الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “حركة” التشكيك بتولد أوباما

“حركة” التشكيك بتولد أوباما

تأسيسًا على مداعبة هذا النوع من العواطف الأميركية العنصرية والانعزالية فئات واسعة، تمكن ترامب من كسب ملايين المؤيدين، مزيحًا مرشحين جمهوريين كبارا من أمثال “جيب بوش” و”تيد كروز” و”جون كيسيك”، من بين آخرين، الأمر الذي قاد إلى امتطاء تضخم “حركة” تولد أوباما كقضية تدل على إمكانية “استغفال” الجمهور الأميركي وتجاوز شروط الرئاسة الدستورية والتقليدية…

أ.د. محمد الدعمي

يبدو لمتابع مؤشرات الانتخابات الرئاسية الأميركية الموشكة على الإجراء بعد بضعة أشهر، أن أكثر المواضيع والمحكات إثارة للتندر، وللسخرية أحيانًا هو ما أطلق عليه “حركة تولد أوباما” Obama Birther في وسائل الإعلام الأميركي. وللمرء أن يفترض، بالكثير من القناعة، بأن هذه الحركة تكمن وراء تسارع جري ولهاث السيد دونالد ترامب للتشبث بالرئاسة: فقبل انطلاق “الحركة” أعلاه، لم يكن هذا الملياردير الأشقر البدين أكثر من رجل أعمال ناجح، همه الأول حصد الأرباح وبناء الأبراج العالية والفنادق الراقية، زيادة على الاهتمام بفضاءات لعبة “الجولف” وبمسابقات ملكات الجمال في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه سرعان ما تحول، فجأة، إلى “أيقونة” سياسية. ربما بعد أن تساءل في دخيلته: “بما أني قد حققت كل أحلامي وحصلت على كل ما يتمناه المرء في دولة كأميركا، لماذا لا أشبع رغباتي اللامحدودة بتسنم رئاسة أقوى وأغنى دولة في العالم؟” لا بد أن يكون هذا النوع من التأمل قد كمن وراء ترشيح عملاق المال هذا نفسه للرئاسة هناك.
بيد أن هذا الترشيح الغريب واللاتقليدي الذي تمكن من إزاحة جميع المرشحين الجمهوريين الـ”مسلكيين” لحساب بقائه وتفوقه هو فقط، مرشحًا عن الحزب الجمهوري، إنما قد اعتمد عددًا من “اللوازم” الشعاراتية المثيرة لعواطف الجمهور الأميركي في سبيل تسلق سلم البيت الأبيض، من الأفكار المتكررة يأتي امتطاؤه ادعاء أن الرئيس الأميركي الحالي، باراك أوباما، لم يولد على أرض أميركية، ومعنى ذلك هو أنه قد تسنم الرئاسة عبر مخالفة خطيرة للدستور الأميركي الذي ينص على وجوب أن يكون الرئيس من مواليد إحدى الولايات الأميركية. وقد بقي ترامب متشبثًا بهذا الادعاء، كاسبًا به تأييد العنصريين منذ البداية، إذ تأبط إياه لكسب الرأي العام الأبيض، العنصري خاصة، ثم زاد عليه لازمات أخرى من نمط بناء سور لمنع دخول المكسيكيين أميركا، زيادة على دعوته منع المسلمين من دخول هذه الدولة الكبرى.
وتأسيسًا على مداعبة هذا النوع من العواطف الأميركية العنصرية والانعزالية فئات واسعة، تمكن ترامب من كسب ملايين المؤيدين، مزيحًا مرشحين جمهوريين كبارا من أمثال “جيب بوش” و”تيد كروز” و”جون كيسيك”، من بين آخرين، الأمر الذي قاد إلى امتطاء تضخم “حركة” تولد أوباما كقضية تدل على إمكانية “استغفال” الجمهور الأميركي وتجاوز شروط الرئاسة الدستورية والتقليدية، الأمر الذي قاد إلى كسب عشرات الشخصيات ذات الميولات الانعزالية إلى صف السيد ترامب! ومن هؤلاء نجد شخصية “ألشريف آربايو” Sheriff Arpaio، أقسى وأشهر “شريف” في الولايات المتحدة.
بيد أن الغريب هو ما حدث فجأة يوم الـ16 من سبتمبر الجاري عندما فاجأ ترامب جمهور مستمعيه والصحافة بالإقرار بأن شهادة ولادة أوباما غير مزيفة، وأنه فعلًا من مواليد مدينة “هونولولو” عاصمة جزر هاواي، أي أنه ولد على التراب الأميركي. وهكذا خذل ترامب العشرات ممن انضموا تحت جناحيه في الترويج لإشاعة أن أوباما ليس من مواليد أميركا. ولم يبق من مؤيدي هذه النظرية سوى “أربايو” المذكور أعلاه.
يراهن بعض المتابعين بأن إعلان ترامب أعلاه وتراجعه عن نظريته إنما جاءا في الوقت المناسب لكسب الناخبين السود، باعتبار أن تشكيكه بتولد أوباما هو تشكيك بصحة اعتلاء أول رجل أسود منصب الرئاسة في تاريخ الولايات المتحدة. وبكلمات أخرى، لا يمكن للمرء أن يفلت من ملاحظة حقيقة مفادها أن انقلابات مواقف وإعلانات ترامب إنما قد تواشجت على نحو محكم “بوصولية انتهازية” من الطراز الأول.

إلى الأعلى