الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الثقافة العربية والحراك الاجتماعي “2ـ3″

الثقافة العربية والحراك الاجتماعي “2ـ3″

ثانيا: الثقافة والتطرف الديني والحروب الطائفية
يعرف بعضهم التطرف بالمغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، ويعتبرونه أسلوباً خطِراً مدمِّراً للفرد أو الجماعة 26، وفي اللغة: الْمُبَالَغَةُ وَالإِفْرَاطُ، وَتَجَاوُزُ حَدِّ الاعْتِدَالِ27.
والقرآن الكريم لم يستخدم مصطلح التطرف، ولكنه استخدم مصطلح الغلو في الدّين، وحذّر منه، من ذلك قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}28، والغلو مجاوزة الحدّ، وهو مظهر من مظاهر التطرف الديني.
والتطرف له مظاهره، منه التطرف الفكري والديني والسياسي والاجتماعي والخلقي، ويأتي على نمطيات مختلفة منها القولي ومنها الفعلي السلوكي.
واليوم تعاني المجتمعات الشرقية وخاصة العربية من تطرف ديني ناتج من موروث سابق أدخل إلى الفكر كدين.
وتعود أهم مشاكله إلى غياب القيم القارئة لهذه الموروث والناقدة له، وفي الوقت نفسه يعود إلى قراءة القيم ذاتها قراءة استعلائية فردية أو مذهبية، مع أنّ الله تعالى نهى عن تزكية الذات واستعلائها: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}29.
لذا من أهم مظاهره التعصب للذات، وعدم الاعتراف بالآخر، أو إلغاء الآخر وتصفيته فكرياً، وقد يستغل الجانب الشعبي والمجتمعي كقاعدة في إلغاء الآخر، وقد يتعرض للتصفية الجسدية.
فيتصور أنه بهذا التطرف يرضي الله تعالى، ويدخله رضوانه، وأنّه بهذا ينطلق باسم الغيب وباسم الله وأنبيائه وقديسيه، فيضيع الوقت والمعرفة في جدل فلسفي وفي قضايا غيبية، وإشغال الأجيال بها، مقابل العلم والمعرفة التجريبية والمستقبل.
أما التطرف الفكري فيعتبر أوسع أنواع التطرف؛ لأنه لا يكون مقتصراً على الدين، فقد يكون باسم المعرفة أو العادات أو الحرية أو السلطة أو المال.
ومن أهم مظاهره إقصاء الآخر لأي خلاف فكري أو سياسي أو مجتمعي، واستغلال النفوذ المالي والسياسي لتحقيق ذلك، فيخلق حالة إقصاء يتولد عنها جماعات متطرفة، مما يغيب الحوار مع الآخر.
وأما التطرف المجتمعي فيرى علماء التربية أنّ السلوك ناتج من نواتج الفكر، وعليه تكون العلاقة بينهما طردية، والسّلوك كان فردياً أو مجتمعياً يعود في حقيقته إلى الفكر ذاته، والمجتمعات إذا كانت تعيش في خواء فكري تكون أكثر عرضة لأي فكر دخيل، ولكونها لا تملك الأداة لنقد هذا الفكر، أو تقنين التعامل معه، فقد يكون الفكر متطرفاً مما ينتج بيئات خصبة لنمو جماعات متطرفة جدا، وهذا ما يظهر في بعض البلدان والمناطق من العالم.
كما أنّ الفقر وعدم العدل الاقتصادي والمالي، وانتشار الأمية يشكل بيئات خصبة لغزو الفكر المتطرف.
والفكر المتطرف المجتمعي والسلوكي لا يقتصر عند جانب معين، فقد يتسع إلى قضايا كثيرة في الأسرة والمسجد والسوق، وقضايا المرأة والأطفال وكبار السن، والزواج والميراث، واختلاف اللون والمناصب بين الناس، وغيرها30.
والمجتمعات العربية أصبحت أرضا خصبة اليوم للتطرف بسبب الاستبداد السياسي، وقمع الحريات، وانتشار الفقر، وكثرة المعاهد والكليات الدينية المفرزة للتراث بغير نقد، مع تهميش العقل، واستغلال الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وعليه ظاهرة التطرف ترتبط دائما بالتعصب الأعمى والانغلاق الفكري وعدم قبول الرأي الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى سلسلة لا متناهية من العنف المضاد الذي يؤدي إلى صراعات مدمرة داخل المجتمع، وأنّ الغلو في التطرف يؤدي إلى عجز المجتمع في التفكير عن حلول مبدعة لمشكلاته، وعن تطوير ذاته، ليصبح مجتمعا مضطربا وغير مستقل31.
لهذا يمر الحراك المجتمعي اليوم بمرحلة حرجة حيث يتجه نحو التطرف بأشكاله، والذي يأكل الأخضر واليابس، مما يجعل من الدور الثقافي أن يتحرك ضرورة إلى حد الوجوب القطعي، لإيجاد جو بديل يخرج المجتمع من التطرف إلى الاعتدال، ومن إلغاء الآخر إلى الاعتراف به.
وعلى هذا فإن مواجهة التطرف يتطلب وضع استراتيجية طويلة المدى، ترتكز على نشر الثقافة الوسطية، والتطوير الحقيقي للتعليم، وتشجيع النقاش والحوار والبعد عن الغلو في فهم النصوص الدينية، وإعلاء قيمة الانتماء للوطن، والربط بين العطاء للمجتمع، والعطاء للفرد32.
والثقافة التنويرية تعمل على غسل العقل العربي من الخزعبلات التي سادت ثقافتنا ونمط تفكيرنا، وتعيد للعقل ريادته في الرقي بالإنسان والمجتمع، فأفضل ما يملك الإنسان هو العقل الذي ميّزه عن بقية مخلوقات الله، فكرم بني آدم بالعقل، وجعل له المكانة العليا على باقي المخلوقات، والثقافة التنويرية هي ثقافة عقلانية نحن في أمس الحاجة إليها أمام حالة التخلف وإشاعة التفكير الظلامي الذي بات يدمر الأمة33.
ومن خلال ما تقدم في نظري أنّ الخطاب الثقافي المعتدل لابد أن يكون له دوره في تغيير الحراك الاجتماعي ليتجه نحو الاعتدال وخدمة ذات الإنسان من خلال التالي:
أولا: توفير الخطاب الثقافي البديل عن الخطاب الديني والفكري المتطرف، لأنّ الإنسان لا يستجيب لكتب التطرف إلا إذا كان لذلك مهيئا نفسيا واجتماعيا، والحائز للصحة النفسية والاجتماعية لا يميل إلى الآراء المتطرفة، وإذا اعتنقها كأفكار في أحوال نادرة فإنّه لا يميل بها إلى العنف والإرهاب34، وهذا من خلال توفير البيئة المناسبة التي تملأ بالخطاب الثقافي المتجه إلى بناء الإنسان وتنويره، وكلما ابتعدت النخب المثقفة عن المجتمع؛ كلما كان العقل المجتمعي فارغا، ليحل بدله أيّ خطاب آخر، وقد يكون متطرفا!
ثانيا: وجود مراكز بحثية استراتيجية ثقافية تركز على أمرين: الأمر الأول: الجانب النقدي في التراث روائيا وتأريخيا وسياسيا وفلسفيا، ونقد الاجتماع البشري في الوطن العربي وتفكيره وعاداته وتقاليده، لأنّ ثقافة النقد هي الفريضة الغائبة عن واقعنا، ليحل محلها ثقافة التمجيد والتقديس، ثم التعصب والتطرف والتقاتل.
والأمر الثاني: إيجاد البدائل في الخطاب والوسائل، مع نقد الذات أيضا، لأن العمل المؤسسي يعالج القضايا بصورة أكبر عمقا، ويعطي بدائل ووسائل أكثر تأثيرا في المجتمع.
ثالثا: الإكثار من الجامعات والمراكز البحثية في الوطن العربي، والتي تركز على الجانب الثقافي المعمق لقيمة الإنسان والبحث والحرية، وأن يعطى للجيل حريته في الدهشة والتساؤل والبحث والنقاش، لتتخرج أجيال تعظم قيمة العقل والنظر والتدبر، والانشغال بالإنتاج والاختراع وتعظيم قيم الإنسان الكبرى.
رابعا: نشر ثقافة القانون المدني وتفعيله، وأهمية احترام الدساتير القائمة على اختيار الشعوب، والمبنية على التنوير القانوني، الذي يحفظ الجميع، وعليه يكون القانون حافظا للإنسان وحريته وثقافته، بعيدا عن تلاعب السلطة، واستبداد المجتمع.
فيكون المثقف واقفا مع القانون المرضي من الجميع، ساعيا في تعميقه، وتوجيه المجتمع إلى الدولة المدنية الحافظة لحريات الناس وحقوقهم الذاتية، وحتى لا تتحول الثقافة ذاتها إلى تطرف آخر!!!

ثالثا: الثقافة والجانب الفني والجمالي
من فلسفة الوجود الجمال، سواء كان الجمال منظورا أو مسموعا أو ملموسا أو متذوقا، فهو جزء من صيرورة الإنسان في الكون، فهو يتمتع بالمناظر التي خلقها الله تعالى في الوجود، يقول سبحانه: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}35.
لذا نجد الإنسان منذ القدم تصيبه الدهشة في جمال الكون، فطالما تمتع بجمال السماء والنجوم، وشد رحاله في السهول والسواحل والجبال والغابات، حتى أصبحت السياحة اليوم فنا جماليا يتسابق فيه العالم، ليتعرف الإنسان ويكتشف أكثر جمال الطبيعة.
كذلك تمتع الإنسان بجمال الصوت، فيهو يتمتع بصوت العصافير، وصوت حنجرة الإنسان الطبيعية، واعتبر بعض المفسرين قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}36، أي الصوت الحسن في قوله: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}37.
أما الملموس والمتذوق فهو يلمس جماليات من حوله يتمتع بهم كملاعبته لأطفاله، وتذوقه لكل ما هو طيب من الطعام والشراب.
وعلم الجمال ينتمي إلى علوم الفلسفة، وهو أحدث فرع فيها، ويسمى الاستاطيقا Aesthetics، حيث يرجع هذا العلم إلى نهاية القرن الثامن الميلادي عند الفلاسفة الأغريق38.
وترى أميرة حلمي مطر أنّ الجمال نشأ مع وجود الإنسان، إلا أنّه كعلم فلسفي نشأ مع نشأة الفلاسفة مع علماء اليونان القدماء39.
وفي الحقيقة ربط نشأة الفلسفة ومن ثم فلسفة الجمال بعلماء الإغريق فيه نظر، لأنّ الفلسفة وجدت قبل اليونان، ومنها الفلسفة المصرية القبطية أو ما سميت لاحقا بالفرعونية، والفلسفة الكلدانية، ولكن لعلماء الإغريق فضل التقعيد والتجميع والتكوين، وعلماء العرب وفلاسفتهم فضل حفظ الفلسفة الإغريقية وترجمتها وتطويرها.
والجمال في الإنسان وعشقه له فطري غريزي لذلك حاول البحث عنه وفهمه ومن ثم تقليده، أما تقليده فله صور عديدة من ذلك جمال اللباس، {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}40، واللباس تقليد للباس الطبيعة، وحاول الإنسان تطويره في أشكاله ورسوماته، وتعدد اللباس في ذاته فن إنساني بديع.
كذلك استغل جمال الطبيعة في صنع بيته والتفنن فيه، مما اعطى للهندسة المعمارية ذوقا جماليا وفنيا.
وحاول أيضا تقليد أصوات الطبيعة في صنع الآلات والألحان، وابتكار المقامات والقواعد الموسيقية، بجانب الإبداع الشعري وقواعده، والفنون الشعبية.
وفي المقابل كان التصوير والنقش والرسومات الفنية، واليوم الإبداع الرسمي عن طريق الفوتوشوب والرسومات الالكترونية.
وجاءت الأديان السماوية لإضافة بعد جمالي روحي ليتكامل الجمالان الروحي والبدني، فالفن فيه يجمع بين الجمالين، جمال العقل بالمعرفة، وجمال البدن بالرياضة، ضاربا العديد من النماذج، منطلقا من جمالية الكون والطبيعة.
والفن لون من ألوان الثقافة الإنسانية، حيث أنّ الفن نتاج بعض الإبداع الذي يكون مصدره الإنسان، كما أنّ الفن يعتبر أداة تعبيرية لدى الإنسان بالأمور الذاتية الخاصة به، ولا يكون تعبيرا عن بعض متطلبات الإنسان في حياته الاعتيادية، كما أنّ معظم الأشخاص يقيمون الفن على أنّه ضروري جداً في الحياة، مثل: ضرورة الماء، والطعام للإنسان أي أنّه مهم جدة لحياة الانسان41.
والفن في أشكاله المختلفة هو محاولة البشر لتصوير الإيقاع الذي يتلقونه في حسهم من حقائق الوجود في صورة مؤثرة جميلة، والفنان شخص موهوب، ذو حساسية خاصة، تستطيع أن تلتقط الإيقاعات الخفية اللطيفة، التي لا تدركها الأجهزة الأخرى في الناس العاديين، وذو قدرة تعبيرية خاصة تستطيع أن تحول هذه الإيقاعات التي يتلقاها حسه إلى لون من الأداء الجميل، يثير في النفس الانفعال، ويحرك فيها حاسة الجمال42.
والفنون تنقسم إلى فنون مادية، وفنون غير مادية، أما الفنون المادية هي الفنون التي تكون مثل النحت بالإضافة إلى الزخرفة وصنع الفخار، أمّا الفنون غير المادية هي مثل الموسيقى وغيرها43.
واختلف الفلاسفة والمؤرخون في العلاقة بين الفن والجمال من حيث الذاتية والأسبقية، إلا أنهم اتفقوا أنّ العلاقة بينهما علاقة مطابقة.
فبعضهم يرى أنّ الجمال هو جانب فلسفي تنظيري ظهر لاحقا، والفن هو طبيعة إنسانية سابقة له، تجسد الثاني في أشكال فنية تولد منها فلسفة الجمال.
وبعضهم يرى أنّ الجمال طبيعة ذاتية وجدت مع الإنسان، ثم تشكل إلى جوانب فنية متنوعة.
وعلى العموم في نظري أنّ الجمال هو الطبيعة البشرية التي وجدت في أصل الكون، ثم عشقها الإنسان فطرة بشرية فيه من خلال علاقته مع نفسه والكون، فأسقط هذا الجمال في أشكال فنية متعددة، ومع تنوع هذه الأشكال وجدت فلسفة الجمال.
فالجمال كأصل بسيط سابق للفن، والفن نتيجة طبيعية له، ووسيلة في إسقاطه وتقريبه، أما الجمال كفلسفة وعلم فهو متأخر عن الفن.
بعد هذه المقدمة عن الفن والجمال، نجد للفن تأثيرا في الحراك المجتمعي في الوطن العربي، ولكن مع هذا نجد هناك عدة صور للفن في إقليمنا من العالم:
- صورة تنظر إلى الفن والجمال نظرة سلبية، يتصور الجمال عريا وسفورا وبعدا عن تعاليم السماء، فهناك ممن يجعل خصومة بين الإسلام والجمال، ويظهر ذلك من خلال السلوك المتجهم إزاء آيات الجمال والفنون والإبداعات الجمالية في هذه الحياة44.
- وصورة للفن المبتذل الفن الذي يزعم أنه فن، لكن همه انتهاك القواعد والضوابط الأخلاقية، وقد يعمل بعض مروجيه على زرع الفوضى والفتنة مستهدفين قيم وقناعات شعب ما، خلف ستار حرية بلا حدود45.
- وصورة للفن الذي تستخدمه السلطة في تمكين سياسة الاستبداد، ومحاربة الحريات، وفيه تظهر الاستبداد في صورة الجمال مستغلة الوسائل الفنية في ذلك، لتوجيه الحراك الاجتماعي في خدمتها.
- صورة تستغله الجهات المتطرفة دينية أو فكرية في توجيه الحراك المجتمعي نحو التطرف، والعيش في ظلامية الماضي، وتمكين الصراع الطائفي بين الناس.
لهذا كان الفن والجمال أداة أصبحت توجه لخدمة استبداد السلطة، وتطرف المجتمع، فضاع هذا الجمال ليحقق أبعادا لا تجتمع معه، وبدوره هذا سوف يؤثر في الحراك المجتمعي.
من هنا كان للثقافة الدور المهم في إعادة التوجيه من خلال التالي:
أولا: إيجاد الأبحاث والدراسات والمحاضرات والندوات التي تبين رسالة الفن والجمال، وذلك لكون هذه الرسالة رسالة جمال واعتدال، ورسالة بناء ونماء، لا رسالة استبداد وتطرف، ورسالة ابتذال ودمار!
ثانيا: توفير البديل من الفن المعمق للجانب الثقافي التنويري، الذي يساهم في نشر ثقافة التنوير، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، ليعيش مع البناء لا الهدم، ومع الجمال لا الظلام.

رابعا: الثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي
تواجه الاقتصاديات العربية حالياً، وفى المستقبل القريب تحديات عديدة ومتنوعة (داخلية وخارجية – مباشرة وغير مباشرة)، وهى تحديات تنبع من مصادر شتى، وتهدد بإلحاق أفدح الأضرار ليس فقط بالمستقبل الاقتصادي للشعوب العربية؛ ولكن بات الخطر يلتف حول هويتها وثقافتها بل ووجودها القومى ذاته، فهناك تحديات العولمة، وانفتاح الأسواق، وشراسة الشركات عابرة القارات، وتنامى النزعة نحو بناء التكتلات الاقتصادية والإقليمية، واشتداد حمى التنافس الاقتصادي، ومخاطر التهميش التي تنتظر الكيانات الصغيرة غير القادرة وغير المؤهلة للمنافسة، والسماوات المفتوحة، والأقمار الصناعية، والبث الفضائي الذى لا تحده قيود، وهناك من جانب آخر تحديات القوى الإقليمية المتحفزة لدور جديد فى منطقة الشرق الأوسط خصماً من حساب قوى إقليمية عربية كبرى كمصر، وغيرها من التحديات التي تهدد المستقبل العربي بصفة عامة46.
ومع كثرة المواهب الطبيعية التي وهبها الله تعالى للعالم العربي إلا أن الانقسامات السياسية، والحروب الطائفية جعلته يعيش عالة على غيره، مما أصبح معدل الفقر وما يتبعه من آثار اجتماعية يزيد يوما بعد يوم.
ثم إن اعتماد أغلب الدول العربية على النفط في السنوات الماضية جعلته يعيش في وهم المادة، ومع عدم استغلال هذه الثروة في بناء العقل العربي، والاعتماد على الذات، جعله اليوم يعيش نكسة انخفاض النفط، مما يؤثر على الحراك المجتمعي فيه بصورة كبيرة.
وأصبحت مشكلة الباحثين عن عمل في الدول العربية واحدة من أخطر التحديات التي تواجه دول المنطقة في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة، وتشير التقارير إلى أنّ معدل الباحثين عن عمل في الوطن العربي يبلغ 14% من أصل (180) مليونا في العالم، ومعدلات التدفق العربي إلى سوق العمل أعلى من بقية العالم مما يخلق نوعين من الضغط، ضغط مشكلة الباحثين عن عمل القائمة، والقادمة47.
وبلا شك أن هذه المشكلة سيكون لها تأثيرها السلبي في الحراك المجتمعي في الاتجاه به نحو الفقر والذي من أكبر آثاره الجريمة وارتفاع معدلات الاغتصاب، والجهل والأمية، والمرض وانتشار القذارة المسببة للأمراض المتعددة، واتجاه الشباب نحو المخدرات والجرائم الأخلاقية والمجتمعية.
فالعلاقة بين الوضع الاقتصادي والحراك المجتمعي علاقة طردية، فكلما تحسن الوضع الاقتصادي أسقط ذلك على الحراك المجتمعي ليكون تحركا إيجابيا نحو الاستقرار والمعرفة والتوازن الطبقي في المجتمع، والعكس صحيح، فكلما تردى وضعف الوضع الاقتصادي كلما أثر على الحراك المجتمعي ليتجه نحو الجريمة وعدم الاستقرار والطبقية.

* ورقة بحثية ألقيت في اجتماع الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب والعرب في دبي (سبتمبر الجاري)
* المراجع والمصادر والهوامش في الجزء الثالث من البحث

بدر بن سالم بن حمدان العبري
باحث وكاتب عماني

إلى الأعلى