الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن المشهد الإعلامي المصري

عن المشهد الإعلامي المصري

د.احمد مصطفى

” .. يمكن ـ ببعض التعسف طبعا ـ القول بأن تراجع الصحافة والإعلام في مصر يعود إلى سنوات طويلة، حيث بدأ يفقد ميزاته التي جعلت منه موردا لكثير من العاملين في المنافذ الإعلامية العربية والموجهة للعالم العربي من الخارج في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ومع التغيرات التي شهدها العالم، وترددت تبعاتها في المنطقة في عقد الثمانينيات حتى نهايته، بدأ الإعلام المصري في التراجع.”

تشهد الساحة الإعلامية المصرية تغييرات متسارعة في الآونة الأخيرة توحي بأن هناك نشاطا جديا لتغيير وضع الإعلام في مصر بعد حالة التردي التي وصل إليها في السنوات الأخيرة. لكن تلك التحركات، تعكس في الوقت ذاته عمق الأزمة في أحد القطاعات التي كانت تميز مصر على مدى عقود منذ القرن الماضي وبدأت تفقدها مؤخرا. ومن غير الواضح إن كانت التحركات الأخيرة تلك تستهدف فعلا النهوض بالإعلام المصري، أو على الأقل وقف منحى التدهور، أم فقط مجرد تعزيز الوضع الحالي على أساس أنه “ليس في الامكان أبدع مما كان”. ومن الملاحظات الأولية، تبدو أغلب التحركات مركزة على الجانب المالي والاقتصادي للإعلام عموما أكثر منها على رفع الجودة المهنية أو تطوير الفضاء الصحفي المتراجع بشدة.
بداية، يصعب إلقاء اللوم في تدهور الصحافة والإعلام في مصر على ما شهدته البلاد من اضطرابات وتطورات منذ 2011 واسفر عن انفجار الكثير من المشاكل القديمة المتراكمة في مختلف القطاعات ومفاصل الحياة العامة في مصر. بل على العكس، ربما كانت فترة الاحتجاجات والتغييرات السياسية تلك “إفاقة” بسيطة مؤقتة للإعلام بمثابة “حلاوة الروح”. وبما أن الإعلام هو مرآة المجتمع بشكل عام، فقد عكس الانتعاش التفاؤلي للمصريين بالتغيير نحو الأفضل بعد عقود من الركود قبل ان ينقضي “الربيع” بسرعة مفضيا إلى هيمنة الإخوان وتحالفاتهم والاضطرابات التي أعقبت ذلك حتى الآن. وما ينطبق على الحالة السياسية/الاجتماعية ينطبق ايضا على الوضع الاقتصادي ـ وكل ذلك يؤثر في الإعلام (ويتأثر به ايضا) في دائرة مفرغة من التراجع.
ويمكن ـ ببعض التعسف طبعا ـ القول بأن تراجع الصحافة والإعلام في مصر يعود إلى سنوات طويلة، حيث بدأ يفقد ميزاته التي جعلت منه موردا لكثير من العاملين في المنافذ الإعلامية العربية والموجهة للعالم العربي من الخارج في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ومع التغيرات التي شهدها العالم، وترددت تبعاتها في المنطقة في عقد الثمانينيات حتى نهايته، بدأ الإعلام المصري في التراجع. لكن ذلك لم يبد واضحا وقتها لوجود بقايا جيل من أسطوات الإعلام والصحافة في المؤسسات الكبرى يجاهدون من أجل الاحتفاظ بمعايير المهنة وأصولها. ومع النصف الثاني من فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك شهد الإعلام المصري ما وصف وقتها بانفراجة كبيرة ظاهرها اتاحة مزيد من الفرص للتنافس والتطوير وواقعها الذي برزت نتائجه فيما بعد هو النيل من أصول المهنة وتسريع التدهور حتى وصل الإعلام المصري بنهاية العقد الأول من القرن الحالي إلى مرحلة تستعصي على الإصلاح.
كان الملمح الأساسي لتلك المرحلة هو فتح منافذ إعلامية جيدة من صحف خاصة وقنوات فضائية خاصة، مملوكة لمن يسمون “رجال أعمال” مرتبطون بالسلطة بشكل أو بآخر وكونوا ثرواتهم باستغلال النفوذ والأعمال المشبوهة ولا يمكنهم السيطرة على الإعلام الرسمي تماما فاتجهوا لتكوين إعلامهم الخاص لحماية مصالحهم والدفاع عنها وتوفير أداة للنفوذ والصراع مع الخصوم. ولم يكن الخصوم فقط من أقرانهم في مجال نشاطهم وعلاقاتهم بل أحيانا الحكومة التي يتنافس الجميع للاستفادة من علاقته بها. ورغم التفاؤل بتطوير جيل جديد من الصحفيين يسد ثغرة التدهور التي أعقبت اختفاء جيل الأسطوات، ما لبثت المهنة أن تحولت إلى “بزنس” صريح وفج أحيانا قضى حتى على بوادر مهارات صحفية وإعلامية بازغة.
ومما ميز تلك الفترة، وإن لم يكن قاصرا على مصر والإعلام المصري، انتشار ظاهرة “الإعلامي” الذي لا علاقة له بالصحافة والإعلام ولا حتى ببزنس الإعلام. وصاحب ذلك التوسع في صحافة المقالات والمدونات واتساع رقعة برامج “الكلام” في القنوات التلفزيونية التي تسمى “توك شو”. وافرزت تلك الفترة “ظواهر” إعلامية مصرية بعضها بلغ من التردي حد الاساءة لمصر كلها وليس لقطاع الإعلام والصحافة فيها فحسب. وللسف الشديد، وجد كل ذلك النتاج الغث مستهلكين في السوق المحلي ومتابعين من باب السخرية والفكاهة خارج مصر. وظل منحى التدهور مستمرا حتى يناير 2011 حينما أصبحت تلك المنافذ الجديدة نسبيا فرصة لأصحابها لممالأة القوى الجديدة على الساحة تمهيدا للانتفاع منها مجددا. وبغض النظر عن حسابات أصحاب الأموال ومستهدفي النفوذ، وفر ذلك فرصة لما يمكن وصفها “فورة” إعلامية قبل الدخول في الركود مجددا.
ما يجري الآن، من بروز كيانات جديدة تطلق منافذ إعلامية واستحواذ بعض الكيانات الاقتصادية على منافذ موجودة واندماج بعض المنافذ مع بعضها للحد من التكلفة ومواجهة ظروف اقتصادية صعبة، ربما يكون بداية عملية الفرز لفقاعة إعلام اضرت بالمهنة ونالت من مكانة الصحافة المصرية داخليا وفي محيطها العربي. عملية الفرز تلك ستخرج بعض اللاعبين من السوق وتبقي على من يستطيع الصمود عبر اندماج أو شراكة أو صفقات بشكل أو بآخر. لكن للأسف هناك حقيقة مؤلمة، هي أن من سيتبقى ليس بجديد تماما وإنما فقط القوى مما سمي “الإعلام الخاص” مقابل الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي الممثل بالإذاعة والتلفزيون وعدد من الصحف الرئيسية كالأهرام والأخبار. وهذا الأخير لم يعد ممكنا إعادة هيكلته أو تطويره بعد سنوات الإهمال والتردي التي عانى منها. أما الكيانات الجديدة/القديمة فمن غير الواضح بعد إن كانت حقا تعني بتطوير المهنة.

إلى الأعلى