الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / منحوها علاوة لـ “فرانك سارجِسون”

منحوها علاوة لـ “فرانك سارجِسون”

عندما وقع الانفجار لم أتمكن من الذهاب لرؤية مكان وقوعه. فعندما كنت أُعمل في المرفأ، سقطت حقيبة على قدمي، جعلتني أمشي على عكازين لأسبوعين.

كنت حينها جالساً مع السيدة بومان عند الواجهة البحرية. وهي إمرأة طيبة مع أنها تولي مصالحها الشخصية اهتماما كبيراً. لكنني لا ألومها بما أن زوجها قد فارقها، ولكي توفّق بين دخلها ومصروفها، اضطلعت بأعمال التنظيف عدة أيام في الأسبوع.

الانفجارات كالحرائق، لا يمكنك تمييز مسافة وقوعها. ولكن كان ثمة انفجار. كنا أنا والسيدة بومان في المطبخ وقد أحدثت الأطباق قعقعة، وانهال التراب وحجب عنا الضوء. كانت سالي بومان تعمل في مصنعٍ للذخيرة، ولم تنبس السيدة بومان بشيء، لكن باستطاعتكم معرفة كيف أنها تَكَهّنت بأن الانفجار قد وقع في ذلك المكان. بالطبع كان الناس يتحدثون في الطرقات وانتشر الخبر سريعاً.

كان الانفجار قد وقع في مصنع الذخيرة. وقد ذكر الناس بأن بعض الأيادي قد تناثرت إلى أشلاء.

عندها اُصيبت السيدة بومان بانهيار.

قالت: لقد فارقت الحياة، أعلم أنها قد فارقت الحياة.

على أيةِ حال، لم يكن باستطاعتنا فعل شيء. وقد ذهبتُ إلى المنزل المجاور مُعتمداً في المشي على عكازيّ وطلبت منهم فور معرفتهم شيئاً عن سالي أن ينبؤوني بالخبر اليقين. عندئذٍ سأنقل الخبر للسيدة بومان.

عندما عُدت وجدت السيدة بومان أسوأ من أي وقت مضى. كانت في ذلك الوقت تُعِدّ الغداء، وقد جلست هناك ورأسها مُنكس على الطاولة بين قشور البطاطا. أما شعرها فقد أصبح غير مرتب كما أنها بدت بشِعة. إلا أنها لم تكن تبكي، لكنكم تتمنون نوعًا ما لو أنها كانت تبكي فعلاً!

- قالت: لقد فارقَتِ الحياة، أعلم أنها قد فارقت الحياة.
- قُلتُ: إنها لاتزال على قيد الحياة.
- قالت: أعلم أنها قد فارقتِ الحياة.
- قُلتُ: هُرَاء، إنها لاتزال على قيد الحياة.
- قالت: يا إلهي، لِمَ سُقتها للعمل في ذلك المصنع؟
- قُلتُ: أَعِدُك أنها ستكون من الناجين. إن لم تنتبهي لكلامك ستبدئين في تصديق ماتقولين.

لاجدوى. واستمرت في تلك النوبة. وقد سألتها عما إذا كانت ترغب في رؤية أحدٍ من الجِوار لكنها ردت بالنفي.

- قالت: لا أريد أن أرى أحداً على الإطلاق. كانت سالي هي الوحيدة التي أحيا لأجلها. والآن فارقت الحياة. كانت فتاة طيبة. كانت مخلصة لأمها.
- قُلتُ: بالتأكيد أنها كانت وستبقى مخلصة لأمها.
- لا، لن تكون كذلك. لقد فارقت الحياة.
لم أستطع فعل شيء. وفي أسوأ الأحوال تولّد لدي شعور بالمرض بأن سالي قد نُسفت. لم تكن تتعدى السابعة عشر ربيعاً، كما أنها فتاة لطيفة. أما السيدة بومان فكانت في حُكم المطلقة. كانت قاسية نوعاً ما.

ثم بدأت السيدة بومان بالابتهال:

“إلهي الرب يسوع، أعد لي طفلتي. فأنت تعلم أنها كل ما أملك. رجائي يسوع المسيح أعد لي طفلتي. رجائي يسوع أعدها هذه المرة فقط. يسوع قرة عيني أعلم أنني أخطأت. ما كان ينبغي أن أُرسل طفلتي للعمل في ذلك المصنع. لقد سُقتها للعمل من أجل المال. أجبرتني الظروف أن أُرسلها للعمل، أنت تعلم أنني فعلت ذلك. لكن آه يسوع الودود لإنْ أعدت إليّ طفلتي هذه المرة، لن أرتكب خطأً آخر ماحييت. إنني أقول الحق، أعدك لن أُخطأ مُجدداً، ساعدني يا إلهي.”

وقد استمرت على هذه الحال. وكان وقع ذلك النوع من الإبتهالات مهولاً على مسمعي. لأنني كنت أنا الآخر كاثوليكياً، من عائلة دولان، وكانت السيدة بومان دوماً تقلل من شأن الكنائس. لن يخطر ببالك إطلاقاً أنها تمتلك أَثَارةً من دين. كانت قاسية. وشعرت بأنني فريدٌ للغاية، لا شيء مثلي على وجه الأرض.

وياللمفاجأة السارة فقد تم إحضار سالي إلى المنزلِ في واحدةٍ من تلك السيارات الفارهة. كان المُهرج عائداً إلى منزله من الجولف عندما تطوع لإيصالها. وكان عليه أن يساعد سالي على نزولها من المركبة وصعودها عتبات المنزل لأنها كانت في حالة يرثى لها من الإنهيار. كانت قبعتها ملتوية ولم تستطع التوقف عن البكاء. طبيعى أن يتجمع الجيران حولها لكنني طلبت منهم المغادرة والعودة لاحقاً.

على العموم، ضحكت السيدة بومان على نفسها باعتقادها أن ابنتها سالي قد تناثرت إلى أشلاء. وعندما دخلت سالي أصيبت بومان بالخرف ولم تفتأ عن ظنها في عودة ابنتها إلى الحياة من بين الأموات. لذا، صرختُ في وجهها قليلاً لسخافة فكرها وعرضت أن أُعدّ لهن كوبين من الشاي احتفاءً بنجاتها. لم تُصب سالي بأي أذى، إلا أن بعضاً من الفتيات قد لقين حتفهن وبالفطرة فإن سالي كانت قلقة. على أية حال، ربتُّ على ظهرها بِكَفٍّ مَبْسُوطةٍ لاُثْبِتَ لأمها أنها ليست شبحاً تَسَلَّلَ إليها، عندئذٍ شَرَعَت بومان في البكاء ويمكنكم إدراك أنها شعرت بأريحية. ولهذا السبب جلسن هناك وأجهشن بالبكاء حتى أصبح الشاي جاهزاً.

- فقالت السيدة بومان: لا يمكنني أن أثق بعينيّ، لقد ظننت أنكِ قد فارقت الحياة.
- فقالت سالي: إنني على مايرام، لم أُفارق الحياة.
- كنت أظن أنك هالكة.
- وأنا أيضا كنت أظن ذلك. كانت معنا بيج واتسون لكنها قضت نحبها.
- فقالت السيدة بومان: يا للهول.
- كما أن مارج أندروز قد فارقت الحياة أيضاً.
- مسكينة السيدة أندروز.
- أمي كان الانفجار مُخيفاً. كان كجلبة شيء يتمزق. شيء كبير. رياح تمزق تجاهك أيضا. بعدها انبعثت رائحة غريبة.
- على أية فأنت على قيد الحياة. لقد نجوتِ.
- تلك الرياح طرحتني أرضا. آنذاك ظننت أنني قد فارقت الحياة.
- لقد نجوتِ.
- نعم، أعلم ذلك. ولكن ماذا عن بيج واتسون ومارج أندروز؟
- قالت السيدة بومان: مسكينة السيدة أندروز.
حينئذٍ وبختني السيدة بومان لوضعي مقدارا كبيرا من السُكّر في كُوبها.
- فقالت سالي: لم أكن أتوقع أنني سأحتسي شايا إطلاقا بعد أن طُرحت أرضاً.
- قلت لها هل تريدين كوبا آخر؟
- فقالت السيدة بومان: السيد دوران، ما مقدار السُكّر الذي وضعته في ابريق الشاي؟
- قُلتُ: أعددته ثقيلا، ظننت أنك تفضلينه هكذا.
- قالت السيدة بومان: قد يظن الناس أننا من أصحاب الملايين، فقد قررت سالي عدم العودة إطلاقاً للعمل في مصنع الذخيرة.
وتسائلت السيدة بومان: لمَ لاتعود؟ يُمكنك أن ترى أنها في أحسن حال وتتكلم بحدة.
- لن أعود مُجددا إلى هناك. فأنتِ لم تطرحكِ الريح أرضاً.
- لدي الكثير من الأعباء التي أتحملها في هذه الحياة. نعم لدي الكثير.
- أعلم ذلك أُمي أنك تتحملين الكثير ولكن تلك الريح لم تطرحكِ أرضا إطلاقاً.
- لا يُمكنكِ تجنب الحوادث.
- أعلم ذلك ولكن ماذا عن بيج ومارج؟
- يا للهول؟ مسكينة السيدة أندروز. لقد جمعت مارج مالاً أكثر منك، أليس كذلك؟
- على كل حال لن أعود مجددا للعمل في ذلك المصنع.
- قالت السيدة بومان: أوه، حقاً، عزيزتي الشابة. أهذا هو الاسلوب الذي سوف تتبعينه في الحديث. لن تعودي! هل لك أن تخبريني من أين سنحصل على المال إن لم تعودي؟ قريبا سترين أمك تُنظّف الأرضيات، أهذا ماتريدين؟
- فقالت سالي: أَنْصِتي إليّ أُمي، أَنْصِتي…
تركتهن وهن على تلك الحال. وخرجت إلى البيت المجاور لأتحدث إلى الناس، ومن هناك كان يمكننا سماع الشجار الذي يدور بين سالي وأمها.

بالطبع لم تتوقف سالي طويلاً عن العمل في المصنع بعد أن منحوها علاوة.

ترجمة: سليمان الخياري
مُترجم بوزارة العدل

إلى الأعلى