة، وأعتقد القائد العسكري الأميركي مثل غيره من القادة الميدانيين الذين تعرضت وحداتهم إلى هجمات مسلحة في الايام الاولى للاحتلال، أن منفذي هذه الهجمات مجموعة يائسة وأنها تطلق اخر ما لديها من اطلاقات نارية، وأنه لم تمض إلا أيام قليلة قبل أن يسيطر اليأس والقنوط على هذه القلة، لتبدأ رحلة رمي الزهور أمام قوافل القوات الأميركية،والأميركيون لم يقتنعوا للحظة واحدة أن المقاومة ستبرز في العراق المدمر الضعيف، الذي أنهكته العقوبات الاقتصادية، وبين ليلة وضحاها تفرض قواتها سيطرتها على أرضه وشعبه وهي أكبر قوة عسكرية في العالم يخشاها الشرق والغرب ،ولا توجد جهة أو دولة في العالم قادرة على مجرد التفكير بمواجهة أميركا،أما قضية التصدي لها ومقاومتها فالكثيرون رأوا في ذلك ضربا من الجنون.
تحت هذه القناعات التي سيطرت على الكثيرين،عاش الجيش الأميركي أولى اسابيعه في العراق، على أمل أن يتلاشى أي أثر لأي شخص يقف ضد القوات الأميركية والبريطانية في العراق، إلا أننا سنكتشف ما هو مثير للإعجاب وما لا يتوقعه العالم،سواء من حيث سرعة ازدياد أعداد الهجمات اليومية أو نوعية الهجمات وسرعة انتشارها في مناطق عراقية كثيرة.
بعد المظاهرات التي خرجت في مدينة الموصل بتاريخ 16-4-2003 وقتلت خلالها القوات الأميركية عددا من المتضاهرين، الذين عبروا عن رفضهم للاحتلال, وبعد ذلك التظاهرات الاحتجاجية التي خرجت يومي 23 و24-4-2003 في مدينة النجف وشارك فيها بين 200-250 متظاهرا رموا خلالها القوات الأميركية بالحجارة وهتفوا ضد الوجود الأميركي, وقتلت القوات الأميركية أحد الرجال في مدينة النجف، قال ضابط أميركي على مشارف المدينة (أنهم إعتقدوا أنه “عدو”) أي مقاوم, بعد ذلك خرجت تظاهرة اخرى في مدينة الفلوجة, ضد القوات الأميركية التي تصدت لهم باطلاق نار كثيف، وكان ذلك مساء يوم 27-4-2003, ويذكر مراسل وكالة رويترز ادموند بلير(56 ), أن القوات الأميركية قتلت برصاصها 17 شخصا, أما القيادة المركزية الأميركية في قطر فقد أعلنت في بيان لها, أن مقاتلين في الفلوجة قد فتحوا نيران أسلحتهم ضد الجنود الأميركيين, مما استدعى الرد عليهم بالاسلحة. وقالت متحدثة لرويترز في مقر العمليات العسكرية بقطر (فوجئ افراد من الكتيبة الاولى بفوج المشاة المحمول جوا رقم 32 التابع للفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا بعراقيين مسلحين يحملون بنادق نوع (ايه كي 47 الية) وبادر المسلحون باطلاق النار ورد الجنود الأميركيون على المسلحين. ويروي شهود عيان أن حشدا من أبناء الفلوجة توجهوا إلى المدارس التي إتخذتها القوات الأميركية مقرا لها, وطالبوهم بالخروج منها, إلا أن القوات الأميركية بادرت إلى إطلاق النار وقتلت وجرحت عددا من ابناء المدينة، وحصلت مواجهات اخرى اثناء تشييع جثامين القتلى في مدينة الفلوجة،وهتفت حشود المشيعين ضد قوات الاحتلال مطالبين بخروجهم من العراق،وتسبب هذا الحادث بفورة معادية للأميركيين، ويذكر اشخاص من الفلوجه، أن دعوات كثيرة انطلقت في المساجد والبيوت وبعض دواوين وجهاء المدينة للثأر للضحايا، وأعتقد أن المجاميع الاولى التي بدأت ضرباتها للقوات الأميركية، قد وجدت في عمليات القتل الجماعي المبكر للعراقيين من قبل القوات الأميركية مادة خصبة للتحريض ضد الأميركيين وحشد أكبر عدد ممكن للانخراط في صفوف المقاومة، ولم يتوقع الأميركيون أن قتلهم للعراقيين بهذه الطريقة سيوصلهم إلى أنفاق الجحيم،وأرادوا تطبيق ذات الاسلوب في إرتكاب الجرائم التي مارسوها ضد الفيتناميين ومن أشهر وأبشع تلك الجرائم مجزرة (ماي لاي) عندما قتل الجنود الأميركيون جميع أبناء تلك القرية والذين يزيد عددهم عن الألف شخص من رجال وأطفال ونساء وشيوخ، انتقاما لمقتل جندي أميركي وجدوا جثته بالقرب من قرية (ماي لاي) وكان ذلك العام 1969 أثناء الاحتلال الأميركي لفيتنام،وهو نفس سلوك القوات الإسرائيلية في انتقامها الجماعي من الفلسطينيين، وأعتقد أن أكثر حادثة سمع بتفاصيلها العراقيون كانت مقتل العراقيين في حادثة الفلوجة، تناقلتها المجالس العشائرية في مختلف انحاء العراق، وجاء على ذكرها الكثير من خطباء المساجد،وأجمع غالبية هؤلاء على أن الحل في العراق هو مقاومة الاحتلال،وأن هؤلاء القتلة من القوات المحتلة سوف لن يتوقفوا عن ممارساتهم البشعة بل ستزداد،وربط البعض في خطبهم الحماسية بين ممارسات العصابات الإسرائيلية مثل الهاغانا وشتيرن والأرغن ضد ابناء فلسطين، وحرضوا ضد الأميركيين من خلال التأكيد على أن أمريكا احتلت العراق خدمة لإسرائيل، وذهب البعض إلى القول إن هناك الكثير من قيادات الجيش الإسرائيلي يعملون ضمن القوات الأميركية ، وتردد في فترات لاحقة أن هذا الأمر صحيح ومؤكد،ونقل معتقلون عراقيون خرجوا بعد سنوات من سجن ابو غريب الشهير، أن المحققين الأميركيين كانوا يهددونهم في حال عدم الإعتراف على اماكن وجود المسلحين، فأنهم سيرسلوهم إلى محققين من (الموساد الإسرائيلي) الذين يمارسون أبشع أنواع التعذيب الوحشي ضد المعتقلين العراقيين المتهمين بإنضمامهم إلى صفوف المقاومة العراقية.
زخرت الفترة الممتدة منذ اول يوم للاحتلال (1042003) حتى اليوم الاول من مايو 2003, بالكثير من الأحداث، التي أكدت جميع معطياتها على أن المقاومة العراقية تمر في طور النشأة , وأن الإنطلاق قد إمتزج بقوة بمرحلة النشأة, وكانت هناك التظاهرات الرافضة للاحتلال الأميركي – البريطاني للعراق, إضافة إلى الهجمات الكثيرة والواسعة, التي إضطرت القوات الأميركية إلى الاعتراف ببعضها، في حين جرت عملية تعتيم على هجمات اخرى.
أن إدارة البيت الابيض والبنتاجون ووكالة المخابرات الأميركية, قد تفاجأت بالهجمات, ورغم محاولات بعض القادة العسكريين في التقليل من أهمية هجمات المقاومة العراقية في مرحلتها الاولى, والتعامل معها على أساس انية تلك الهجمات ومحدوديتها، من خلال الحديث عن (بقايا جيوب قتالية ) هنا وهناك, إلا أن خبراء الحرب والمتخصصين في الاستراتيجيات, لابد أنهم قد سارعوا إلى دراسة بوادر ظاهرة المقاومة, التي إنطلقت بسرعة في العراق بوجه القوات الأميركية والبريطانية, وأن دراسة بسيطة وسريعة لمسألة (بقايا الجيوب القتالية) تكشف أن مصطلح (الجيوب) لا ينطبق من قريب أو من بعيد على ما يجري على أرض العراق, و ان هناك مقاومة عراقية مسلحة تتلمس اولى خطواتها على طريق النشأه والتطور، أما الاطراف الدولية والمراقبون و وسائل الإعلام المختلفة, فقد واصلت انتظارها الحدث الأهم بالنسبة لها, وهو إعلان (الانتصار) الذي توقعوا أن يحدد تاريخه تومي فرانكس, بعد أن تتأكد الدوائر الأميركية المعنية من القضاء على (الجيوب القتالية) بصورة نهائية, ولم يكن فرانكس وسواه يستبعدون القضاء على هذه (الجيوب) المزعومة, لتبدأ مرحلة جديدة،بكامل تفاصيلها وكلياتها وجزئياتها الأميركية شكلا وجوهرا ومضمونا، لا يسمعون فيها أصوات الإطلاقات النارية, ويفتتحون صفحة الاحتلال الأميركي للعراق بجميع أنواعها وميادينها.
لذلك فأن يوم (152003) ومايقوله القائد العام للقوات المسلحة الأميركية ورئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش, تعد من أهم المحطات، التي تلت يوم التاسع من ابريل 2003, فما يقوله بوش في هذا الخطاب, هو البرنامج الواثق و الواضح والدقيق، الذي يتحكم بأوضاع العراق والمنطقة والعالم، كما أن إعلان الانتصار من قبل الرئيس الأميركي،يعني أن القوات الأميركية قد تمكنت من القضاء على (بقايا الجيوب)، التي برزت بعد إنهيار المؤسسات الرسمية العراقية من الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية والحزبية، وأن القوة الأميركية الهائلة التي استطاعت أن تصل العاصمة العراقية خلال ثلاثة اسابيع من بداية الغزو في 19-3-2003، وبدون ادنى شك أن كفة القوى الاولى والثانية والثالثة والعاشرة لأمريكا، وليس هناك قوة قادره على الوقوف بوجه القوات الأميركية،وأن التاريخ الذي سيحدده الرئيس الأميركي ويعلن فيه الانتصار سيكون نهائيا وحاسما،بمعنى أن لا (جيوب قتالية) بعد هذا التاريخ،ما يفتح الابواب في استخدام المصطلح، الذي يتساوق وطبيعة المرحلة،وأعتقد أن الغالبية العظمى من وكالات الانباء والفضائيات والصحف، لم تكن تتوقع صدور بيانات عسكرية أميركية خلال المرحلة التي تلي إعلان بوش بيان الانتصار، والذي تم تحديد موعده في الاول من مايس – ايار عام 2003، أي بعد ثلاثة أسابيع من احتلال العراق وخمسين يوما تقريبا من بداية الغزو الأميركي للعراق، وهي فترة قياسية حصل فيها الغزو، عندها يتحقق الهدف الأكبر للإدارة الأميركية المتمثل بـ (إعلان الانتصار)، إلا أن توقعات الكثيرين لم تكن دقيقة،ومنهم مراسلو الفضائيات ووكالات الأنباء والصحف الذين أبرقوا لعوائلهم ومؤسساتهم، أنهم سيحزمون حقائبهم قريبا ويغادرون العاصمة العراقية التي توقعوا أن الهدوء سيعمها بصورة تامة،كما حدث عندما دخلت قوات الحلفاء عاصمة المانيا برلين وعاصمة اليابان طوكيو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، إلا أن بداية الصيف العراقي الذي تبدأ فيه درجات الحرارة بالارتفاع في مثل هذه الايام من كل عام،رافقه ارتفاع مفاجيء وغير متوقع في درجات الأحداث وتزاحمها، ولم يغادر الكثير من المراسلين والصحفيين بغداد بعد أن بدأت تلوح بقوة ملامح قوة عسكرية عراقية لا تشبه ما أسموه بـ (بقايا جيوب قتالية) ،وهذا ما نلمسه بقوة خلال شهر ايار- مايس عام 2003، بعد القاء بوش لخطابه الذي أرّخ به لمرحلة جديدة، إلا أنها جاءت جديدة فعلا ،لكن ليس بالصورة التي رسمها بوش وطاقمه السياسي والعسكري في البيت الابيض والبنتاغون.
مايو (قلق وارتباك)
بعد ساعة واحدة، من تلقي عائلة جيسي جيفنز، خبر مقتلة في العراق يوم الخميس الاول من مايو 2003، أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بيان (الانتصار في العراق) وانتهاء العمليات العسكرية في عموم العراق، وأجهش افراد العائلة بالبكاء بعد أن تناقلوا الخبر فيمابينهم في ولاية ميزوري، واعتقدوا أنه اخر جندي يسقط في العراق، واحتضنت زوجته طفلته الوحيدة البالغة (5 سنوات)، واعلن بيان صادر من الجيش الأميركي(57 ) أن جيسي قد قُتل في منطقة الحبانية (غرب العراق)، بعد أن سقطت دبابته نوع ابرامز في النهر، في ذلك الوقت، كانت عوائل الجنود والضباط الأميركيين الموجودين في العراق، يحتفلون بـ (انتصار جيشهم) وفي الوقت نفسه، يفسرون بيان بوش الذي أعلن فيه (انتهاء العمليات العسكرية)، بأنه بمثابة (شهادة ولادة) لجميع افراد الجيش الأميركي في العراق، بعد أن تمكنت قواتهم من القضاء نهائيا على (بقايا الجيوب القتالية) في مناطق العراق، وأن الايام والاسابيع القادمة، ستشهد استقبال الجيش الأميركي بباقات الورد فقط، وكانت وسائل الإعلام الأميركية، قد زفت البشرى للأميركيين ولجنودهم في العراق، وقالت أن (الاول من مايو 2003) سيكون يوما مفصليا في قصة الحرب على العراق، فقد جهز الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خطابا هاما موجها إلى القوات المسلحة والشعب الأميركي، يعلن فيه (الانتصار في العراق)، وكان الجنرال تومي فرانكس قد زار العراق والتقى كبار القادة العسكريين في العراق، وقدموا له التقارير النهائية عن الاوضاع في مختلف مناطق البلاد، و فرانكس الذي يدخن السيجار وهو يتجول في بغداد ومناطق اخرى، قد انتهى إلى قناعة لاتقبل الشك، تذهب بإتجاه إنصياع العراقيين جميعا، ووقوعهم تحت خيمة الأميركيين، وأن مرحلة اخرى، قد بدأت في هذا البلد، تتوزع فيها السلطات ومكامن القوة بيد الأميركيين وحدهم، فهم (سادة العراق الجديد)، ومن أرضه سينطلقون في مشروعهم (الكوني) ليصبحوا (سادة العالم) بلا منازع.
جاء خطاب القائد العام للقوات المسلحة الأميركية جورج دبليو بوش الذي انتظره العالم في الاول من مايس 2003، أي بعد ثلاثة اسابيع من احتلال العراق، وبعد شهر ونصف تقريبا من بداية الغزو، ليؤكد قناعة الإدارة الأميركية بطرفيها (البيت الابيض والبنتاغون)، بأن العراق قد وقع تحت السطوة الأميركية بصورة (مطلقة)، وأن الوهن والخنوع والركوع والاستسلام هي العناوين الوحيدة، التي يوصم بها الشعب العراقي منذ ذلك التاريخ صعودا.
قبل ساعات من القاء بوش خطابه التاريخي، وجه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد كلمة للعراقيين من بغداد، وأرى من الضروري أن يطلع العراقيون على أهم ماجاء فيها، لأن الغالبية العظمى من العراقيين لم يسمع شيئا منها.
كلمة رامسفيلد(58 ) بتاريخ (30/4/2003)، وقال فيها، “كل يوم يمر تتحسن فيها الاوضاع في العراق، وأصبح لدى العراقيين غذاء ومياه وكهرباء أكثر مما كان لديهم في ظل النظام القديم، ونعمل جاهدين ليل ونهار لتوفير ذلك لجميع العراقيين، وقال مخاطبا العراقيين، أنا دون رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، تسعدني زيارة بلدكم العراق لأشهد تحرركم، الشعب الأميركي يشارككم فرحتكم”، وأطلق رامسفيلد مجموعة منالوعود، أهمها، إشتركنا في هدف واحد في الإطاحة بصدام حسين، ولدينا أهداف مشتركة فيما يتعلق بالعراق الجديد، هي بلد حر يستجيب فيه زعماء العراق للشعب العراقي بدلا من أن يقتلوه، تستخدم فيه ثروة البلاد لصالح الشعب العراقي بدلا من أن تذهب إلى الطاغية، يمكن لأطفال العراق أن يلعبوا ويستذكروا دروسهم ويكبروا دون خوف من أن تقبض فرق الإعدام عليهم أو على ابائهم فجأة. وإختتم رامسفيلد كلمته بقوله(في وطني أميركا، لدي ثلاثة أبناء وستة أحفاد أصغرهم يبلغ عاما واحدا من العمر. أريد لهم مايريده كل واحد منكم لأبنائه وأحفاده، وهو الأمان والأمن ومجتمع عادل يتمتعون فيه بالحرية في سعيهم لتحقيق احلامهم، وقال (سنبقى فقط للفترة المطلوبة لمساعدتكم على القيام بذلك، ولن نبقى يوما واحدا أكثر).
أما إعلان بوش من على حاملة الطائرات العملاقة (ابراهام لنكولن)، فقد أكد فيه على تحول الإدارة الأميركية إلى مرحلة توفير الاستقرار في العراق، ونقل الصحفي الأميركي توم بومان عن مسؤول في البنتاغون قوله بعد خطاب بوش (نحن ننتقل الان إلى عمليات تحقيق الأمن والاستقرار).
أن الخطاب الذي اعلن فيه الرئيس جورج دبليو بوش انتهاء العمليات العسكرية في العراق(1/5/2003)، حمل أكثر من رسالة موجهة إلى أكثر من طرف، في المقدمة من تلك الأطراف، هو الجيش الأميركي في العراق وعوائلهم في الولايات المتحدة، ومضمون الرسالة هو (طمأنة) هؤلاء إلى أن (الجيوب القتالية) قد انتهت، ولم تعرف بلاد الرافدين بعد هذا الوقت
أي سلاح إلا سلاح الجيش الأميركي، وأن جميع الجنود سيعودون سالمين منتصرين إلى بلادهم وإلى أحضان عوائلهم، فقد تم إسقاط تمثال الرئيس صدام حسين عصر الاربعاء التاسع من نيسان، وخلال عشرين يوما، تمكنت القوات الأميركية والبريطانية من الانتشار في انحاء العراق، وأن اليأس قد هيمن على عقول وقلوب كل من يفكر بالوقوف ضد الموج الأميركي الهادر، الذي أنهى المؤسسة العسكرية والمدنية وألغى الوزارات وسحق المنظومة الأمنية في هذا البلد خلال ثلاثة اسابيع، وأن الاسابيع الثلاثة اللاحقة التي أعقبت إسقاط التمثال والانتشار في العراق، تشير إلى تعاون أطراف كثيرة من داخل المؤسسة الإدارية والأمنية والدوائر الاخرى مع القوات الأميركية، لذلك فأن الإعلان لم يأت من فراغ أو كان بمثابة الحاجة للإعلان عن ذلك ليس إلا، وإنما استند إلى ما إعتقد القادة الأميركيون أنه بمثابة حقائق ووقائع من أرض الواقع العراقي اليومي.
لم يتصور الكثيرون بأن مسلسل سقوط قتلى وجرحى من القوات الأميركية والبريطانية، سيتواصل بعد إعلان الرئيس بوش انتهاء العمليات العسكرية، وإذا كان (تيري هيمنغواي الذي سقط قتيلا في اليوم الاول من الاحتلال(10/4/2003، قد تصدر قائمة القتلى، ولم يتفاجأ البعض بـ (مقتله)، فأن القتيل الاول، الذي تلقت عائلته الخبر قبل ساعة واحدة من إعلان بوش بيان الانتصار وانتهاء العمليات العسكرية، قد شكل صدمة كبيرة في الاوساط الأميركية، لأنهم تصوروا، أن نص بيان الانتصار قد تمت صياغته منذ عدة ايام، وأن زيارة تومي فرانكس قبل عشرة ايام من ذلك التاريخ، ووجود وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في العراق، ماهو إلا الدليل القاطع على أن القناعة لدى القيادة الأميركية نهائية وحتمية، وأن إطلاقة نارية (معادية) واحدة لن يسمعها الجنود الأميركيون في العراق قبل عدة ايام من بيان (الانتصار) ،ثم يتلاشى ذلك نهائيا إعتبارا من الاول من مايو 2003.
لم يسمع العراقيون ببعض الهجمات التي شنها المقاومون العراقيون خلال الساعات التي سبقت إعلان الرئيس بوش انتهاء العمليات العسكرية، كما أن المقاومين الذين إختاروا طريقهم الجديد، لا يأبهوا للإعلانات الأميركية عن الانتصار، وبينما كان دونالد رامسفيلد يعيش لحظات الزهو عند ما وطأت قدماه أرض مطار بغداد، حيث شعر بحلاوة الانتصار، فهو يقف على أرض الرافدين وهو وزير الدفاع الذي انتصر جيشه على العراقيين، وكان قد وقف قبل عشرين عاما من هذا التاريخ في المطار نفسه، عندما زار العراق مبعوثا من قبل الرئيس رونالد ريغان إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1981)، ووصل رامسفيلد هذه المرة إلى بغداد قادما من البصرة، وسار موكبه من المطار الذي يقع على بعد (30 كم غرب بغداد) في طريق طويل يشق احياء العاصمة بإتجاه القصور الرئاسية على ضفة نهر دجلة، حيث تتواجد القيادة الأميركية العسكرية والمدنية، وبينما كان يلقي رامسفيلد نظراته على احياء بغداد، فاذا بهجوم مفاجيء يتعرض له موكبه، وجرى تعتيم على ذلك الهجوم، إلا أن قناة (فوكس نيوز الأميركية) (59 )التي كان احد مراسليها يرافق رامسفيلد، ذكرت ذلك في سياق نشرة الاخبار، وقال المراسل (أن حافلة في موكب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد تعرضت لإطلاق نيران في طريق مطار بغداد) بتاريخ 30-4-2003..
في تلك الأثناء كانت قوة أميركية قد تعرضت إلى هجوم في مدينة الفلوجة، وإعترف الجيش الأميركي بجرح سبعة من جنوده إثر هجوم تعرضوا له في المدينة، وكان سكان وسط الفلوجة قد سمعوا إنفجارين في حدود الساعة الواحدة والنصف من مساء يوم الاربعاء (صباح الخميس 30/4/2003) وقال شهود عيان أن إثنين من المقاومين قد تسللا تحت جنح الظلام، رغم وجود الاضواء الكاشفة مستهدفين مقر القوات الأميركية، واعترف الجيش الأميركي بالهجوم الذي شنته المقاومة العراقية، وقال الكابتن فرانك روز نبلات من الفرقة 82 المحمولة جوا المتمركزة في الفلوجة أن شخصين اقتربا من المبنى الذي كان في السابق مقرا لحزب البعث نحو الساعة الواحدة ليلا وألقيا قنبلتين يدويتين من فوق حائط المبنى، ما أدى إلى إصابة سبعة جنود بجروح متوسطة وطفيفة، وأعلن بيان للجيش الأميركي أن الجرحى قد تم نقلهم إلى بغداد وأن خمسة من المصابين يحتاجون إلى رعاية طبية، وكانت القوات الأميركية قد ردت بإطلاق نار كثيف حول المبنى، إلا أن المقاومين تمكنا من الإنسحاب دون إصابة أي منهما.
ـــــــــــــــــــ
55- – تصريحات الكابتن جيه بي سوبز من الفرقة 101 المحمولة جوا لوسائل الإعلام.
56- مراسل وكالة رويترز ادموند بلير27-4-2003.
57 – بيان الجيش الأميركي الذي اعترف به بمقتل اخر جندي قبل القاء بوش لخطاب النصر في الاول من مايو 2003.
58- كلمة رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الموجهة للعراقيين بتاريخ 30 -4-2003.

إلى الأعلى