الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التنوع الشعري في إنتاج الشاعر سعيد بن عبدالله ولد وزير (2-2)

التنوع الشعري في إنتاج الشاعر سعيد بن عبدالله ولد وزير (2-2)

ثانيا : المواضيع الوطنية والدينية والاجتماعية

استكمالا للتنوع الذي أحاول بسطه وتسليط الضوء عليه في تجربة ابن وزير، وبعد استعراضي للتنوع في أهم الفنون الغنائية التي طرقها ابن وزير، فإن له تجربة كتابية أخرى تذهب بعيدا عن الارتباط بالكتابة حول الفنون الغنائية، بل ثمة تجربة كتابية أخرى تنزع نحو الشعر أكثر من نزوعها نحو الغناء، وتلك ميزة تحسب لابن وزير، فالكثير من شعراء الموروث أو لنقل الشعراء الشعبيين القدامى ربطوا أنفسهم وشعرهم بالفنون الغنائية فهم لا يكتبون خارجها لكن ابن وزير تجاوز هذه الدائرة الضيقة نحو كتابات شعرية خالصة فانتصر للشعر وكتب القصائد الطوال بعيدا عن المقطعات المرتبطة بالفنون المغناة. فنجده يطرق جوانب انسانية ووطنية واجتماعية ونجده متفاعلا مع أي موقف حياتي يثير فيه الرغبة في الكتابة، كما انه لا يمكننا تجاهل التنوع في الشكل الكتابي العمودي الذي يمارسه في قصيدته، فالقصيدة عنده لا تأخذ شكلا كتابيا واحدا، فنرى التنوع في البحور وشكل القوافي واضحا لديه فقد تأتي القصيدة مربوعة تارة ومهملة قافية الصدر تارة أخرى.
وبالعودة الى العنوان الرئيس في هذه الفقرة، فنقول ان ابن وزير طرق مواضيع مختلفة في تجربته الكتابية، فمن الهم الإنساني الإجتماعي إلى قصائد المناسبات الدينية الى النصائح وقصائد الوطنيات. كل هذا التنوع سأحاول إيجازه في هذا الباب مستحضرا أمثلة منه ومحاولا استكناه جمالياته الفنية والشعرية.
يقول المحقق سالم بن محمد الغيلاني في تقديمه لأحد القصائد الإجتماعية لابن وزير : ” إن الشعر الشعبي شعر أكثره ارتجالي يتأثر الشاعر بمن وبما حوله فيقول شعرا نابعا من مشاعره الداخلية وأحاسيسه بما يراه ” . وهذه المقدمة يمكن أن تسم أكثر القصائد الإجتماعية الارتجالية، والملفت في هذه القصائد أنها تؤرخ لحوادث تاريخية بعينها ومن هنا يظهر دور الشعر الريادي في التأريخ للأحداث وللأشخاص وللأماكن . وفي هذه القصائد ثمة منزع فني قصصي، فالكثير من قصائد ابن وزير التي ارخ فيها لرحلات بحرية ومفاجآت صادفتهم في الطريق تنزع نحو منزع حكائي قصصي وهذه ميزة تكاد تكون غائبة في الشعر الشعبي بعامة، فنجد السرد المتواصل للأحداث الذي ينقلنا من نص شعري الى نص قصصي تتوارد فيه الاحداث تواردا شعريا تبرز فيه قدرة الشاعر على الحكاية والسرد.
وهنا يورد ابن وزير قصة شعرية حدثت لهم في إحدى رحلاتهم إلى الهند حيث غامت السماء وأمطرت واضطرب البحر وصعد الماء الى السفينة وعمدوا الى التخلص من بعض امتعتهم برميها في البحر حيث بقوا على تلك الحال لـ 8 أيام بعد ما انكسرت دفة المحمل حتى وصلوا الى ميناء بمباي:
ياطير بمبي صفق بالجنح واكسف واوصل الى دار الجنيبي وحلته
خبر عن الواكد وحذرك تختلف لي صابنا كله بكثره وقلته
..
ساعة من الساعات و البحر اعتسف وتْغضّب ْوكبْرت علينا موجته
أما المطر حتى دقيقة ما وقف والجو يفزع من سواده وظلمته
وقت الظهر من العصر ما ينعرف اكثر نصليها صلاةٍ فايتة
يومٍ عرفنا اننا على التلف جينا وقصينا الدقل في ساعته
قلنا القيامة قامت و البحر اختسف واذَ البحر ربي علينا صلته
وقلنا المنية وصّلت والراجل وقف كلٍ تشاهد واحسن شهادته
في موقف كهذا تبرز العاطفة الحقيقية الصادقة ويبرز الموقف الإنساني أيضا فتأتي هذه القصائد محملة بقلق إنساني حيث يكون الإنسان شعرة تفصل بينه والموت.
والممعن في هذه القصائد الاجتماعية يرى التنوع الذي يحدث فيها فهي قصائد تتماس تماسا مباشرا وطبيعة حركة الإنسان على هذه الأرض، فهي توثق أمله وقلقه، فرحه وحزنه، فنسمعه يقول في حادثة أخرى وقعت وهم في طريقهم الى شرق افريقيا :
جينا في ممباسا وحن مستبشرين دار الأناسة والرياح الباردة
وعقب المهانة والتعب يا مطربين بوليس ممباسا مرجعنا بْعده
لو ما (علي محمد ) لكنا مرجعين لكن ضمن عنا وعلينا شهّده
ولا يقتصر ابن وزير في اجتماعياته على رحلاته البحرية فقط، فهو قد كتب عن ظواهر اجتماعية ايضا، ظواهر تمس المجتمع فهو قد تحدث عن ظاهرة غلاء المهور وقصائد في تحصيل العلم وقضايا الأسرة وغيرها.
أما الجوانب الدينية فلم يكن ابن وزير بعيدا عنها، كيف يكون بعيدا وهو الذي كان يعمل في الكويت إماما وخطيبا لأحد الجوامع هناك. حيث تبرز العاطفة الدينية بشكل جلي لا يمكن تجاهله ويظهر ذلك في عناوين قصائده ومواضيعها فهنالك قصيدة في ( مولد الرسول الأعظم ) وأخرى في ( مكارم الأخلاق وصفاة الرسول )، وله قصيدة أيضا في مناسبة (الإسراء و المعراج) وقصيدة في (هجرة الرسول) وفي (معركة بدر) وفي (فريضة الحج) ويوم (الوقوف بعرفة).
كل هذه العناوين من القصائد تبرز النزعة الدينية التي يتمتع بها ابن وزير والتي يترجمها شعرا عند اي حدث ديني، كيف لا وهو ابن بيئته ومجتمعه التي يتماس تماسا مباشرا مع شعائرها وأفراحها وأحزانها .
وليس ببعيد عن هذا قصائده في (النصائح) والتي أفرد المحقق لها بابا في ديوانه، فهي تتماس تماسا مباشرا مع الأخلاق والفضائل والأوامر والنواهي الدينية وجميعها تصب في الجانب الإجتماعي أي تماس الشاعر مع قضايا مجتمعه. وقصائد النصائح تستحضر أكثر ما تستحضر القرآن الكريم والسنة النبوية، فيتكئ عليها ابن وزير اتكاءً مباشرا فهي أرضيته التي ينطلق منها ولهذا تظهر الاقتباسات القرآنية والحديثية جلية في الكثير من نصوصه في هذا الباب.
أما البابان قبل الأخير في الديوان واللذان أجدهما متجاورين ومتشابهين أيضا، فهما (المناسبات) و (الوطنيات) وفيهما يبرز التنوع الكتابي في تجربة سعيد ود وزير ويضافان الى قيمة تجربته الكتابية كونه شاعرا يحمل وطنه داخله ويتماس مع جميع قضاياه شعرا سواءً داخل الوطن العماني أم في حدود الوطن العربي الكبير، فنقرأ قصائد تحمل عناوين من قبيل (قصيدة بمناسبة عيد الوطن) و (يوم عيد الجيش) و (عام الشبيبة) ومن ثم عناوين أخرى نحو دائرة أقليمية اكبر كقصائد في (مجلس التعاون) و ( أسبوع المرور) و (عيد الأسرة).
ثالثا : الشعر الغنائي
إن كتابة الشعر الغنائي في تجربة سعيد ود وزير هي تجربة فريدة في نوعها، فهي تجربة تحلق خارج جميع ما كتب ابن وزير من شعر، تجربة مختلفة سواء في تناولها أو في بحورها والأهم من ذلك في لغتها الشعرية. وأستطيع أن أعتبر تجربة ابن وزير في الشعر الغنائي هي مقدمة لكتابة القصيدة الشعبية العمانية الحديثة. فهي فعلا حديثة في تناولها ومبناها وأغراضها. وإذا استطعت أن اكون أكثر سبرا لها ولفرادتها فإنني أقول ان تجربة ابن وزير في السفر وبالذات اقامته في الكويت هي ما أفرزت هذه التجربة الفريدة والتي تختلف عن كل ما يكتب من شعر شعبي عماني.
إن أثر الأغنية يبدو واضحا في هذا النوع من الكتابة الشعرية وكان المحقق موفقا حين أفرد له بابا أسماه الشعر الغنائي، فلغة النصوص في هذا الباب تختلف عن بقية الأبواب الأخرى في الديوان، ففي وقت أن مجمل النصوص في الديوان مكتوبة باللهجة المحلية العمانية بمفرداتها وتفاصيلها ورائحتها، تتخذ القصائد الغنائية لغة شفافة بيضاء ترتفع قليلا عن اللهجة المحكية اليومية والتي تظهر جليا في بقية أبواب الديوان. فاللغة سهلة بسيطة والبحور قصيرة سريعة الإيقاع والمواضيع التي تعالجها مواضيع عاطفية تتحدث عن الشوق والغرام وأحوال المحب. فنقرأ في احد هذه النصوص :
تعب قلبي فراق الخل أنا مفتون في وده
من الأشواق انا معتل فؤادي بات في شده
وناره في الحشا تشعل هجرت النوم من بعده
سلامك عندنا يوصل وصولك طول المده
ولو يرسل عذر يقبل رسالة خط من عنده
فاللغة هنا غنائية رقيقة عاطفية سهلة، لا تكلف فيها ولا وحشي من الكلام ولا مفردات مغرقة في لهجتها وخصوصيتها. وهنا تبرز تجربة فريدة يختص بها ابن وزير رغم كونه شاعر فنون شعبية، فابن وزير منفتح على الاشكال الكتابية الجديدة والدليل تأثره بلغة الأغنية أو لغة القصائد المغناة التي لم يخفي تأثره بها فكانت تجربته في هذا الباب، فهو عاش تجربة الجيلين في كتابة القصيدة الشعبية فهو قد كتب قصيدة الفنون الشعبية التقليدية وكتب القصيدة الشعبية الحديثة، بلغتها الحديثة المتجددة وبحورها القصيرة الراقصة :
يا طير بلغ سلام سلم على الأسمر
بتشوف أسمر تمام اقعد معه واسمر
قوْله ذبحني الغرام والمبتلي يصبر
الناس باتوا نيام وقلب المحب يسهر

خاتمة
كان هذا تطوافا سريعا ومحاولة لسبر التنوع الجمالي والشعري في تجربة الشاعر الكبير سعيد بن عبدالله ولد وزير، وتجربة ابن وزير هي تجربة ثرية في تنوعها سواء اللغوي او الدلالي أو الجمالي وهناك الكثير من المحاور الفنية والأدبية التي يمكن تتبعها في تجربة هذا الشاعر الكبير، وما الورقة هذه الا جزء يسير من محاولة سبر الجوانب الجمالية في هذه التجربة، على أمل أن تظهر محاولات بحثية وكتابية أخرى تتتبع الجوانب الفنية الأخرى في هذه التجربة، فالكثير من التجارب الشعرية بحاجة الى (نبش) معرفي جاد، وليس مجرد تلق سطحي، فتجربة بهذا الغنى الشعري والجمالي بحاجة الى أكثر من بحث كتابي . وهذا أمر لا يقتصر على تجربة ابن وزير وحده فهناك الكثير من التجارب الشعرية العامية بحاجة الى هذا النوع من الإقتراب النقدي والفني الجاد سواء المطبوع منها أو الذي لا زال في ذاكرة الرواة. فالشعر الشعبي لا يقل جمالا عن الأصناف الأدبية الأخرى لو وجد ذلك التتبع والسبر النقدي والجمالي . فهناك تجارب أخرى لم تجد نصيبها من هذا الاهتمام كتجربة المطوع وسويري والغيلاني وحافظ المسكري وعامر بن سيف بني عرابة وغيرهم من التجارب الشعرية المطبوعة.
كما أدعو في هذه الخاتمة الى الاهتمام بالتجارب الشعرية التي لم تجد حظها من الطباعة والتوثيق فهنالك إرث شعري كبير في وطننا الممتد من مسندم إلى ظفار وهناك الكثير من الشعر الشفاهي والتجارب الشعرية التي بحاجة الى هذا التوثيق والتحقيق الكتابي، وتجاهل هذه التجارب الى جانب موت الحفظة والرواة يعرض هذا الإرث للاندثار وللخسارة الكبيرة.

طاهر بن خميس العميري

إلى الأعلى