الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المسرحي عبد الغني بن طاره لـ “أشرعة”: الارتجال سيىء جدا في المسرح.. والخروج عن النص خيانة

المسرحي عبد الغني بن طاره لـ “أشرعة”: الارتجال سيىء جدا في المسرح.. والخروج عن النص خيانة

يرى أن الممثل هو أهم عنصر في العمل الدرامي

دمشق ـ من وحيد تاجا :
يؤكد المسرحي التونسي عبد الغني بن طاره أن هناك مسرحا تونسيا بمعنى نص محلي يبحث في هموم المجتمع التونسي اضافة الى مخرجين وممثلين وتقنيين توانسة استطاعوا فرض أنفسهم في هذا المجال.. ويضيف في حوار مع ” اشرعة ” ان الحكواتي موجود ايضا في المسرح التونسي لافتا إلى أن الحكواتي التونسي يحاول ان لا يأخذ دائما من الحكايا الخرافية وإنما بدأ يبحث في حكايا معاصرة تهم الجمهور في هذه المرحلة. وحول مسرح المونودراما يعتبر المسرحي التونسي انه نوع من المسرح التنفيسي لأنك تجد فيه النكتة السياسية، والنكتة الإباحية، وله جمهور موجود في تونس. واذ يؤكد على ان الممثل هو أهم عنصر في العمل الدرامي، يرى ان ظاهرة المخرج المؤلف ليست سلبية كليا، ولها ايجابياتها على العمل الفني. أما عن ظاهرة الارتجال فيرى انه مضر جدا بالعمل المسرحي ولا يجب السماح للممثل بالارتجال ابدا بعد ان يكون قد تم الاتفاق مع الطاقم على الدور..

والمسرحي عبد الغني بن طارة تخرج من مركز الفن المسرحي في تونس عام 1967 وبعدها توجه لباريس لمواصلة تحصيله العلمي تمثيلاً وإخراجا وبعد عودته إلى وطنه عام 1973 ساهم في تأسيس عدة فرق مسرحية وساهم في تأسيس المسرح الوطني التونسي وأخرج للمسرح بتونس ما يزيد عن الثلاثين مسرحية، ومنح الوسام الوطني للاستحقاق الثقافي عام 2005.

* بداية إذا أردنا الحديث عن المسرح التونسي، هل يمكن القول ان هناك مسرحا تونسيا يتمتع بـسمات خاصة أم هناك مسرحيات تونسية؟
** هناك المسرح التونسي الذي يتضح من خلال التجارب التي قدمها رواد المسرح، وهناك مسرحيات تونسية كتبت من طرف كتاب توانسة، ولكن هل يعني هذا انه مسرح تونسي وبالتالي ما معنى مسرح تونسي؟ المسرح هو لغة عالمية إنسانية وكونية لا حدود له، إذا قلنا أن المسرح التونسي، أي أن المؤلف تونسي، أو أن المخرج تونسي، أو الممثلين توانسة، بهذا المفهوم نستطيع القول نعم هناك طرح تونسي وفكرة تونسية.
لكن المسرح في تونس تطور جداً من خلال الأعمال العالمية، وبنصوص عالمية، أولاً ثم أخذ ينحو منحى محليا حيث اخذ بعض الكتاب يكتبون مسرحيات تعالج المجتمع والهموم التونسية.
وعلى صعيد شخصي فقد اهتممت منذ سنين بإيجاد مسرح تونسي شكلا ومضمونا، وجاء تأسيسي لـ ” بيت الاحتفال” في مدينة تونس وكان شكل (مسرح الحلقة) نموذجا في اطار السعي لإيجاد نمط لتقديم العروض في شكل الحلقة. ففي تقاليدنا العربية التونسية الإسلامية معروف أننا نتحلق حول الحدث، وتكون أعمالنا بحيث يكون الحدث في الوسط، والجمهور ملتف حوله، ومن هنا تأتي الحميمية.
وهنا يأتي الحديث عن نحن والاخر على الصعيد المسرحي، فكل بلد له خصوصيته لأنه يتكلم عن مشاكله الخاصة، عن اهتماماته، عن شواغله ولهذا يمكنني القول أن هناك مسرحا تونسيا من حيث النصوص والمخرجين والممثلين، هو تونسي بالمعنى العميق للكلمة.

* ضمن البحث عن العلاقة مع الجمهور، وجد ما يسمى الحكواتي في كثير من الدول العربية مثل سوريا ومصر والجزائر، هل الحكواتي موجود في تونس؟
** نعم هو موجود، وكان مهرجان النداوي في مدينة سوسة شبه مختص بهذا النوع، ومن ثم مد جسوره إلى تونس، وبيت الاحتفال الذي ارعاه يقيم أمسيات النداوي، والحكواتي في هذا الفضاء الحميمي، ويمكن القول ان هناك تجديدا في الحكايا وقد أصبحت اكثر عصرية، بدل أن تأخذ دائماً من التاريخ.
وأنا من أحد الحكواتية في تونس قدمت أعمالاً سميت ((المجنونة))، وهي أعمال رائعة ومجنونة فعلاً لأن الخرافة تحمل أجنحة وتطير بك إلى حيث تهوى، أو تشغل بالك بعالم آخر، مهمة الحكواتي ان يعطيك خرافة فيها الخيال الخصب، ومن ثم يردك إلى الواقع، يعطيك شحنة في الرجولة، والبطولة، والاعتزاز، والنمو، والانتماء بدون خطب وشعارات، وكل هذا لا بد أن يكون في طقس مسرحي مهم، ويكون متأصلا ومتجذرا بحكم الأنا، وهنالك جمهور جيد في تونس يتابع هذه الإعمال …

* هل يمكن اعتبار مسرح المونودراما نوعا من أنواع الحكواتي؟
** انا أجده نوعا من أنواع المسرح التنفيسي ، لأنك تجد فيه النكتة السياسية، والنكتة الإباحية، وله جمهور موجود في تونس، ولا بد أن تحترم هذا النوع لأن فيه تفريغ، ويجب أن يكون موجوداً ولا يمكن إلغاء أي نمط من أنماط المسرح، وأنا اشتغلت المونودراما وهناك كثيرون اشتغلوا المونودراما مثل ((لطفي العبدلي، وجعفر القاسمي)) هؤلاء انفردوا بفن المونودراما، وأنا ابتعدت عنهم فعملي كمسرحي لي اهتمامات أخرى لا تهم ذاتي بل تهم المسرح، هذا لا يعني أن زملائي تهمهم ذاتهم، وأعمالي بشكل عام تقتصر عادة على ثلاثة أو أربعة ممثلين فقط لا أكثر العدد، ويكون العمل مختصراً ومكثفاً مع ثلاثة أو أربعة أفراد يكون جميلاً.

* بدأت ممثلا يافعا، وانتقلت لاحقاً للإخراج، أين تجد نفسك أكثر كمخرج أم ممثل؟
** لا نستطيع القول ان الإخراج أهم من التمثيل، فالممثل هو أهم عنصر في العمل الدرامي، وأنا لا أعرف أين أجد نفسي، هل أجد نفسي كاتباً مسرحياً، أم ممثلاً، أم سيموغرافاً، أم مخرجاً، لست أدري، بل أقول كلما وجدت إمكانية لأقول شيئاً من خلال هذه الاماكن مقولة ما، فتراني ممثلاً، ومخرجاً، وكاتباً في بعض الأعمال، وأحياناً تجدني ممثلاً، وتراني مخرجاً عندما تقتضي الحاجة، عموماً أنا قليل الإنتاج في الإخراج، لأني أتعامل مع النصوص بكثير من الدقة والصرامة، لأني لا بد أن أختار عملي وأبقى سنة أو سنتين بدون عمل، حتى أجد النص الملائم، أو أجد الدور المناسب. حتى التلفزيون يدعوني كثير من المرات ولكني أرفض، حتى أجد الدور المناسب، وليس دور البطولة هو المطلوب لكنه الدور الذي يشكل إضافة فنية ويمكن من خلاله أن أحيا الدور الذي يبقى في الذاكرة أن يكون هذا الدور فاعلاً في الأحداث ككل، أما أن تشاهد هذا الدور اليوم وتنساه غداً فهذا لا يهمني ولا يضيف لي شيئاً.

* وكيف تنظر الى ظاهرة المخرج المؤلف ..؟
** المخرج والمؤلف هناك تكامل بينهما، أنا كتبت نصوص وأخرجتها، لأن المقولة التي أردت قولها كان لابد أن أقولها تقنياً وإخراجياً مع الممثل، وفي بعض الأحيان أقدم عملي، وأريد أن يخرجه شخص آخر لأني استوفيت ما أريد أن أقوله من خلال التأليف، فالإخراج هو تكامل مع التأليف، وهو قراءة ثانية أو تعميق ما أريد قوله كمؤلف.
وهذا لايعني اني أحبذ ان اكون دائما المخرج والمؤلف أو اني اؤيد هذه الظاهرة بشكل مطلق، لكن عندما تأتي فلا غبار عليها، المهم المخرج أن لا يأتي بالنص ويخرجه كما قال المؤلف ولا يضيف هو شيئاً أي لا بد أن يكون للمخرج إضافة. أنا أفضل أن أخرج أعمال غيري، قليلاً ما أخرجت أعمالي وعندما لا أجد نصاً أتعامل معه فأكتب نصي وأخرجه.

* كيف هي العلاقة بينك وبين الممثل ولا سيما عندما تكون أنت كاتب النص إلى أي درجة تسمح للممثل بالتدخل بالنص أو بالإخراج ؟
** إلى درجة مطلقة، على أساس أن لا نذهب بالنص إلى وجهة لا أرغب بها، والممثل هو مخرج وشريك معك في أدواته، وأدواته هي صوته، ملامحه، تعبيرات جسده، انفعاله وحسه، إذا هو تقدم مشكوراً بشيء يضيف للعمل فأهلاً وسهلاً وبدون نرجسية ولا تعال. لأن الممثل هو العصب الأساسي للعمل المسرحي، وأنا أتعامل مع الممثلين المبدعين ولا أتعامل مع الممثلين الشيالين (الحمالين) حمال الآسية يحمل نصاً يحفظه ويؤديه ويكون المخرج هو الذي يعطيه كل الحركات، لذلك نحن نتكامل ونتعاون، وإذا ما أبدى فكرة، أو تصوراً، أو حركة جميلة فلا يسعني إلا أن أشد على يده وأشكره فهو ساعدني، فالممثل هو مساعد في الإخراج.

* إلى أي درجة أنت ككاتب وكمخرج تسمح للمثل بالارتجال على المسرح؟
** الارتجال هي عادة سيئة أساساً، لأن هناك عملا نتفق عليه، ونرتجل أثناء البروفات والتمارين، وعندما ينتهي العمل أرغب أن نكون اتفقنا على العمل بشكل نهائي، قد يضطر الممثل الى الارتجال احيانا لظروف معينة سهواً منه، أو غفل عن جملة ما واستبدلها بجملة أخرى هذا لا يضر. إنما اذا كان العمل مكتملا وخضع لتدريبات طالت لمدة ستة أشهر أو سنة واتفقنا عليه، فأعتبر عندها أن الممثل عندما يخرج عن النص فهو خائن للمجموعة. إذا أراد الممثل أن يرتجل فيجب أن يتفق مع المخرج ومع زملائه في العمل مسبقاً. أما هذا الارتجال فيمكن أن يصبح وكأنك تقدم نصا آخر ومسرحية ثانية، اتفقنا على مبدأ أو خطة طريق نعمل على أساسها، فلا بد أن نحترمها لهذا اعتبر من باب الخيانة الارتجال بدون اتفاق مسبق مع المخرج أو الممثلين أو إدارة التنفيذ، حتى يبقى العمل متزنا ولا يضر، إنما أن تغير باسم النجومية وتترك زملاءك ينتظرون على خشبة المسرح متى ستغلق هذا القوس فهذا لدي اعتراض عليه.

* متى أسست بيت الاحتفال وما الذي أوصلك إلى هذه الفكرة ؟
** أسسته منذ سبع سنوات تقريبا، وكان لدي هاجس دائم ان اجد فضاء خاصا أقول فيه مقولتي، وأقدم الأعمال التي أريد تقديمها، بمعنى ان هذا البيت لم يأت صدفة بل هو نتاج لرغبة ملحة حلمت بها طويلا، ويمكن منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولما وجدت الفضاء المناسب لهذه الفكرة وبمساعدة وزارة الثقافة التي وفرت لي هذا الفضاء وطبعاً بمقابل مادي وليس مجاناً. قدمت مشروعاً كاملاً في الساحة الثقافية في التنشيط في التعامل مع الشباب، وقدمت إنتاجات مهمة، ومختلفة، ولا أقول أنها أفضل، لكن أقول هي مختلفة وفي هذا الاختلاف حياة ولا يجوز أن نشتغل على نفس النمط، وهنالك زملاء مبدعون منهم (( فاضل الجعايبي )) وكثيرون غيره، يقدمون أعمالهم في قاعاتهم بطرقهم واهتماماتهم التي احترمها، ولكن لي وجهة نظر مخالفة لا تقصي الآخر، وأرجو أن تكون فكرتي محترمة وهي فعلاً محترمة، لأني لمست هذا في من زار الفضاء وشاهد العروض، جميل ورائع أن تجد إمكانية للاختلاف.

* المسرح في تونس متطور بالقياس لباقي الدول العربية، هل النقد المسرحي يواكبه في التطور، كيف تنظر للنقد المسرحي في تونس؟
** هناك فعلا أقلام مهمة ونقاد متمرسون، وأساتذة جامعيون في النقد والصحافة، لكنهم أصبحوا قلة، فالبعض منهم اخذته مشاغل ثانية، أو مسؤوليات أخرى، منهم من صاروا مدراء جرائد فابتعدوا، وهؤلاء خسرهم المسرح، والساحة الثقافية عموماً، وهناك شباب صاعدون لهم أقلام مميزة تكتب في عمق الفكر والثقافة. هناك الصحفي أو الإعلامي الذي يأخذ الانطباع هؤلاء كثر، إنما الناقد بمعنى الناقد الفاهم والمتمرس والمثقف في هذه المادة فهم موجودون لكن ليسوا كثيرين لكنهم يفون بالغرض.

* سؤال أخير .. ماذا عن مسرحيتك الأخيرة (الله ينصر سيدنا) ..؟
** مسرحية ” الله ينصر سيدنا” نص الكاتب المسرحى عز الدين المدني وقد قمت بالاخراج وهي تتحدث عن مرحلة هامة من تاريخ الدولة التونسية انطلاقا من تاريخ صدور” عهد الأمان” مرورا بفساد حكم محمد الصادق باي وصولا إلى اندلاع ثورة علي بن غذاهم .” وجملة ” الله ينصر سيدنا” كانت صيحة معروفة يقابل بها الشعب قرارات البايات الظالمة والجائرة منها إلى أن صدر قانون «عهد الأمان» الذي حرر التونسيين ورفعهم من درجة رعايا إلى مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.
ولكن الصادق باي أبطل العمل بـ ” عهد الامان” الذي كان أول دستور عربي إسلامي وتونسي حرره الرواد من المصلحين وعلى رأسهم الوزير المؤرخ احمد ابن أبي الضياف ومعه الجنرال خير الدين باشا التونسي ..أبطل العمل به حتى لا يقيده وكان من نتائج إبطال العمل بـ” عهد الأمان” احتلال فرنسا لتونس سنة 1881 . وقد تنبأ عز الدين المدني في هذا النص الذي كتبه منذ أكثر من عشرين سنة خلت بما حدث في تونس وما تبع ثورة2011 من أحداث أهمها كتابة دستور جديد تماما كما عقب دستور سنة 1959 الثورة والاستقلال عن فرنسا. وقد عرضت المسرحية في افتتاح الدورة الواحدة والخمسين (51 ) لمهرجان الحمامات الدولى العام الماضي.

إلى الأعلى