الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كفى أيها السادة .. إنكم مكشوفون لنا تماما

كفى أيها السادة .. إنكم مكشوفون لنا تماما

لم ينجح “أنصار سوريا”، إلا في قتل المزيد من شعبها وتشريده وتمزيقه وإشقائه، وفي تدمير المزيد من بنيانها، وإلقاء أثواب من العتمة على مستقبلها ومصيرها.. ونشر المزيد من الظلم، والظلام، والكآبة، في فضائها، وفي فضاءات نفوس أبنائها..؟! وهذا الذي وصلوا إليه، مع إفلاس الهدنة، وتجدد: القصف، القتل، الدمار، الشقاء.. بما ينذر بالمزيد من هذه الأصناف من الفعل السياسي ـ البشري الفريد: الموت، والخطر، والإرهاب، والرعب.

علي عقلة عرسان

حلب، اليوم وكل يوم، ومنذ سنوات، وإلى ما شاء الله.. هذه المدينة التاريخية العريقة، هي في المسلخ البشري.. يتناوب عليها، وعلى أهلها، شرٌّ بعد شر، وكلٌّ يُعْمِلُ فيها سلاحه وقدراته وانفعالاته وأحقاده، قتلًا وتدميرًا وتجويعًا. وحلب مثلها في مآساتها، مثل معظم المدن، والبلدات، والقرى، في سوريا، لم تتوقف فيها مثل هذه الأفعال، التي تجعل الإنسان في محنة، والحياة مأزقًا، والبلاد، “سوريا الوطن”، تعيش كارثةً بعد كارثة. لا أتوقف عند الأسباب، بل أتوقف عند النتائج، لأقول بملء الصوت: أيها السادة، من كلِّ البلدان، والأجناس، والألوان، والأديان.. رأفةً، بعض الرَّأفة، بسوريا وشعبها، بحضارتها ووجودها، بمصيرها ذاته، حاضرًا ومستقبلًا.. فقد أهلكتم فيها كل شيء. كلٌّ منكم يأكُل لحمَها، وكلٌّ منكم يقتلُها ويشربُ من دمها.. وتدَّعون أنكم يأكلُ بعضكم بعضًا، ويقتلُ بعضكُم بعضًا، وما أنتم إلا أَكَلَتُها وقَتَلتُها. يموت من المتقاتلين عدد، ولكن يموت ممن يقعون بين نيرانهم أعداد.. وتزداد المأساة يومًا بعد يوم، وأنتم تدمنون الإجرام بحقها وحق شعبها، يومًا بعد يوم.. حتى أصبح لكم ذلك عادة؟! فرحمةً بالبشر الذين دفعوا، في كل المواقع السورية، ما لا يتحمَّلُه أحد: دفعوا من دمهم، وعمرانهم، ومقومات عيشهم، وأمنهم، وكل ما يقيم حياتهم ويبقيها في وطن مستقل آمن.. دفعوا ما ليس عليه مزيد، خلال خمس سنوات ونصف السنة. ولم يبق من فعل الإبادة المستمر، الذي تمارسونه، إلا أن تقدموا لهم “إبادة شاملة، على الطريقة الأميركية”، بالأسلحة النووية، تَيَمُّنًا بالفعل التاريخيِّ المدوّي، في هيروشيما وناجازاكي.. لكي تريحوهم منكم، ومن الحياة، بعد أن حولتموها إلى جحيم.
تفعلون، وتستنكرون، وتتلاومون.. وكأن ما يجري هناك، هو من فعل مخلوقات من كوكب غير الأرض، ومن شياطين في الأرض. كل منكم ينفي عن نفسه المسؤولية، مسؤولية القصف والقتل والتدمير، مسؤولية الحصار والتجويع والتشريد والتهجير.. ومسؤولية القضاء على ما يُبقي حياة، وأملًا في الحياة، وعلى ما يقيم شأن الأحياء، في بلاد حيَّة. تفعلون ما تفعلون، وتستأنفون القتل، ونفي المسؤولية عنه، والكذب والخداع؟! لن يشكل ذلك براءة، ولا شرفًا، ولا بطولة، ولا نصرًا، لأحد.. كلٌّ منكم غارقٌ في الدم والجرم، ويُغرقُ غيرَه فيه. قوَّتكم الجبَّارة، نعم قوتكم الوحشيَّة الجبَّارة، معترفٌ بها، وشراستكم قطعَت السبيلَ على كل شراسة، وما ألحقتموه بالناس وبالأحياء، في بلد الحياة والحضارة والناس، دخل التاريخ، وأدخلكم إليه من أوسع أبوابه.. ولا أظن أن عاقلًا يريد لنفسه مواقع كمواقعكم في التاريخ، أي تاريخ. أنا لا يعنيني التاريخ كثيرًا، ولا يعنيني التاريخ الذي تتحاكمون إليه، وترجئون حسابكم عما تفعلون إلى أن تبت محكمة ذلك التاريخ بشأنكم، بعد أن تصبحوا رِممًا ورميمًا؟! التاريخ الذي يحرص كل منكم على الدخول إليه “فاتحًا مُكَلَّلًا بالغار، أو مُنتصرًا مُبْهِرًا، على طريقته، وحسب مفاهيمه.. ويحرص على أن يتجلَّى فيه عَظَمَةً عُليا مُوشَّحة بالنهار، ويأخذ فيه موقعًا يحبه، بين الأنداد، والأتباع، والأنصار؟!.. ذاك التاريخ لا يعني عندي عَدلًا. التوقف عن القتل والجريمة والظلم والغطرسة والكذب والافتراء والإضرار بالخلق، والكف عن تدمير الحياة، وعن تيئيس الناس ودفنهم أحياء، وعن القضاء على العمران، وعلى القيم الخيِّرة، والإنجازات الباهية التي يحققها الإنسان.. هي العدل والإنصاف والشجاعة والإبهار.. هي التي تعنيني، وتعني الكثيرين غيري.. أكثر، وأكثر بملايين المرات، من أن يدين التاريخ جثَّة ظالم قاتل مجرم، أو أن يبرِّئها، بعد أن يكون صاحبُها قد أزهق الأرواح وكلَّل نفسَه، أو كلَّله مناصروه بغارٍ، هو العار.. فالغار أيها السادة، يمتزج بالعار في أنفس، وفي مواقع، ومواقف، وحالات لا تحصى في التاريخ، وفي حياة يسود فيها تشويه الحقائق، وصناعة تاريخ، لكل من يقتحم أبواب التاريخ بأحمال من الدماء، أو بتسبيب الشقاء للأحياء.
فلْنلْتفِت قليلًا للحياة، للإنساني، للأخلاقي، للروحي، للعقلاني، للمنطقي.. فهناك النصر، والغار، والخلاص من العار.. وهناك عكس ذلك من لَبُوسٍ وصفات، وأفعال.. والكلُّ دِثار، فليخترْ ذو العقل والوجدان والخُلق القويم الكريم، دثارَه.. والحكيم المهتدي المتَّعظِ بسواه، لا يختار دِثار الدم والعار، ولا التدحرج في كرة من نار، أو دحرجَتها لتحرقه وسواه في النهاية. إن مجدَ الإنسان في ذاته، في أخلاقه، وصفاته، وفي أفعاله السامية النافعة البنَّاءة، ويكون ذاك عندما يحرص على إنقاذ ذاته من الظلم، والجرم، والإثم، ومن مُغريات النَّفس الأمارة بالسوء، ومن التعاظم بالقوة العمياء المدمرة. وحين يرفض ذلك، يبدأ مسيرة إنقاذ نفسه والناس، وإغناء الحياة ذاتها بما يبقيها، وينمّيها ويُغنيها، ويخفف على الخلق مآسيها.
ألسنتكم، أيها السادة، في قاعات مجلس الأمن الدولي، وفي الأمم المتحدة، وفي اللقاءات والاجتماعات والخَلَوات، وفي سائل الإعلام.. تقطر من دمنا، حين تتكلمون في نهاية المطاف عن نصرنا أو الانتصار لنا، فبينما تتكلمون تغلي قلوبكم بما فيها، من نقيض القول المبذول، فلا تتفقون، أو تتواطؤون على الأضعف، فالنوايا ليست حسنة، والثقة بينكم مفقودة، والطمع خلفية لكل فكر وقول وعمل.. فتتسبون في ممارسة الظلم، وفي نشره ظلمات، وفي إراقة مزيد من الدم.. وأنتم في أبهى تجلياتكم، لا توقفون إراقته؟! كلُّكم مدانٌ، إذا لم تنقذوا الحياة والإنسان من القتل والبؤس والخوف.. كلُّكم قاتلٌ إذا لم توقفوا القتل وتردعوا القاتل، كلّكم عبءٌ على الحق والعدل والحياة والناس، إذا لم تفيدوا الحياة والناس، وتنقذوا حياة البشر من شرور هي من صنع أيديكم في نهاية المَطاف، وإذا لم تنقذوا البيئةَ مما وممن يدمرها، والبيئة بالمفهوم الشامل لها، هي التي تحفظ للبشر الحياة والعدل والأمن.. والعدل الأمن، كما تعرفون، حياة.
أيها الماهرون في الكذب، وفي تجنُّب تحكيم الأخلاق في السياسة، والمنغمسون في الإتعاس والتعاسة.. والقائلون بأنه لا مكان للأخلاق في السياسة.. أيها المخادعون المحترفون، دمنا يسيل، وأنتم تتلوَّنون حَرَابِيَّ، في كل وقت من ليل ونهار، وفي كل زمان ومكان.. أنتم من يريق دَمَنا اليوم، أو يساهم بإراقته، إذ من يصمت عن القتل والقَتَلة، أو يواليهم، أو يداريهم، أو يخشاهم، فيطأطئ راسه لهم، للوحشية المنطلقة من كل عقل وعقال.. هو شريك بدرجة أو درجات، شاء ذلك أم أبى. واجهوا أنفسكم في مراياكم، وتبيَّنوا ألوانَ وجوهكم، وسماتِكم، ومزاياكم، وخفاياكم.. انظروا جيدًا، انظروا جيدًا: “الموقف مرآة، واللسان لَمْعُ المرايا، وبرقُها، ووهجُها”.. انظروا أنفسكم بأنفسكم، ولتكن عندكم الشجاعة لتواجهوا ذواتكم. وإذا ما كان يحكم تلك الذوات ضمائر حية، قادرة على العدل والحسم بحزم، فإنَّنا قد نطئن إلى توجه نحو خلاص، خلاص من القتل، وخلاصٍ من المحنة التي نحن فيها.. فأنتم ونحن شركاء في البلوى والابتلاء..؟! لكن.. لكن.. لكن.. كيف نطمئن إلى المرايا؟! نحن لا نعتقد أنكم يمكن أن تنجحوا في امتحان المرايا والضمائر ذاك، لأنكم ترفضون عاملًا مهمًا في العدل والحكم والنجاح، هو “وجودٌ حاكمٌ للأخلاق في السياسة”. إن مِكْيَفِلِّيًّا صغيرًا يقبع في زاوية ما من ذات كل منكم، وينتظر الفرصة لينقضّ، بأسلحته كافة، باسم المصلحة التي هي لمَن يُمَثِّل مصلحة، مفتاح يبيح كلَّ مُتَاح.. لينقضَّ على الخير والرحمة والبراءة والحياة، لكي ينجح ويربح.. فعنده أنه على حق، وأنه يمثِّل كل تلك الصفات والخيارات التي تجيز له كل ما يوصله إلى مُبتَغاه، وأن ما يجوز له لا يجوز لسواه، أي أن يحتكر المكر والخداع والشر والقوة؟! إنكم، أو بالأحرى بعضُكم، قد يحاول أن يدخل امتحان المرايا، ويفعل، فإذا نجح في رؤية ما لا يطيب له في ذاته، فرَّ أو نفر منه أو منها، وبهذا يكون قد حَلّقَ خارج السرب، “فيحلقون له”، والكثرة الكاثرة تخشى موس الحلاق السياسي، لا سيما إذا كان الحلاق نزقًا، أو مجنونًا بالعظمة والقوة!! وإذا ما قاربتم مراياكم، وكنتم ممن شارك ويشارك في القتل والجرم، ولم تروا في ذواتكم ما ينفِّرُكم منها، أو من بعض ما تريه لكم مرآتكم فيها، فإنكم تكونون ممن خَدَّر ضميره أو فقده. وفي هذه الحالة لن يفلح في رؤية ما قد تعكسه المرآة، ليهرب منها، من ذاته، كي لا يواجه ذاته، وحتى لا ينكشف حتى أمام ذاته. وفي هذه الحالة يروغ إلى ما كان عليه، وقد يحطِّم المرآة، ومن ثم لا ينجح في امتحان المرايا ذاك.. ذلك لأن المخادع، والكاذب، والمجرم، يقتل، ويتلطخ ضميره بالدم، فيُعتِم، ويختفي حتى لا يُرى بزيِّه القرمزي.. وبذا يكون الشخص من ذلك النوع، في الامتحان الذي من هذا النوع، كفاقد الشيء الذي لا يمكن أن يعطيه، ولا يستطيع ذلك حتى لو أراد، لأن فاقدَ الشيء لا يعطيه.
نحن نُقتَلُ أيها السادة، وأحابيلكم كثيرة وكبيرة.. إنها فوق العدِّ والوصف. ومن تخدعونهم، أو تقودونهم إلى الموت، والجريمة.. سيَقْتُلُون وربما يُقتَلون، إنهم بحكم ضحاياكم، أو ضحايا غروركم، على نحو ما.. وأسوأ ما فيكم الاعتقاد بأنكم دائمًا على حق، ودائمًا تتملصون من الحق.. حين تقتلون، وحين تكذبون، وحين تنشرون الجريمة، وحين تُزيِّنون الجُرْمَ والحروب للناس؟!
كل حرب خاسرة، أيها الناس.. خاسرة بمقياس الإنسان، والقيم، والمعايير الأخلاقية والروحية والإنسانية. المهزوم في الحرب خاسر، والمنتصر فيها خاسر.. وأنتم أيها الأقوياء الخبثاء، تخوضون حربًا علينا، وبنا، وفي بلداننا، وبمشاركة من بعضنا.. تخوضون حربًا بأدوات معظمها نحن، وتعرفون جيدًا أن من يدفع ثمنها، ويقتَل فيها، ويخسر، هو نحن، بالدرجة الأولى نحن. والتاريخ الذي تتلهَّون به، ويغريكم بما يغريكم به، يجعلكم حيالنا، ويجعلنا حيالكم، مثل ولد أُهديَ لعبةً مدهشة أُعجِب بها، لكنها مُلَغَّمة، مُقَنْبَلَة.. إنه يلهو بها، ويحاول أن يكتشف الإدهاش فيها، وما فيها من عجيب.. وحين يفعل تنفجر بوجهه، فيتشظَّى هو والمكان، والإدهاش، واللعب، وربما الزمان. ويتسربل البيت بالدم.. وتسيل أحزان الأسرة سواقي من دمع.. ويزداد المشهد عبثية حين يصاب كل من يحاول أن يواسي، ويساعد، ويكتشف ما جري، يصاب بما نشرته اللعبة العجيبة المدهشة، من سموم الموت، المعبأ أو المخبأ، في جزيئات مهيأة للانفجار، فيصبح المشهد المستمر الحركة مأساويًّا ـ سيرياليًّا.. يصغُر أمامه كلُّ عبث، وتتقزَّم حياله ملايين اللوحات التي على شاكلة “جرونيكا” بيكاسو.. تتقزَّم أمام هوله، وبشاعته، ووحشيته، وعبثيته، وأسطوريته؟! وكل من يدخل المشهد، ومن يراه ويتأثر به، لا يزداد إلا شعورًا بالعبث، إلى أن يصبح هو نفسه العبث.
ارفعوا هاماتكم أيها “المناضلون، العادلون، الشجعان، الحكماء، الأوصياء على الشعوب، وسَدَنَة الأمن والسلم الدوليين، وسَدَنة الهناء والسعادة والحياة، في أرض البشر”.. ارفعوا هاماتكم، فأنتم ما شئتم، وما تشاؤون من إفلاس، وعدوان، وخسران”.. فإنكم: من خلال التاريخ الذي تقرأوون وتكتبون، والأفعال التي بها تزهُون، وتزدهون، والقدرات والطاقات التي تملكون.. لم توقفوا القتل، ولم تحقنوا الدم، وجددتم الحروب ووسعتموها، وعمقتم شقاء البشر وزدتموهم رعبًا وتشريدًا، ورسختم منطق حل الأزمات والمشكلات والخلافات، الأهلية، والدولية، بالحرب، باردة وساخنة، مع رغاءٍ مرتفع جدًّا يتجاوز الجوزاء: بأنه لا حلول لتلك الأزمات ـ الصراعات.. إلخ، إلا بالسياسة ولا حسم لها بالعسكريتاريا.. فازدادت الشعوب على أيديكم: قهرًا، وفقرًا، وبؤسًا، وجهلًا. وأصبح أي منطق غير ذلك، نوع من غباء أو خداع. ومن منكم ينأى بنفسه عن هذا المناخ العام، وينكر تلك النتائج، أو يستنكر ذلك الفعل والسلوك، استنادًا إلى ما أسفر ويسفر عنه الواقع المتدفق وقائع.. يُتَّهم، ويُذَمّ، ويُضرَّس بأنيابٍ ويوطأَ بمنسم..؟! ألا يا ليتكم تنصفون أنفسكم، فترون أنها تستحق شرفًا أعلى يليق بالمعرفة والتجربة، ودورًا أفضل، من دور قاتلٍ منتصرٍ، أو قاتلٍ مهزومٍ. فلا يوجد في أية حرب منتصرٌ ومهزومٌ، بالمعنى الإنساني ـ الأخلاقي ـ الروحاني، العقلاني.. بل يوجد قاتل ومقتول.
لقد انتهى أمس، الجمعة ٢٢/٩/٢٠١٦، آخر اجتماع لا الجتماع الأخير، لمن يُسمَّونَ “مناصري سوريا، أو أنصارها”، وأعلن زعيم من أكبر زعماء الكبار، بينهم وفي العالم المبتلى بالقوة ومنطقها.. أعلن عن كآبته، لأنهم فشلوا في التوصل إلى “شيء” إيجابي، فيما يتعلق بالشأن السوري. والشأن السوري مزمِنٍ كما هو معروف.. وهكذا، بعد سنوات من المؤتمرات، والاجتماعات، والمداولات، والمناورات، والمبادرات، والمخابثات.. لم ينجح “أنصار سوريا”، إلا في قتل المزيد من شعبها وتشريده وتمزيقه وإشقائه، وفي تدمير المزيد من بنيانها، وإلقاء أثواب من العتمة على مستقبلها ومصيرها.. ونشر المزيد من الظلم، والظلام، والكآبة، في فضائها، وفي فضاءات نفوس أبنائها..؟! وهذا الذي وصلوا إليه، مع إفلاس الهدنة، وتجدد: القصف، القتل، الدمار، الشقاء.. بما ينذر بالمزيد من هذه الأصناف من الفعل السياسي ـ البشري الفريد: الموت، والخطر، والإرهاب، والرعب.
ومع هذه النتائج المُبْهِرَة، والنُّذُر المتكرِّرة، ربَّما توجَّبَ، أو كان لزامًا علينا، نحن السوريين الضحايا أو الأضاحي.. أن نبارك لأنصار سوريا ومناصريها، ولمجلس الأمن الدولي العتيد، وللأمم المتحدة، بهيئاتها كافة، وللمعنيين مباشرة بالحرب القذرة التي تدور في بلادنا، الحرب بالإنابة والحرب بالأصالة”.. أن نبارك للجميع، هذه “الإنجازات؟!”، “المبشِّرة؟!” بما هو أعظم منها.
فليبتهل الشعب في سوريا، ومن يخوض مخاض الدم والبؤس والمعاناة، معه، ومثله.. فليبتهل إلى الله، سائلًا إياه رحمة تكشف الغُمَّة، وأن يزيد أولئك الفاشلين فشلًا، لأن أي توفيق أو توافق يكون بينهم، أو يصلون إلى ضفافه، لن يغير من واقع أمرهم، ولا من هَول أمرنا المرِّ، على يديهم، شيئًا.. بل ربما يزيدهم إجرامًا، ويزيدنا بؤسًا ورعبًا وشقاءً.. على الرّغم من أننا نصرخ بهم ليل نهار، قائلين: كفى أيها السادة، إنكم مكشوفون لنا تمامًا.
والله ولي الأمور.

إلى الأعلى