الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحج فـي 1437 … مشاهدات وملاحظات 1/2

الحج فـي 1437 … مشاهدات وملاحظات 1/2

سعود بن علي الحارثي

” هل الجهاد الحقيقي في الحج واكتمال مناسكه وشروطه تتطلب أن أبيت مع أكثر من خمسين حاجا في خيمة واحدة سيئة التكييف رديئة النظافة متعددة الأغراض للنوم والصلاة والأكل يتناقلون الأمراض المعدية فيما بينهم؟ وأن يقف المسن الذي تجاوز الثمانين في طابور طويل أمام دورة المياه لقضاء حاجته، كما يرى بعض الوعاظ والمنظرين والمتحذلقين؟، ”

أولا : المدينة المنورة .
أنهيت بتوفيق من الله كل الإجراءات التي وضعتها الجهات المختصة لتسجيل طلبات المواطنين الراغبين في أداء مناسك الحج، واتبعت الخطوات المعدة لذلك، وسعدت باستكمال الاشتراطات المطلوبة التي أبلغتني درجة الموافقة على طلبي، فالرغبة في أداء مناسك الحج والتطلع إلى زيارة الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة طموح يتطلع إليه كل مسلم وغاية يتوق إليها ويتشوق في ممارسة شعائرها الصغار والكبار على السواء، درجة أن الفرد في معظم الدول الاسلامية الفقيرة خاصة يمضي سنوات طويلة من عمره يجمع ويدخر المال لتحقيق هذا الهدف الكبير فمنهم من يقضي نحبه دون أن تتاح له الفرصة ومنهم من يصل إلى مبتغاه وقد بلغ من الكبر عتيا، وكانت المشاهد والصور لأبناء وأقارب يحملون آبائهم وأمهاتهم في الكراسي المتحركة في جهد جهيد بسبب الحر والمسافات الطويلة خاصة في الطواف ورمي الجمارات والمرتفعات والمنحدرات في شوارع مكة تدعو إلى الاحترام والاجلال لهؤلاء الأبناء البررة الذين يضاعفون أعمالهم الحسنة ويعلون من مكانتهم عند رب العزة. اخترت الحملة التي سأرافقها بتشجيع من زميل رأى وقدر بأن المشرف الديني فيها الأخ عبدالله بن ناصر المرهوبي والذي تجمعنا به زمالة طويلة وصداقة محترمة سوف يكون مساعدا وموجها ومعينا لنا في أداء شعائر الركن الخامس، وكان له ما أراد، وكان ذلك الصديق على قدر المسئولية فكان لنا ولجميع من التحق بالحملة التي يمثلها مشجعا، ناصحا، أمينا، صبورا في تعامله معنا، فله منا كل الشكر والود. وكانت رغبتي قبل ذلك تميل إلى الالتحاق بالحملة المتميزة المستثناة أو التي استثنت نفسها من الانضواء في مخيمات بعثة الحج العمانية في منى، والتي يسجل فيها أصحاب المقامات والهامات والألقاب الرفيعة، وقدادخرت مبلغا من المال يكفي لأيام تقيني المبيت في مخيمات بعثة الحج العمانية في منى التي سمعت عنها الكثير من الملاحظات الباعثة على الاحباط والخوف من عدوى الأمراض على مدى عقد من الزمن وأكثر، فهل ندمت على اختيار حملة أخرى أقل مستوى وسعرا منها؟ هل اكتشفت بأن الثمن كان غاليا والضريبة مرتفعة بعد مبيتي مع الحجيج العمانيين على مدى ثلاث ليالي في مخيمات منى والتي سأعرج في الحديث عنها بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا المقال؟ أم أنها كانت فرصة ذهبية لم يكن لي أن أفوتها لاكتشاف الكثير من المآسي التي يعيشها الحجاج في هذه المخيمات؟ هل الجهاد الحقيقي في الحج واكتمال مناسكه وشروطه تتطلب أن أبيت مع أكثر من خمسين حاجا في خيمة واحدة سيئة التكييف رديئة النظافة متعددة الأغراض للنوم والصلاة والأكل يتناقلون الأمراض المعدية فيما بينهم؟ وأن يقف المسن الذي تجاوز الثمانين في طابور طويل أمام دورة المياه لقضاء حاجته، كما يرى بعض الوعاظ والمنظرين والمتحذلقين؟، وإن كان ذلك كذلك فأين العلماء الأجلاء والنافذين والمسئولين من أصحاب الشأن في بلادنا الاسلامية، لماذا لا يكونون قدوة ونموذجا كما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وخلفاءه وصحابته الأجلاء، لأنني لم أر لهم أثرا في تلك المخيمات البائسة؟ ولماذا يتميز مخيم البعثة بشيء من الرفاه وتقسيم الخيمة إلى أقسام لا يزيد عدد من ينام في الواحدة منها عن أربعة أو خمسة على الأكثر مع تكييف يحقق الغاية، وخصصت خيام أخرى لأغراض متعددة كالصلاة والأكل والاستقبال، وذلك وفقا لشهادات كثيرة سمعتها في حج هذا العام والأعوام السابقة؟ أم أن جهاد الحج فرض على فئة وشريحة دون غيرها؟ . مخيم منى يحتاج إلى أن نلقي عليه الضوء بشيء من التفصيل في الجزء الثاني من هذا المقال وسنرجئ ذلك إلى الأسبوع المقبل بمشيئة الله. وبمناسبة الحديث عن إجراءات تسجيل طلبات الراغبين في أداء مناسك الركن الخامس من أركان الاسلام، ومن أجل الانصاف والموضوعية ولكي لا نتهم بأننا نجنح فقط للانتقاد وتصيد الأخطاء فلا بد من تسجل كلمة شكر وتقدير لكل الجهات المعنية بوضع آليات طلبات التسجيل الإلكتروني وتطويرها والإشراف والمتابعة وعلى رأسها وزارة الأوقاف والشئون الدينية، على حسن التنظيم ويسر الإجراءات ودقتها وسرعة الإجابة على الطلب والتساؤلات والربط الالكتروني المحدث بين الجهات المختصة ورسائل التوعية والتنبيه الموجهة إلى الحجاج … في سعادة بالغة ومشاعر إيمانية عميقة طارت بنا طائرة الخطوط الجوية السعودية إلى المدينة المنورة انطلاقا من مطار مسقط الدولي يوم السبت الأول من ذي الحجة 1437ه الموافق الثالث من سبتمبر 2016م، عشنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أيام في أجواء إيمانية استثنائية ومشاعر روحانية تتجدد وتتعمق مع كل صلاة نؤديها في الحرم النبوي الشريف بجوار الروضة المحمدية وقرب المرقد النبوي الطاهر وقبري الخليفتين الراشدين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إقامة تمنيت كثيرا خلالها أن يتوقف بي الزمن وأنا في هذه المواقع المقدسة أتلمس تراب المدينة أجول ببصري بين بساتين النخيل وجنائن طيبة الطيبة أتحرك بين الطرقات والأزقة والمناطق المحيطة بالمسجد باحثا عن أثر أو معلم حتى وإن كان حجرا أو حفنة تراب شاهدا لعصر الرسول وصحابته الأجلاء وخلفائه الراشدين، لكي أعبر له عن مشاعري واستنطقه وأحاوره وأجد فيه أثرا لسيرة عطرة ومرحلة زمنية تعالت وتفاخرت على كل الأزمنة والمراحل، كيف لا وقد ارتبطت بولادة وحياة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي اختاره رب العزة جل جلاله لهداية البشرية ودعوتها إلى الدين الحق واقناعها بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة للانتماء إلى الرسالة الاسلامية السماوية الخاتمة إصلاحا وتقويما وتهذيبا وتربية وتحريرا من العبودية وصلاحا للإنسان الذي أكرمه الله بالعقل وأعزه بالإسلام، ووقاية له من الانزلاق والوقوع في فخاخ الشرك وهوى النفس ونوازعها … ولكن أنا لي أن أجد تلك المعالم والآثار وقد أتت عليها المعدات والآلات الحديثة وقضت عليها الخرسانات الاسمنتية والبنايات الشامخة ومسحتها عن المنطقة المشاريع والطرق والجسور الضخمة؟ حتى قبور شهداء أحد التي زرناها وقرأنا عليها الفاتحة لم تسلم فتم نقلها إلى موقع آخر عن موقعها الأصلي، لكن جبل أحد وتلته التي نزل منها الرماة مخالفين تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم فمكنت قريش من تحقيق نصر مباغت ما زال يعلن عن وجوده، مذكرا المسلمين بأهم حدث في تاريخ المسلمين وبدرس عميق له دلالاته ومعانيه لم يقرأه اللاحقون للأسف بما يستحقه ولم يستفيدوا منه بما يليق به وإلا كانت أحوالهم وأوضاعهم قد اختلفت عما هي عليه الآن، وما زالت قبور الصحابة رضي الله عنهم في البقيع على حالها فهل ستسلم في المستقبل من التطوير والتحديث والتوسعة في البناء أم سيتم نقلها كذلك إلى موقع آخر ؟ . محمد الرسول الأعظم في تاريخ البشرية، ابو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبادة بن الصامت، أبو ذر الغفاري، حمزة، عائشة، فاطمة، أم ورقة، أم حرام، أسماء بنت أبي بكر، مئات الصحابة والصحابيات عاشوا وأقاموا وماتوا في هذه الأمكنة، قد يكون هذا البستان الذي أسير بمحاذاته لواحد منهم، وهذه التلة التي أراها يتعبد أحدهم أعلاها، وهذه البقعة التي تقام عليها بناية من عدة طوابق بيت واحد من الصحابة الأجلاء، يا الله ما اعظم هذا المكان وأشرفه وأجله، مدينة فتحت ذراعاها ورحبت بنبي الأمة واحتضنت رسالته وأعزت الإسلام ونشره رجالها (الأنصار) يدا بيد مع (المهاجرين) في أقطار المعمورة وفتح أبناءها دورهم ومنازلهم وتجارتهم للمهاجرين الذين توافدوا إليها أفرادا وجماعات مقهورين مطاردين من موطنهم ومهبط رسالتهم، وتقاسموامعهم لقمةالعيش، في هذه المدينة المباركة يشعر المسلم حقا بالطمأنينة والراحة والسعادة وبعظمة الاسلام وقيم وأخلاق وتضحيات المسلمين الأوائل. تزدحم أسواق ومحلات التمور بالمدينة المنورة بالباعة والمشترين، ويقف الزائر لها محتارا من تعدد الأنواع والأشكال الطبيعية منها أو المصنعة وأيها يختار فكلها لذيذة ومشوقة وممتعة وآسرة هذا فضلا عن عسلها الذي عبأ في زجاجات وأوان متعددة وجاذبة، بحق شعرت بالغيرة والأسى فعمان بلد النخيل التي ارتبط تاريخها واقتصادها وحياة المواطنين بالنخلة وفيها آلاف القرى والمدن التي تكتسي بمزارع النخيل ماذا ينقصها لكي تقيم سوقا خاصا بمنتجات النخلة والتعريف بأنواعها وتاريخها وأهميتها الاقتصادية والطبية، يكون داعما ومشجعا للمزارعين من جهة ومعلما سياحيا من جهة أخرى، وإنشاء مصانع لإنتاج التمور والبسكويت والشكولاتة وغيرها من مشتقات التمور ؟ سؤال نطرحه على أصحاب الاختصاص وعلى المعنيين بتنفيذ البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ). غادرنا المدينة المنورة مرتدين ثوب الاحرام والحزن يلفنا على فراقها سائلين الله العلي القدير أن لا يحرمنا من زيارات متكررة لها وصلوات نؤديها بقرب الروضة الشريفة. في ذي الحليفة عقدنا نية أداء عمرة التمتع وصلينا ركعتين تحية المسجد. وفي مسجد تابع لمحطات شركة (ساسكو) ويبعد عن مكة المكرمة في حدود 230 كيلو مترا صلينا المغرب والعشاء قصرا، ويظهر بأن جميع أو معظم من يتوجه إلى مكة من المدينة يؤدي الصلاة في هذا المكان لتوفر خدمات تعبئة النفط والمطاعم والمسجد الواسع الذي يشهد الكثير من الخلافات وتتعدد فيه الجماعات وتتباين الآراء الدينية وتتوتر الملامح والوجوه بين المصلين على واقع انتماءاتهم وولاءتهم، وقد أخبرني صديق كان في مسيره إلى مكة قبلنا بعدة ساعات بأن خلافا شديدا وقع بين حجاج من قطرين عربيين كاد أن يتسبب في صدام، وهي أولى الملاحظات التي سجلتها في رحلتي الأولى إلى الحج، مضيفا إليها على واقع المشاهدات والصور عشرات أخرى، مصحوبة بقراءات تظهر واقع الحال الذي تعيشه الأمة الاسلامية . (يتبع)

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى