الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

الكثير من الفتيات والشبان في أيامنا هذه يستخدمون الدردشة عن طريق الانترنت .. فلو تكرمكتم سماحة الشيخ تعطينا الحكم في الدخول إلى مواقع الدردشة، وهل هي حرام أم لا؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقبل كل شيء ينبغي أن نحدد معنى الدردشة، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، وما الذي يترتب عليها من منافع أو مضار، ومن أمور سلبية أو أمور إيجابية. حقيقة الأمر الإنسان مسؤول عما يقول وعما يقدم وما يؤخر (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) (القيامة 36 ـ 37)، نعم إن الإنسان مرده إلى الله تعالى، والله سائله عما قدّم وما أخّر، وقد قال سبحانه:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ ـ 18)، والنبي (صلى الله عليه وسلّم) يقول:(إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه).
فالإنسان مسؤول عن فلتات لسانه، ولذلك عندما كان يوصي رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) معاذاً ـ رضي الله تعالى عنه ـ أشار إلى فيه ـ إلى لسانه ـ وقال له:(ألا أدلك على ملاك ذلك كله احفظ هذا. مشيراً إلى اللسان. فقال له: أإنا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وسلّم): ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).
فحصائد الألسنة هي التي تسوق الناس والعياذ بالله إلى النار سوقاً، وكذلك عندما تكون حصائد الألسنة حصائد إيجابية خيرة بحيث يتحرى الإنسان في كلامه مرضاة الله تبارك وتعالى تسوقه إلى الجنة سوقاً، فلئن كانت هذه الدردشة فيها كذب وافتراء فذلك ليس من شأن المؤمن، إذ الله تبارك وتعالى يقول:(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل ـ 105) وهو دليل قاطع على أنه لا يمكن أن يصدر الكذب من المؤمن، وكذلك يقول النبي (صلى الله عليه وسلّم):(يطبع على المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب).
وعندما سئل النبي (صلى الله عليه وسلّم) عن صفات المؤمن فقيل له:(أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا) أي: ليس من شأن المؤمن أن يكذب، ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى عندما توعد المنافقين قال فيما توعدهم عليهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة ـ 10)، هذه على قراءة من قرأ (يكذبون) وهي قراءتنا المعتمدة في المشرق.
والدخول في مثل هذه الأمور يجب أن يضبط بضوابط، أولاً قبل كل شيء يجب أن يكون حقاً لا باطل فيه، أي أن يكون كل ما يقوله الإنسان وما ينشره إنما هو حق ليس فيه باطل، ومعنى ذلك أن يكون صدقاً غير ممزوج بكذب، هذا من ناحية، من ناحية ثانية ألا يكون ذلك يؤدي إلى الإفساد، فقد تكون الكلمة في ذلك حق ولكن يراد بها باطل، يراد بها إفساد، يراد بها جرف الناس إلى الشر، يراد بها خداع المؤمنين والمؤمنات، فقد تغرر المرأة بالكثير من الأحابيل التي يصنعها أولئك الماكرون الذين لا يريدون بها إلا السوء ولا يريدون بها إلا الكيد، فلذلك كان من اللازم أن يتفطن الإنسان في ذلك إلى أي غاية تؤدي هذه الدردشة فإن كانت تؤدي إلى باطل فلا ريب أنها محرمة ويجب اجتنابها ولو لم تخرج عن حدود الصدق وحدود الحق، لكن إذا كانت عاقبتها أن تؤدي إلى باطل فإن ذلك مما يجب اجتنابه، ولذلك يقول بعض المتفطنين من الحكماء والعلماء يقول: ما علمت أن كلمة (سبحان الله) تكون معصية إلا اليوم. فسأل عن ذلك فقال: حضرت مجلساً كان فيه أحد الظلمة ينزل على أحد من الناس لأنه يتهمه بباطل، وكان أحد الحاضرين يريد أن يغري ذلك الظالم بذلك المظلوم فكان يقول (سبحان الله) كأنه يفخم هذا الأمر ويعجّب مما جاء به ذلك الرجل حتى يوقع به ذلك الظالم. فكانت كلمة سبحان الله التي هي تنزيه لله سبحانه عزوجل مستخدمة من أجل باطل، فهي كلمة حق ولكن استخدمت من أجل باطل، لذلك كان يجب اتقاء مثل هذه الأمور إن كانت تؤدي إلى باطل ولو كانت في حقيقتها حقاً .. والله تعالى المستعان.

ما هي الطرق المثلى التي يمكن للمسلم أن يتبعها في تربية أولاده في ظل متطلبات الحياة المغرية بحيث يستطيع أن يوازن بين التزامه بالتربية الإسلامية وبين عدم حرمان الأولاد من التمتع ببعض متطلبات العصر مع التسليم بأن التربية الصالحة تفوق أي اعتبار آخر؟

لا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يحرّم على عباده ما فيه منفعتهم وما فيه مصلحتهم، وإنما حرّم عليهم ما فيه مضرتهم، فالانتفاع بالحياة المعاصرة وغير المعاصرة لا يتصادم مع الدين بشرط ألا يكون ذلك إلا في إطار ما أباحه الله تبارك وتعالى أي في إطار الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، فإن كان في هذا الإطار فمن الذي حرّم على الناس أن ينتفعوا بمتع هذه الحياة (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، فالله تعالى أباح لعباده أن ينتفعوا بمتع هذه الحياة التي ليس فيها ما حرّم عليهم، وإنما حرّم الله سبحانه تعالى ما حرّم لأجل ما فيه من المضرة والمفسدة للعباد ، والإنسان يستطيع في هذا الوقت أن يوفر لأولاده ما تدعو إليه الحاجة سواءً ما كان من ناحية التغذية أو كان من ناحية اللباس أو كان من ناحية مرافق الحياة أو كان من ناحية الترفيه عليهم بشرط أن يكون ذلك كله في حدود الفضيلة ولا يتجاوزها إلى ما عداها.

إلى الأعلى