الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أثر الثقافة في التخطيط العمراني (2 ـ 2)

أثر الثقافة في التخطيط العمراني (2 ـ 2)

ثالثاً- العمران في السلطنة في الحاضر

تعتبر عمليات التخطيط الحضري في الوقت الحاضر بمثابة جهود واعية ومشتركة والتي يمكن من خلالها تصور أو إعادة تصور شكل أي مدينة أو منطقة حضرية، أو أي منطقة أوسع ومن ثم ترجمة ذلك التصور إلى أولويات للاستثمار في المنطقة، واتخاذ تدابير حماية البيئة، وإيجاد مناطق سكنية جديدة أو مطورة، والاستثمارات في مرافق البنية التحتية الاستراتيجية، ومبادئ تنظيم استخدام الأراضي.
كما تبرز أحد الشواغل الرئيسية ضمن نظام هندسة العمران الحضري والمرتبطة بالمساحات، سواء كانت ثابتة أو متحركة، وحماية المناطق أو المواقع “الخاصة”، والترابط ما بين مختلف النشاطات والشبكات في المنطقة، ونقاط التقاطع والترابط العمرانية الهامة داخل المنطقة.
من جانب آخر، فقد باتت هندسة العمران تعتبر في الوقت الحاضر بمثابة نشاط استراتيجي بدلاً من اعتبارها نشاطا شموليا، حيث ينطبق ذلك بصورة انتقائية، والتركيز على هذا الأمر سوف يساهم في إحداث فرق في ثروات المنطقة على مر الزمن.
إضافة لذلك، تساهم عمليات هندسة العمران أيضاً في التركيز على الحركة التنموية من الماضي إلى المستقبل، مما يطرح إمكانية الاختيار ما بين الإجراءات المناسبة في الوقت الحاضر على صعيد نتائجها المحتملة وتأثيرها على تشكيل كل من الروابط الاجتماعية والعمرانية المستقبلية.
وقد شهدت الحركة العمرانية في السلطنة في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان ‏قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ طفرة واسعة، حيث تغير وجه الحياة في السهل ‏والجبل والوادي والساحل، وعلى الرغم من استخدام أحدث الأجهزة واتباع الأساليب ‏العصرية في البناء، فقد احتفظت العمارة العمانية بطابعها الأصيل ليختلط التراث العماني ‏القديم بالهندسة المعمارية الحديثة. وقد نتج عن امتزاج الحداثة بالأصالة العمارة العمانية ‏الحديثة بشكل منسق ومنسجم يميز المدن والتجمعات العمرانية العمانية ويضيف عليها ‏المزيد من الجمال، ويراعي في مسار الاتجاه العمراني أصول المعمار العربي الإسلامي ‏والتكيف مع ظروف وطبيعة البيئة.‏
ويعتمد الأسلوب العماني على التقليد الاسلامي من ناحية الشكل، ولكن لديه عناصر عمانية خاصة ترجع أصولها للقلاع والمساجد المحلية والمنازل التقليدية. الشرفات المفتوحة والنوافذ ذات المصراعين وأنظمة تسوية سطح المباني – كلها عناصر من فن عمارة القلاع.
وبالرغم من حلول عهد تكييف الهواء فإن أحد الأشكال الاسلامية التقليدية ما زالت مطبقة في المباني الحديثة وهي مفهوم الفناء الداخلي. يوفر هذا مكاناً بارداً يمكن إضفاء مسحة جمالية عليه بعمل نافورة أو بركة ماء.

المساجد
واكب تنامي الاهتمام بدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف ارجاء السلطنة وبنفس القدر نهج حميد بضرورة تنمية الجوانب الثقافية والروحية والفكرية لدى الانسان العماني تحقيقاً لمبدأ التنمية المتوازية في مقاصدها المادية وغاياتها الروحية على حد سواء. وتجلى هذا المفهوم المتكامل في حرص جلالة السلطان قابوس ومنذ بزوغ فجر النهضة على التوجيه بالتخطيط لتشييد مجموعة من الجوامع على نفقته الخاصة.
وفي هذا الاطار تم افتتاح جامع السلطان قابوس الأكبر في مايو 2001م، الذي بدأ العمل في إنشائه في عام 1992م بتوجيهات من جلالة السلطان قابوس ليكون اكبر جامع في السلطنة، لا يقتصر الهدف من اقامته على كونه مكاناً للصلاة والتعبد فحسب، وإنما يتعداه ليكون مركزاً ثقافياً للتفاعل مع روح الاسلام ديناً وعلماً وحضارة وصرحاً معمارياً ثميناً مع حقب التراث الاسلامي العريق. وكان افتتاحه تظاهرة إسلامية حيث حضر حفل الافتتاح الذي رعاه جلالة السلطان جمع كبير من علماء المسلمين من كافة الدول الاسلامية. ويحتل موقعه مساحة إجمالية قدرها 416 ألف متر مربع، وتبلغ السعة الاجمالية الى إمكانية احتواء 20 ألف مصل ومصلية. وتجمع منظومة عناصره المعمارية في الداخل أنماطاً من الفنون والحرف الاسلامية الأصيلة ولكن في بنية حديثة ومعاصرة.

المنشآت الحكومية
أثبتت العمارة العُمانية أصالتها وتفوقها من خلال فوزها عدة مرات بجائزة منظمة ‏المدن العربية لأفضل مشروع معماري على مستوى الوطن العربي.
ففي عام 1986م فاز مبنى وزارة الخارجية العمانية بجائزة الدورة الأولى لمنظمة المدن ‏العربية كأفضل مشروع معماري عربي من حيث إنه يحمل صفات الشخصية المعمارية العربية ‏الإسلامية مع توافر العناصر والملامح المعمارية المحلية المتمثلة في الخشب المزخرف وملاءمة ‏المبنى لظروف البيئة واعتماد التصميم على فكرة الفناء المفتوح الذي يعمل على إدخال ‏الضوء الطبيعي وتجدد الهواء بكميات كافية، وهو على غرار القصور التاريخية المشيدة في ‏مختلف الحقب الإسلامية.‏
وفي عام 1992م فاز مبنى سوق نزوى بجائزة أفضل مشروع معماري عربي باعتباره ‏أحد الصروح المعمارية التي تم تنفيذها على الطابع العربي الإسلامي التقليدي، حيث جاء ‏التصميم منسجماً ومتناسقاً مع المباني الأثرية المجاورة للسوق ـ وأهمها قلعة نزوى التاريخية التي ‏يرجع تاريخ بنائها إلى 1668م.
كما فاز مبنى بلدية مسقط بجائزة منظمة المدن العربية في عام 1995م، حيث فاز ‏مبنى بلدية مسقط بالجائزة كأفضل مشروع معماري عربي، ويجمع مبنى البلدية بين قصور ‏مسقط القديمة والخطوط المعمارية الحديثة، ويتلاءم مع البيئة والمناخ العماني، وجاءت ‏الزخارف والزجاج المعشق إضافة جديدة لفن المعمار العماني إلى جانب قباب المبنى وعقوده ‏وبهوه الداخلي.
وقد جاء فوز السلطنة بجوائز منظمة المدن العربية نتيجة تمسكها بتراثها المعماري ‏الأصيل ذي الملامح العربية الإسلامية العريقة. ‏

فهد بن محمود الرحبي

إلى الأعلى