الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (124)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (124)

ناصر بن محمد الزيدي
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإن بعـض الناس يظـنـون أن الـعـلامـة التي تكـون في جـبهـته الإنسـان والمعـالجـة بطـريقة أو بأخـرى هـي الـنـور المقـصود في قـوله تعالى:)سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ..( (الفـتح ـ 29).
ولـقـد فـهـم بـعـضهـم أن يـكـون أثـر ذلك فـي جـبهـته ، فـترى أثـر ذلك في جـبهته، وكأنه مثـلة تـشـوه الجـبهة، ظـناً مـنه أن ذلك الأثـر هـو المقـصـود في الآية الكـريمة.
ومـن تـدبـر الآيـة وجـد أن تـلك الـسـيـماء نتيجـة منطـقـية، حـيث قال الله تعالى:(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الـفـتـح ـ 29).
ولـقـد كان النبي (صلى الله عـليه وسـلم) وجـهه كالشمس، وتصـف بـعـض الأحـاديـث الشـريفـة أن الـواحـدة مـن الحـور الـعـين، لـو أطـلـت عـلى أهـل الأرض لـغـلـب نـور وجهها ضـوء الشمس والقـمـر.
مراقـبة الله في الـسر والعـلـن:
ويـروى أن عـبـد الله بن عـمـر بن الخـطـاب ـ رضي الله عـنهـما ـ مـر بـغــلام يـرعى غـنـما، فأشـار عـبـدالله بن عـمـر إلى إحـدى الشـياه، وقال: بـعـني هـذه الشـاة يا غـلام، فأجـاب الغـلام: إنها لـيسـت لي، فـقـال ابن عـمـر: قـل لصاحـب الغـنـم إن الـذئب أكل واحـدة منها، فـقـال الغـلام: فأين الله؟.
أقـول تعـليقـا لهـذه القـصة: إن الغـلام الـراعي، وضـع يـده عـلى جـوهــر الـدين وأدرك بحـسه جـوهـر الـدين، ولـو أن ثـقـافـته محـدودة، وتصـوره للأشـيـاء بـسيطاً، ولـكـن إذا تمـكـن الإيـمان في القـلـب صـدقه العـمـل، فـهـذا راع عـلى الـفـطـرة التي فـطـر الله الناس عـليها.
وقـد تجـد إنسـاناً عـنـده مكـتبة تمـلأ أربـعـة جـدران، بحـيث تعـجـب لحـجـمها وتـقـول: هـذا عـالم كـبـير، فــوالله لـو أكـل هـذا صـاحـب المكـتبة الضخـمة، درهـمـاً واحـداً حـراماً فـلا قـيـمة لـكل ذلك العــلـم، فهـذا عـلـمه حجـة عـليه، ولكـن ذلـك الغـلام الـبـدوي الـراعـي قال: وأين الله؟، لأنـه وقـر في قـلـبه مخـافـة الله ومـراقـبة الله.
فـنحـن بحـاجـة في هـذه الأيام، إلى أشـخاص كهـذا الـراعي، بحـاجـة إلى ورع هـذا الـراعي، وإلى مسلـم يـقـيم الإسـلام حـقـيـقة ،إلى بـيت مـسلم وزوج مسـلـم وزوجة مسـلـمة، وأولاد مسـلـمـين، وإلى صـدق وأمانة وإخـلاص دون غــش ولا كـذب ولا تـدلـيس، هـذا الـنـمـوذج وهـو سـاكـت يـعـد أكـبر داعـية للإيـمان، فـبسـلـوكـه وعـمـلـه وأمانته وإخـلاصـه في العـمـل والنـصـح، والـذي يصـيح في الناس صـباحـا ومسـاء: أيهـا الناس اتـقـوا الله، وهـو غـير مـلـتـزم أخـطـر عـلى الإسـلام، مـن أعـدائـه الألـداء.
فالإنـسان المسـتقـيم والمـلـتزم والـمتـقـي، ولـو كان سـاكـتا فـهـو أكـبر داعـية إلى الله والفـصـيح الـمتـكلـم والمتحـدث اللـبـق، والخـطـيـب الـمصـقـع، إن لـم يـكـن ورعـا أمـيـنا فـهـو أكـبر مـنـفـر للإسـلام، فالقـضـية عـنـد الله في الصـدق والإخـلاص.
ويـروى في بعـض الآثار، يـقـول رب العــزة:(إني والجـن والإنـس في نـبأ عـظـيـم أخـلـق ويعـبـد غـيري، وأرزق ويـشـكـر غـيري، خـيري إلى العـباد نـازل وشـرهـم إلي صـاعــد، اتحـبـب إلـيـهـم بـالنعــماء وأنـا الغـني عــنـهــم، ويتبغـضـون إلي بالمعـاصي وهـم أفـقـر شيء إلي، مـن أقـبـل عـلي منهـم تـلـقـيته مـن بعـيـد، ومـن أعـرض عـني منهـم ناديـته مـن قـريـب.
ولـكـن أهـل ذكـري أهـل مـودتي، أهـل شـكـري أهـل زيادتي ، وأهـل معـصيـتي لا أقـنـطـهـم مـن رحـمتي، إن تـابـوا فأنا حـبـيبـهـم، وإن لـم يـتـوبـوا فـأنا طـبـيبهـم، أبـتـليـهـم بالـمصائـب، لأطـهـرهـم مـن الـذنـوب والـمـعـايـب، الحـسنـة عـنـدي بعـشـرة أمثالها وأزيـد، والسـيئة بمـثـلها وأعـفـو، وأنا أرأف بعـبـدي مـن الأم بـولـدها.
مـوقـف عـمـر بن عـبـد العـزيـز:
يحـكى أن مـسلـمة بن عـبـد الـملك بن مـروان الأمـوي، دخـل عـلى عـمـر ابن عـبـد العـزيـز في مـرضـه الـذي مات فـيه، فـقال له: يا أمـير الـمـؤمنين إنـك فـطـمـت أفـواه ولـدك عـن هـذا الـمال، وتـركـتهـم عـالـة، ولا بــد مـن شيء يصـلحـهـم فـلـو أوصـيـت بهـم إلي أو إلى أحـد نـظـرائـك مـن أهـل بـيـتـك ، لـكـفـيـتـك مـئـونـتهـم إن شـاء الله.
فـقال أمـير المـؤمـنـين عـمـر بن عـبـد العـزيـز أجـلسـوني فأجـلسـوه، فـقـال : الحـمد لله أبا لله تخـوفـني يا مـسيـلـمة؟.
أما ما ذكـرت مـن أني فـطـمـت أفـواه ولــدي عـن هـذا الـمال وتـركـتهـم عـالـة ، فإني لـم أمـنـعـهـم حـقـا هـو لهـم، ولـم أعـطهـم حــقـا هـو لغـيرهـم، وأما ما سـألت مـن الـوصاة إلـيـك أو إلى أحـد نـظـراتـك مـن أهـل بيتي.
فـإن وصيتي بهـم إلى الله، الـذي نـزل الـكـتاب وهـو يتـولى الصالحـين، وإنما بنـو عـمـر أحـد رجـلـين: رجـل اتـقـى الله فـجـعـل الله له مـن أمـره يسـراً، ورزقـه مـن حـيث لا يحـتـسـب ، أو رجـل غـير وفـجـر فـلا يـكـون عـمـر أول مـن أعـانه عـلى ارتكابه معـصـية، ادعـوا لي بني فـدعـوهـم، وهـم يـومـئـذ اثـنا عـشـر ولـداً، فـجـعــل عـمـر يـصـعـد بصـره فـيهـم ، ويصـوبه حـتى اغـرورقـت عـيناه بالـدمع.
ثـم قال: بنفـسي فـتية تـركـتهـم ولا مال لهـم ، يا بني إني قـد تـركـتكـم مـن الله بخـير، إنـكـم لا تمـرون عـلى مسـلـم ولا مـعاهـد، إلا ولـكـم عـليه حـق واجـب إن شـاء الله، يا بني مـيـلت رأيي بـين أن تـفـتـقـروا في الـدنـيا وبـين أن يـدخــل أبـوكـم الـنـار، فـكان أن تـفـتـقـروا إلى آخـر الأبـد، خـير مـن دخـول أبيـكـم يـوماً واحـداً في الـنـار قـومـوا يا بني عـصـمكـم الله ورزقـكـم، قالـوا: فـما احـتاج أحـد مــن ولـد عـمـر بن عـبـد العـزيـز ولا افـتـقـر.
آداب السـفـر:
قـد يسافـر الإنسان الغـير الـمـؤمـن، فهـل يضـمـن أثـناء سـفـره ألا يصاب ابنه بحـادث سـيارة مـثلا ؟، هـل يـضـمـن ألا يـقـع خــلـل في بيـته في غـيابه؟، وهـل يضمـن عـدم دخـول شـخـص معــتـد إلى بيـته في غـيابه؟.
أما الـمـؤمـن إذا أزمـع سـفـرا دعـا بهـذا الـدعـاء:(سـبحـان الـذي سـخـر لـنا هـذا وما كـنا له مـقـرنيـن، وإنا إلى ربـنا لـمـنقـلـبـون، اللهـم إنا نـسألك في سـفـرنا الـبر والـتـقـوى، والعـمـل بما تـرضى، اللهـم هـون عـلـينا في سـفـرنا هـذا واطـوِ لـنا بعـده اللهـم أنت الصاحـب في السفـر والخـلـيـفة في الأهـل والـمال، اللهـم إني أعـوذ بـك مـن وعـثاء السـفـر وكـآبـة الـمنـظـر، وسـوء المـنـقـلب في الـمال والأهـل).
فإن الـمـؤمـن إذا دعـا بـدعـاء السـفـر ، يشـعـر بالـراحـة والا طـمـئنان، لأن الله معـه في حـله وتـرحاله، وهـو الخـليـفة في الـمال والأهـل والـولـد ، فـيـحـفـظ الـمال والأهـل والـولـد وكل شيء، تـرى كـيـف حـفـظ الله لـك ولـدك مـن حـادث خـطـير، لا تـقـل نجـا بأعـجـوبة، فهـذا كـلام يقـوله أكـثر الناس، ولـكـن قـل هـذا حـفـظ الله عـز وجـل، قال الله تبارك وتعـالى:(.. فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يـوسـف ـ 64).
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى