السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كم كان انتصارا مهما

كم كان انتصارا مهما

د. فايز رشيد

” إسرائيل في كافة اعتداءاتها وحروبها على الدول العربية, لم تكن بحاجة إلى مبررات للقيام بشن هذه الحروب. العدوان هو صفة ملازمة للوجود الإسرائيلي، فلا تمضي بضع سنوات من دون أن يقوم الكيان الصهيوني باعتداءات على هذه الدولة العربية أو تلك، أو تقوم بعمليات تخريبية أو اغتيالات لمناضلين في عواصم ومدن العديد من الدول العربية، لذلك لم تكن بحاجة إلى ذريعة أسر جنديين إسرائيليين حتى تقوم باعتداءات على لبنان.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عشرة أعوام مضت على انتصار 14 أغسطس/آب لحركة المقاومة اللبنانية، كانت إسرائيل قد انسحبت من الجنوب اللبناني، بل هي اضطرت للانسحاب تحت وطأة ضربات المقاومة، لملم الجنود أسلحتهم واستقلوا آلياتهم ومضوا إلى غير رجعة، فهم يدركون ما ينتظرهم في لبنان من مفآجات. إن معاني انتصار المقاومة اللبنانية على إسرائيل كثيرة وكبيرة ولعل من أبرزها: انه لأول مرة في تاريخها وفي تاريخ الصراع العربي- الصهيوني، تُجبر اسرائيل على الانسحاب، فاسرائيل احتلت الجنوب اللبناني لتبقى طويلاً وتساند عملاءها في لبنان على بقاء دويلتهم العميلة للكيان الصهيوني. إنها أول مرة في تاريخ الصراع تَهزم فيها حركة تحرر وطني عربية، إسرائيل هزيمة منكرة. تجربة الانتصار تشي بإمكانية توجيه الهزيمة لهذا الكيان، الذي اعتّد كثيراً “بأنه لا يهزم”، وتشي بأنه إذا ما جرى امتلاك الإرادة إلى جانب الأسلحة, فلن يقف العدو أمام طموحات الجماهير العربية. الانتصار شكل درساً في مقاومة حركات التحرر الوطني, وفي تجاربها النضالية. الانتصار شكلّ إسناداً عضوياً لحركة المقاومة الفلسطينية ولنهج المقاومة في المنطقة العربية كما على الصعيد الأوسع. بمثل هذه الروحية يجري النظر إلى الانسحاب الإسرائيلي اضطرارا من الجنوب اللبناني عام 2000. نعم تحرر الجنوب اللبناني على يدي المقاومة الوطنية.
لقد تعزز هذا الانتصار عام 2006، حين أعادت إسرائيل الكرّة وقامت بالاعتداء على لبنان مرّة أخرى. ثلاثة وثلاثون يوماً وإسرائيل تحاول ضرب سلاح المقاومة اللبنانية، لكنها فشلت في ذلك ولم تستطع تحقيق أيٍّ من أهدافها، بل العكس من ذلك وصلت صواريخ المقاومة إلى الداخل الإسرائيلي، واضطر الكيان إلى إخلاء مئات الألوف من مستوطنيه من شمال فلسطين المحتلة عام 1948 إلى جنوبها. لأول مرة تصل فيها الحرب إلى الداخل الإسرائيلي، وهذا ما تتجنبه إسرائيل في حروبها ضد العرب، فهي تُشعل المعارك في أراضيهم, وتبقى بمنأى عن تأثيرات هذه الحروب. حاولت إسرائيل تحقيق أهدافها من خلال الحرب البرية، فدفعت بكتائب من جيشها لتخوض حرباً برية ضد المقاومة، وكانت المفأجاة حين وقع جنود إسرائيليون في كمائن المقاومة، ولذلك خسرت إسرائيل عدداً كبيراً من جنودها والعشرات من آلياتها. قبل نهاية المعركة طلبت إسرائيل وقفاً لإطلاق النار عن طريق الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا دليل على نوعية المعارك التي خاضتها في ذلك العام. لقد طلبت الدولة اللبنانية رسمياً من كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، أثناء زيارتها إلى لبنان في بداية الحرب، وقفاً لإطلاق النار، فرفضت الوزيرة الأميركية هذا الطلب وقالت بما معناه، إن إسرائيل ستمضي في إسقاط سلاح المقاومة، وقد كان هذا أحد الأهداف الرئيسية من العدوان.
إسرائيل في كافة اعتداءاتها وحروبها على الدول العربية, لم تكن بحاجة إلى مبررات للقيام بشن هذه الحروب. العدوان هو صفة ملازمة للوجود الإسرائيلي، فلا تمضي بضع سنوات من دون أن يقوم الكيان الصهيوني باعتداءات على هذه الدولة العربية أو تلك، أو تقوم بعمليات تخريبية أو اغتيالات لمناضلين في عواصم ومدن العديد من الدول العربية، لذلك لم تكن بحاجة إلى ذريعة أسر جنديين إسرائيليين حتى تقوم باعتداءات على لبنان. لجنة التحقيق التي شكلّتها إسرائيل عام 2006 للتحقيق في ظروف الحرب, التي قامت بها ضد لبنان، أثبتت أن إسرائيل لم تحقق أيضاً أيا من أهدافها، وأن القيادات العسكرية أهملت واجبها تجاه الجيش الإسرائيلي، وتجاه معرفة تفاصيل مهمة عن الطرف الآخر (المقصود المقاومة) الأمر الذي يثبت, كم استطاعت المقاومة الوطنية اللبنانية خداع الجانب الإسرائيلي في المعلومات، وكم عرفت هي بتفاصيل مهمة عن الجيش الإسرائيلي، وهو ما ساعدها في معركتها, ومنع إسرائيل من تحقيق أيٍّ من أهدافها لهذا العدوان. إن من أبرز الدروس التي أثبتتها حركة المقاومة الوطنية اللبنانية في تصديها للعدوان الصهيوني ما يلي، ان هذا العدو لا يرضخ سوى للغة القوة في اعترافه بحقوق الآخرين، فسنوات طويلة من المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لم تُجبر إسرائيل على الاعتراف بحق فلسطيني واحد، بل ان ما يحصل هو العكس، من خلال المفاوضات تزداد إسرائيل شراسةً ونهماً في الاشتراطات التعجيزية على الفلسطينيين والعرب، كالاعتراف “بيهودية إسرائيل” مقابل الدخول لإجراء أية تسوية مع أيٍّ من الطرفين.
لقد سبق أن وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير بإطالة المفاوضات عشرين عاما. لسان حال نتنياهو يقول بأنه سيطيل المفاوضات لعشرات السنين أيضاً، بالتالي فلا فائدة من أي مفاوضات يخوضها مطلق طرف عربي مع إسرائيل. الكيان رفض ويرفض “مبادرة السلام العربية” التي اقترحتها قمة بيروت عام 2002. يريد استسلام الفلسطينيين والعرب للأمن الإسرائيلي, ولما تريد إسرائيل فرضه من شروط عليهم. الذي يمنع إسرائيل من تنفيذ تهديداتها في ارتكاب عدوان جديد على الأرض اللبنانية، هو خشيتها من تكرار ظروف عدوان عام 2006، خاصة أن المقاومة اللبنانية تملك ترسانة قوية وصواريخ أحدث، وأبعد مدى من تلك التي استعملت في حرب تموز 2006. نعم هذا هو السبب، لقد تعزز الانتصار على الكيان الصهيوني بصمود الفصائل الفلسطينية أمام العدوان الصهيوني على قطاع غزة 2008-2009، والعدوان عام 2012, وهو ما يعطي ويفتح الإمكانية على آفاق وطموحات فلسطينية وعربية، أبعد مدىً من منع إسرائيل من تحقيق أهدافها في أي عدوان جديد, قد تفكر في ارتكابه. نعم الصراع مع العدو الصهيوني يعود إلى مربعه الأول، والتحية للمقاومة الوطنية اللبنانية في ذكرى انتصارها.

إلى الأعلى