الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفخار النسائي في منطقة المغرب العربي ومدى شرعية الطرح الجمالي (3 – 3)

الفخار النسائي في منطقة المغرب العربي ومدى شرعية الطرح الجمالي (3 – 3)

الفخار النسائي الأمازيغي في منطقة المغرب العربي كما سبق وذكرنا في البحثين السابقين في كل من تونس والجزائر سليل نفس التقنيات والمصادر والخامات الطبيعية التي تجود بها المناطق الجبلية، ولكنه يختلف من حيث أشكال صنعه وزخارفه من منطقة إلى أخرى حيث يتطبع بطبائع الذات المنتجة وتصوراتها وميولاتها. ومثلما رصدنا تلك الاختلافات في كل من الجزائر وتونس فإن الفخار الريفي حرفة ما زالت تجد صداها أيضا بالمغرب لدى أهل الريف في جبال الأطلس في شاشاون وغزاوة وأوزان ومغراوة ومكناس وزهرون وتسول وريف ….. حيث أنتجت الأشكال المعهودة أخرى نوعا مركبة مستوحاة من أشكال نباتية وحيوانية تتكرر حسب قاعدة التركيبة، جرار وأطباق قدور ومنحوتات صغيرة تعكس قدرة متقدمة على اللعب بأشكالها وبناياتها وتماثيلها النحتية للنماذج الإنسانية والحيوانية.
لها أبعاد تعبيرية في إتصال بالحكايات المسرودات الشعبية والمعتقدات الخرافية، فخاريات المغرب كيانات تنبض بالحياة تنتابك دهشة وحيرة أمام هذا الكون الأنثوي الخاص والمنفتح.
أشكال تميزت بزخارف بسيطة وأخرى تميزت بوفرتها وشغلها لكامل المساحة حيث تتميز فخاريات زهرون وريف بنوع معين من الزخرف يميز هذه المناطق دون سواها.
صحيح أن صناعة الفخار في المغرب العربي متشابهة إلى حد كبير تعرف بوحدة التقنيات والمادة الأولية، ولكن الاختلاف من طبعها حيث يتميز طين هده المنطقة بلونه الأبيض والأصفر والذي يمثل محملا لها، لعادات نسائها وقدرتهن على الفعل. كما يميّز لون مغرتها حيث يسمي أهل التسول طينهم بصفيرة تسمية متأتية من لونه الأصفر المميّز، يستعملن أيضا المغرة البيضاء مع إضافة بعض قطرات الزيت لمزيد من اللمعان،في حين لا يستعمل نسوة ريف وزهرون المغرة بل يرسمن زخارفهن بعد صقلهن بمواد طبيعية تتميز باللون الأسود يسمى أسيون، أما مغرة منطقة غزاوة هي نوعا ما رمادية اللون و فيما يسمى بمنطقة جبالة فيقع استخدام اللون الأحمر هو لون الطين في هذه المناطق.
تميّزت فخارياتهن عموما بتنوع كبير ومميز في الأشكال وخصوصا الزخارف المستلهمة من البيئة المحيطة، حيث يهيمن الشكل الهندسي على الطابع الزخرفي كالشكل النصف الدائري والخطوط المائلة والمعين والمثلث وخاصة الدّامة المستوحاة من السلحفاة، وذلك التكرار المتميز للمربعات الصغيرة الحجم والعلامات المتقاطعة.
تتميز هذه الزخارف نوعا ما بالتعقيد وبشغل كامل فضاء القطعة، مزيج هائل من درجات وتنويعات منسجمة متآلفة.
هناك فخاريات موجهة أساسا لجلب الماء وحفظه تتطلب بالضرورة أغطية وهذه من السمات المميزة لها، إضافة إلى جرار الزيت والمزهريات والأطباق الكبرى المخصصة لإحضار الخبز وقدور أطباق بسيقان مختلفة الأحجام.
يتجه الفخارالنسائي الامازيغي بالمغرب أكثر من غيره إلى البعد المعماري وهذا يظهر من خلال الأحجام الكبيرة للجرار والأطباق والمصابيح، هو عبارة عن فن يهتم بطراز الأفراد وأنماطهم الخاصة في التعبير، فخاريات هي عبارة عن أشكال بنائية فيها من الخطوط المستقيمة وخاصة المنحنية ما يميزها. فمثلا من خلال هذه القطعة ندرك قدرة المرأة على التحكم في المادة وفرض سلطانها عليها، حيث تدرك جيدا الثقل والخفة والتشابه والتنوع والاستقرار والاتزان.
حيث تحتوي هذه القطعة (عدد1) قاعدتين متوازيتين لترفع بهن حمل بقية القطعة وهذه التقنية لا تعتمد إلا إذا تطلب الأمر ذلك ،صفات لا عد ولا حصر لها.
فتحات هي في الحقيقة نوافذ قباب وأعمدة رجع صدى للمعمار يعكس ربما رغبة دفينة في الاستقرار والحصول على الأمان. فلطالما كانت هذه القبائل البربرية رحالة من مكان لأخر تسكن الجبال والأرياف، فجاء نشاطهم ربما عاكسا لتطلعاتهم، فتقولبن فخاريتهن وتسكنّها القوة وثقل المعمار وتشحنّها بزخرف يتلاءم وهذا النمط الصارم في القولبة حيث يعبرن عما يرغبن فيه بالدرجة الأولى.
زخارف جاءت مختصرة واقعهن، حيث تختصر النسوة محيطهن في مجموعة من الرموز والأشكال البسيطة التي يسيطرن عليها ويخلقن بها وحدات زخرفية فيها من السذاجة والفطرية ما يجعلها قطعا نادرة تطلق العنان لمشاعر ومواقف تلقائية، تخرج في شكل رموز تتصف بطابع جمالي لأنها نتيجة طبيعية لدواخل كائن حي، لحالته لانفعالاته واهتماماته ومخاوفه “…معين ،خطوط منكسرة ،ضامة ،أشرطة ،علامة ،تقاطع مستقيم أو مائل ،مشط ، نجوم هذه هي الرموز الأكثر تداولا …إضافة إلى الخط على شكل تعرجات متواصلة تحيط بالمنسوجة …..”
بعض التكوينات الزخرفية التي تكررت في اغلب القطع بشيء من التحريف من قطعة لأخرى تتكرر مع إضافة أو حذف بعض العناصر مع عدم الخروج كثيرا عن النهج الأصلي للرمز المستخدم ونسوة المغرب هن الأكثر تميزا في إيجاد علاقات جمالية.
والصور المصاحبة تبرز أهم الأشكال الزخرفية التي تميز فخاريات المغرب عن غيرها وتتكرر في أغلب القطع خاصة بزهرون وريف.

يخلق النسوة من خلالها تكوينات بسيطة ومعقدة، مقصودة أحيانا وتلقائية أحيانا أخرى، معينات ودوائر زخارف هندسية وأخرى غنائية، وهذا التضاد هو الذي يخلق التكامل، فكانت فخاريات منطقة المغرب تنّم عن قدرة فائقة على تحد المادة والصراع معها.
فأن تجتمع قلتان أو أكثر في نفس القطعة يجعلنا نتساءل هل هذا اختيار من باب التنويع أم هو تحد للمادة بهدف إبراز مهاراتها وقدراتها على التحكم بها وتطويعها، وهذا يظهر جليا في تلك المصابيح الزيتية التي تذكرنا نوعا بهيئة القصور والمعمار المغربي كأنها قباب لجوامع، نوافذ متتالية أقواس وفتحات موشحة بزخارف مهاجرة من حرفة لأخرى تستقر هذه المرة على أسطح هذه الفخاريات لتعكس صرامة هذا البناء، وتأثث كامل مساحته.
تشتغل إذا الصانعة بأرياف المغرب العربي فخارها ذا الاصول الأمازيغية بأسلوبهن الخاص وتشحنه بالرموز الموروثة لتبث فيه من روحها ولتوظفه بطريقة تتماشى ونظرتها للقطعة المقولبة، فتثبت من خلالها ذاتها وتصبح عالمها الخاص الذي تتيه فيه بشغف ومتعة في الفعل”أليس من الطبيعي أن تبحث الصانعة عن معنى عميق لعملها وذلك بتعبير لا شعوري عن عدم التقيد بالتنفيذ الآلي لرسم مبهم”.
تسافر بتلك الرموز لتطوعها لمشيئتها وتبدع منها أشكالا مميزة من فخارية لأخرى تبرز من خلالها تفردها عن ما سبقها، ورغم انطلاقها من نفس القالب إلا أنها تتناسل وتتنوع من فترة لفترة، فخاريات فيها من الابتكار والإبداع الذاتي الشيء الكثير يعكس بصمة الأنثى الفاعلة تسكنها في كل مرة لمسة ونفس جديد.
إبداع يثبت اختلافات واضحة من منطقة لأخرى في نفس القطر ومن قرية لأخرى في نفس المنطقة وأحيانا من امرآة لأخرى في نفس القرية…
أي أن للصانعة دائما ذلك الجانب الذاتي والإبداعي الذي يسكنها وهو بمثابة تصعيد لأهوائها الداخلية، نزعات جسدية طبيعية تجعلها تنسجم مع نسق الحياة ومع محيطها الذي تعكسه.
فتختلف بالتالي فخاريات هذه المناطق الثلاث لتبرز لنا تأثيرات المكان واضحة، رغم وحدة التقنية والخامات، حيث تظهر في الظاهر ارتباطا ولكن في باطنها اختلافات نوعية، إلا أن أسلوب المعالجة يختلف من امرأة لأخرى ومن مكان لأخر، ومن هنا يمكن لنا الحديث عن طين مكان.

هوامش :

Yvonne،Samama، Le tissage dans l atlas marocain – miroir de la terre et de la vie، ibis presse et éditions – unesco، p 5
- …..” losanges , lignes brises, damiers, chevrons, croix, croisillons droit ou obliques , peignes ,étoiles, sont les motifs les plus fréquemment rencontres . ainsi,une ligne en forme de zigzag , ininterrompue cerne souvent le tapis .”…
- نور الدين الهاني ، المفردة في الفنون التشكيلية ،منشورات مركز الفن الحي لمدينة تونس ، البلفدير ،معرض 1988،ص53

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى