الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل القرآن الكريم (4)

فضائل القرآن الكريم (4)

علي بن سالم الرواحي:
.. وكان (صلى الله عليه وسلم) يقطع قرءاته ويقف عند رؤوس الآيات كما وصفتها أم سلمة رضي الله عنها حين قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقْرَأُ:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ثُمَّ يَقِفُ،(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ), وكان من ترتله وتمهله في القراءة حتى تكون السورة التي يقرأها أطول من السورة التي هي أطول منها حين يقرأها غيره بلا ترتيل وهذا ما تفيدنا به أمنا حفصة ـ رضي الله عنها ـ حين قَالَتْ:(مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا).
وهناك حديثان حديث يأمر بالتغني في القرآن وحديث ينهى عن ذلك فالأول حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَرَتِّلْهُ تَرْتِيلاً وَلاَ تَغَنَّوْا بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْمَلاَئِكَةُ لِذِكْرِهِ)، والثاني حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ أيضاً، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ), فالأول محمول على الترجيع والتطريب والتمطيط كما يفعل أهل لهو الحديث فهذا حرام أما الثاني المأمور به فيعني تحسين الصوت بالقرآن والجهر بالقراءة لكن بخشوع وبالتزام أحكام القراءة ولآدابها حتى كأنه من مهارته يهلج لسانه بالقرآن كما يلهج أصحاب اللغو بالغناء والطرب, أو قد يُحمَل على الاستغناء بالقرآن عن كل ما سواه من الكلام فلا ريب أن القرآن فيه ذكر كل شيء والاشتغال بتلاوته عن تلاوة غيره هو أجدر لما فيه من الفوائد التي لا توجد في غيره وأنه متعبد بتلاوته.
وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) أحياناً يردِّد بعض الآيات بكثرة وهذا أبو ذر يَقُولُ: (قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا) وَالْآيَةُ:(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة ـ 118), وهذا من التدبر وكانت قراءته الترتيل وهو أنسب للتدبر وكان يتفاعل مع القرآن فيها أيضاً مما يؤكد على تدبره العميق للقرآن الكريم فقد روى ذلك حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ فقَالَ:(صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ:(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ:(سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ.
وسَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ، عَنْ هَذَا الحَرْفِ (غَيْرِ آسِنٍ) أَوْ يَاسِنٍ؟ قَالَ:(كُلَّ القُرْآنِ قَرَأْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَهُ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، إِنِّي لأَعْرِفُ السُّوَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، قَالَ: فَأَمَرْنَا عَلْقَمَةَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَقْرُنُ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ), فهذا بيان لقراءة النبي (صلى الله عليه وسلم) كما سمع منه ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وهي دائرة في دائرة الترتيل حيث التمهل والتؤدد.
* نسيان القرآن الكريم:
لقد ورد الترهيب في نسيان القرآن الكريم، كحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمُ).
لكن هل النسيان هنا نسيان الذاكرة أم نسيان القراءة أم نسيانه بترك العمل به؟ فنحن نعلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) في بعض صلواته بحكم طبيعته البشرية كان ينسى آيات من القرآن, إذا فنسيان الذاكرة غير مراد هنا, لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) معصوم عن كل ذنب.
من ناحية أخرى, قال أبو ستة: والحاصل أن المتبادر من الأحاديث الواردة في الأمر بتعاهد القرآن يدل أن الوعيد يتعلق بنسيان قراءته، وأما نسيان العمل به فإنه لا فرق فيه بين جميع المكلفين.
ولذا بقى أن يُحمَل على نسيان القراءة وقيل يكون ذلك بحيث لا يُفرِزه من الشعر, أما إذا كان هذا نتيجة مرض فلا عليه جناح إن شاء الله تعالى.
وهناك أحاديث ووعيدٍ لمن نسى القرآن الكريم لكن نستكفي هنا بما تقدم.
* هجر القرآن:
إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يشكو إلى ربّه يوم القيامة من قومه لهجرانهم القرآن الكريم,قال الله جل جلاله:(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان ـ 30), والهجر يحتمل ثلاثة معانٍ:
هجر الإيمان والعمل به: وهو ديدن مشركي مكة الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
هجر العمل: ويكون من المسلمين الذين تركوا العمل بالقرآن فلم يطبقوا أحكامه في شؤون حياتهم.
هجر التلاوة: وهو من مسلم مؤمن عامل به لكنه يقصِّر في تلاوة القرآن فتراه يضع مصحفه في ركن بيته عرضة للغبار دون أن يفتحه وهو كثير منتشر في يومنا هذا والعياذ بالله.
* قراءة الجهر وقراءة السر:
يرى شيخنا سماحة المفتي العام للسلطنة أن قراءة السر أفضل إن كانت أدعى للتدبر والإمعان أو كانت من أجل اتقاء الرياء أو من أجل عدم التشويش على المصلين أو القرّاء الآخرين أو على المشتغلين بغيره, ومن جانب آخر فإن قراءة الجهر أفضل إن كان ما حوله يستمعون إليه , ولا يضره شغل الشاغل عنه لأن الاستماع إلى القرآم مأمور به شرعاً.
ومن قال بأفضلية قراء السر استدل برواية عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ، كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ، كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) فإنه لا ريب أن المسر بالصدقة أفضل من الصدقة جهراً لأن الأول يفوز بكونه من الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله.
وقد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) من الجهر بالقراءة لما فيها أذى للمصلين, وعَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا فَوَعَظَ النَّاسَ وَحَذَّرَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ، ثُمَّ قَالَ:(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُصَلٍّ إِلَّا وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ).
* القراءة من حفظ القلب أو من النظر إلى المصحف:
هنا جدل قائم في أيهما الافضلية: القراءة من الذاكرة العقلية أم من المصحف الشريف, فمن قال بالنظر أفضل استدل بحديث أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ كُتِبَ لَهُ أَلْفَا حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَظُنُّهُ قَالَ: فَأَلْفُ حَسَنَةٍ), واستدل بقول ابن عباس:(النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ عِبَادَةٌ).
ومن قال أن القراءة عن ظهر قلب أفضل, استدل بقوله تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص ـ 29), فقال أنها أدعى للتدبر من قراءة النظر, واختاره عز الدين بن عبد السلام والشيخ محمد محمد أبو شهبة, وهذا لا يكون صحيحاً دائماً لأن قراءة النظر يكون موضع القراءة الصحيحة ورؤية أحرف القرآن وكلماته قد يكون أحرى للتدبر فالقاريء يشغل لسانه وعينه وقلبه بقراءته النظرية بينما يشغل قلبه ولسانه بقراءته الحفظية ومعلوم بأن ما يشغِل الحواس أكثر يكون التركيز فيه أكثر والله أعلم, من هنا يتبين أفضلية قراءة النظر كما دلت عليه الأحاديث الشريفة.
* قراءة القرآن بغير العربية:
قال الله سبحانه:(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 1 ـ 2), وعليه فلا تجوز قراءته بغير العربية أو ترجمته وإنما تجوز ترجمة معانيه.
فلنأخذ قوله تعالى:(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (الأنفال:58) فإذا أراد أحد أن يترجمه فكيف يترجمه, حيث لا بد له أن يبسط مجموعها ويظهر مستورها ويصل بين مقطوعها فيقول مثلاً:(إن كان بينك وبين قوم عهد فخفت منهم خيانة فأعلمهم إنك قد نقضت عهدك معهم وبالتالي بالحرب معهم لتكون أنت وهم في العلم على سواء).
ثم أي كلام هذا الذي ترجمه فإذا في اللغة العربية لا يشابه كلام القرآن لا من قريب ولا من بعيد فكيف تكون ترجمته؟, والصحيح أن ترجمته ستكون لمعاني القرآن لا للفظه والله أعلم.

إلى الأعلى