الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعضٌ من المشهد الكوني

بعضٌ من المشهد الكوني

جواد البشيتي

”لو جئنا بميزان كوني ضخم، وَوَضَعْنا في إحدى كفَّتيه كل كواكب النظام الشمسي، وفي الكفَّة الأخرى، الشمس، لَرَأيْنا أنَّ وزن الكواكب جميعًا يقل عن 1 في المئة من وزن الشمس، التي، مع كواكبها، تَعْدِلُ قطرة في بحر نظام كوني (أو بُنْيَة كونية) أوسع هو مجرَّتنا، مجرَّة “درب التبَّانة” Milky Way، فهذه المجرَّة تضمُّ آلاف الملايين من النجوم، أو الشموس،”

الإنسان، وبـ”عينه المجرَّدة”، نَظَر إلى “الكون”، وظلَّ يَنْظُر إليه زمنًا طويلًا؛ وها نحن اليوم نَعْرِف ونُدْرِك أنَّنا لا نستطيع التوسُّع في رؤية الكون من غير “أداة”، يمكن تسميتها “العين الاصطناعية”، التي إمَّا أنْ تكون “التليسكوب”، الذي بفضله نرى المجرَّات والنجوم وسائر الأجسام البعيدة؛ وإمَّا أنْ تكون “الميكروسكوب”، أو “المجهر”، الذي بفضله نرى المتناهي (أو بعضًا من المتناهي) في الصِغَر من الكون، كالجزيئات والذرَّات. ولكن، يجب أنْ نَعْلَم أنَّ “التليسكوب”، أو “الميكروسكوب”، هو كـ”المرآة”، لا تُرينا إلاَّ ما نُريها (من الأشياء).
وأنتَ لا تَقَع (ولا يُمْكنكَ أنْ تَقَع) في “خارج” الكون حتى تراه بكليِّته؛ إنَّكَ (دائمًا) في داخله؛ فكيف لكَ أنْ ترى منزلكَ كله وأنتَ في داخل إحدى غرفه؟!
نحن البشر نعيش على سطح كوكب، عُمْره خمسة بلايين سنة، أي 5000 مليون سنة، هو كوكب الأرض، الذي يدور حَوْل نفسه، أو حَوْل محوره، مرَّة واحدة يوميًّا؛ ويدور، في الوقت نفسه، حَوْل نجمنا، أي الشمس، مرَّة واحدة سنويًّا.
وعندما ننظر في السماء، ليلًا، نرى كواكب أخرى كالمريخ، والزهرة، والمشتري، وزحل، تنتمي جميعًا إلى النظام نفسه الذي ينتمي إليه كوكب الأرض، وهو “النظام الشمسي”Solar System، الذي يتَّخِذ من الشمس مركزًا له.
ولو جئنا بميزان كوني ضخم، وَوَضَعْنا في إحدى كفَّتيه كل كواكب النظام الشمسي، وفي الكفَّة الأخرى، الشمس، لَرَأيْنا أنَّ وزن الكواكب جميعًا يقل عن 1 في المئة من وزن الشمس، التي، مع كواكبها، تَعْدِلُ قطرة في بحر نظام كوني (أو بُنْيَة كونية) أوسع هو مجرَّتنا، مجرَّة “درب التبَّانة” Milky Way، فهذه المجرَّة تضمُّ آلاف الملايين من النجوم، أو الشموس، التي كثيرٌ منها أعظم حجمًا، وكتلةً، من شمسنا، وبكثير؛ وكل نجم نراه ليلًا إنَّما هو جزء من مجرَّتنا. ولقد تأكَّد أنَّ نجوم مجرَّتنا جميعًا مترابطة بما يسمَّى “الجاذبية”، وتدور حَوْل مركزٍ بعيدٍ.
وتضمُّ مجرَّتنا، أيضًا، ما يشبه السُّحُب من الغبار والغاز، مبعثرة بين النجوم؛ وهذه المادة المنتشرة بين النجوم، في مجرَّتنا، تعترض سبيل الضوء المرئي المنطلق من نجومها البعيدة (عن كرتنا الأرضية) فلا يتمكَّن، من ثمَّ، المراقبون في الأرض من أنْ يروا، في تفصيل ووضوح، الأجزاء البعيدة من “درب التبانة”. أمَّا نواة مجرَّتنا فما زالت حتى الآن منطقة يكتنفها الغموض، تَحْجِبها عن الرؤية سُحُب داكنة مُظْلمة من الغبار بين النجوم.
شمسنا إنَّما هي نجم متوسط الكتلة والحجم من بين 100 بليون (100000 مليون) نجم (تقريبًا) تضمها مجرَّتنا (مجرَّة “درب التبانة”). ويبعد هذا النجم، أيْ نجمنا، عن مركز مجرَّتنا نحو 24 ألف سنة ضوئية. ومعظم النجوم التي نراها بالعين المجرَّدة تبعد عنَّا ما بين 10 سنوات ضوئية و100 سنة ضوئية.
أمَّا المجرَّة الأقرب إلينا، وهي “آندروميدا” Andromeda فتبعد عنَّا 3 ملايين سنة ضوئية، أي أنَّنا نراها الآن في الحال، أو الهيئة، التي كانت عليها قبل 3 ملايين سنة.
وحتى وقت ليس بالبعيد كان بعض الفلكيين يعتقدون أنَّ مجرَّتنا هي الكون كله، وأنَّ مركزها هو نفسه مركز الكون.
ونتوسَّع في رؤية الكون أكثر، فنَجِد أنَّ مجرَّتنا هي جزء من نظام كوني (بُنْيَة كونية) أوسع وأكبر هو “عنقود المجرات” Cluster، الذي يضمُّ مجرَّات كثيرة. وليس في وسعنا، حتى الآن، أنْ نَعْرِف عدد “عناقيد المجرَّات” في الكون المرئي، أي الكون الذي نستطيع رؤيته (أو إدراك وجوده) الآن.
في الكون، لا وجود لنجم مُنْعَزِل، أي غير مُنْتَمٍ إلى مجرَّة ما، يهيم على وجهه في الفضاء؛ ولا وجود، أيضًا، لمجرَّة مُنْعَزِلة؛ فكل مجرَّة إنَّما هي فَرْدٌ من جماعة، أو طائفة، أو مجموعة، من المجرَّات. وتختلف “مجموعات المجرَّات” حجمًا وكتلةً وشكلًا؛ وكل “مجموعة” تشتمل، أيضًا، على سائر أنواع المادة المنتشِرة في الفضاء بين مجرَّاتها، كمادة الغاز الحار، الذي، لحرارته الشديدة، يُطْلِق “أشعة سينية” X – Rays لا ضوءًا مرئيًّا.
و”القوَّة (أو “الصمغ”)” التي تبقي “مجموعة المجرَّات” متماسكة، متَّحِدة، إنَّما هي “الجاذبية”، أو “الجذب (الشد) المتبادل” بين مجرَّات ومكوِّنات وعناصر “المجموعة”.
ومعظم المادة في “مجموعة المجرَّات” هو مادة غير ظاهرة، غير مرئية (مادة داكنة أو مُظْلِمةDark Matter). ولَمَّا كانت “مجموعة المجرَّات” هي التكوين (البناء، البُنْية) الأوسع والأضخم والأثقل في الكون، والمتَّحِد بالجاذبية، استنتج العلماء أنَّ معظم المادة في الكون كله يجب أنْ يكون مادة غير ظاهرة، غير مرئية، أيْ “مادة داكنة (أو مُظْلِمة)”. هذه المادة، التي ما زال وجودها نظريًّا وافتراضيًّا، حتى الآن، وفي كثيرٍ من تفاصيله، لا تُرى؛ ولكن يمكن الاستدلال على وجودها من خلال تأثير جاذبيتها بما حَوْلها من أشياء وأجسام.
في الكون، نرى كواكب تدور حَوْل نجم (ينتمي، حتمًا، إلى مجرَّة). ونرى نجومًا تدور (وكأنَّها في رقص بطيء) حَوْل مَرْكَز مجرَّة (تنتمي، حتمًا، إلى مجموعة مستقلة من المجرَّات). ونرى كل “مجموعة” Cluster من المجرَّات” وكأنَّها في رحلة عبر “فضاءٍ فارِغٍ خالٍ في منتهى الاتِّساع”. إنَّها لا تتحرَّك، ولا تنتقل، “في”، أو “عَبْر”، الفضاء؛ ولكنَّها تبدو لنا كذلك؛ فالفضاء نفسه هو الذي يتمدَّد، فتتَّسِع المسافة بين كل “مجموعة” وسائر “المجموعات”، التي بعضها في منتهى الكِبَر والضخامة.
وفي هذا الوجيز، بقي أنْ نشير إلى “الحقيقة” الأغرب من “الخيال”؛ فهذا الكون، بكل مخزونه من المادة والطاقة، كان قبل نحو 14 بليون سنة يتركَّز في حيِّز أصغر من الإلكترون بملايين المرَّات!

إلى الأعلى