الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الفريضة الغائبة لدى العرب : بناء الإنسان بالمدرسة

الفريضة الغائبة لدى العرب : بناء الإنسان بالمدرسة

د.أحمد القديدي

” ماليزيا بلد مساحته تعادل 320 ألف كم2 وعدد سكانه 28 مليون نسمة وكان الماليزيون يعيشون في الغابات، ويعملون في زراعة المطاط، والموز، والأناناس، وصيد الأسماك. وكان متوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار سنوياً وكانت الصراعات الدينية (بين اتباع 18 ديانة) واليوم متوسط الدخل 60 الف دولار!.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا لا نقرأ تلك المغامرات الرائعة التي خاضتها بعض الأمم ونهضت بها ونجحت فيها فحققت ما يشبه المعجزات؟ لماذا كتب علينا الجهل بمبادرات شعوب غيرنا قفزت من درجات الفقر والتبعية إلى درجات عليا من التقدم ، بل وخوض غمار التصنيع والتصدير؟ لماذا نغض أبصارنا عن بلاد مثل ماليزيا إنتقلت في ظرف عقد واحد من المنزلة المتخلفة الى منزلة الدول النمور؟
ماليزيا بلد مساحته تعادل 320 ألف كم2 وعدد سكانه 28 مليون نسمة وكان الماليزيون يعيشون فى الغابات، ويعملون في زراعة المطاط، والموز، والأناناس، وصيد الأسماك. وكان متوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار سنوياً وكانت الصراعات الدينية (بين اتباع 18 ديانة) واليوم متوسط الدخل 60 الف دولار!.
قيض الله لماليزيا زعيما فذا هو محاضر محمد. ماذا فعل هذا الرجل في 21 عاما؟
أولاً: رسم خريطة لمستقبل ماليزيا حدد فيها الأولويات والأهداف والنتائج، التى يجب الوصول إليها خلال 10 سنوات.. وبعد 20 سنة.. حتى 2020.
ثانياً: قرر أن يكون التعليم والبحث العلمي هما الأولوية الأولى على رأس الأهداف، وبالتالي خصص أكبر قسم فى ميزانية الدولة ليضخ فى التدريب والتأهيل للحرفيين .. والتربية والتعليم.. ومحو الأمية.. وتعليم الإنجليزية.. وفي البحوث العلمية.. كما أرسل عشرات الآلاف كبعثات للدراسة فى أفضل الجامعات الأجنبية.
ثالثاً: أعلن للشعب بكل شفافية خطته واستراتيجيته، وأطلعهم على النظام المحاسبى، الذي يحكمه مبدأ الثواب والعقاب للوصول إلى “النهضة الشاملة”، فصدقه الناس ومشوا خلفه ليبدأوا «بقطاع الزراعة».. فغرسوا مليون شتلة «نخيل زيت» فى أول عامين لتصبح ماليزيا أولى دول العالم في إنتاج وتصدير زيت النخيل وحققت اكتفاءها الغذائي التام بل وشرعت تصدر فائضها الزراعي !
وفي السياحة: قرر أن يكون المستهدف في عشر سنوات هو 20 مليار دولار بدلاً من 900 مليون دولار عام 81، لتصل الآن إلى 33 مليار دولار سنوياً.
هذا ما تفيدنا به المعلومات الموضوعية المنشورة على مواقع ويكيبيديا الموسوعية وخلاصتها أن كل نهضة حقيقية لأي شعب لا بد أن تنطلق من التربية والتعليم من أجل تأسيس الإنسان وجعله هو ذاته القادر على تطوير نفسه وقيادة البلاد نحو المستقبل.
ومن التربية توجه الزعيم الماليزي إلى القطاع الحيوي الأهم أي الزراعة فكرس لها المخططات ذات الأولوية لتكون خدمة الأرض هي الدينامو لكل تنمية عميقة
ومستدامة. وللحقيقة هذا عكس ما فعلته دولة الاستقلال في بلاد عربية أعرفها جيدا وهي تونس فقد راهن الزعيم بورقيبة على التعليم وهو مكسبه الأول ونجح فيه لكنه عوض إسناد هذا الخيار الصحيح بتعزيز الزراعة وجه جهود الدولة للقطاع السياحي وهو قطاع هش لأنه مرتبط بمصالح الوكالات الأوروبية العملاقة الموزعة للسياح علينا وعلى غيرنا ومرتبط بتوفير الأمن وكما اتضح لنا مع الأسف أن بلادنا ليست في مأمن أمين من عمليات إرهابية دمرت مؤقتا هذا القطاع ونحن جزء من العالم المعقد المعرض للعنف. ولكن حتى بعد أزمة السياحة عندنا قامت الدولة بتعويض أصحاب المؤسسات السياحية الفندقية بعض خسائرهم
ولم تساعد المزارعين بما يمكنهم من تأجيل تسديد القروض وتوفير المواد الفلاحية الضرورية من أعلاف لمواشيهم وبذور لأراضيهم في زمن صعب يجد المزارع التونسي فيه نفسه في مهب رياح الخسارة وانسداد افاق التصدير والعجز عن تسديد الديون للبنوك! وهكذا فقد أسس بورقيبة للتربية
والتعليم ونجح في إعداد المواطن التونسي القادر بالمعرفة على تجاوز الأزمات لكنه فشل في تعزيز هذا الخيار بتوجيه الأولوية للأرض وما أدراك ما الأرض ! هنا يكمن سر إقلاع ماليزيا وسر تعطل التنمية في تونس. ولعل الخير والحكمة يأتيان عن طريق رئيس الحكومة الجديد الشاب يوسف الشاهد حتى يغير (لوجيسيال) الاصلاحات التونسية بالكامل لا الاكتفاء بالترقيع وأنصاف الحلول لأن هذه الحكومة لديها الفرصة الأخيرة لترميم أطلال الاقتصاد وتطهير مؤسسات الدولة والإقلاع بالشعب !
لنأخذ نموذجا ثانيا لتجربة مثالية في النهضة الشاملة بأداة المدرسة والتعليم : فنلندا. فنلندا تعد البلاد الثامنة من حيث المساحة في أوروبا وأقل بلدان الاتحاد الأوروبي كثافة سكانية، وتتزعم فنلندا اليوم قائمة أفضل بلاد في العالم في استطلاع مجلة نيوزويك ثم في إحصائيات المنظمة الدولية للتنافسية عام 2015 من حيث الصحة والاقتصاد والتعليم والبيئة السياسية ونوعية الحياة، كما تعتبر فنلندا ثاني أكثر البدان استقراراً في العالم وهي صاحبة أول وأكبر شركة مصنعة للهاتف الجوال (نوكيا) … السر يكمن في سن نظام تربوي ذكي لا يكتفي بالتلقين كما في مدارسنا العربية بل يؤسس المواطن المسؤول والمقتدر فساعات التدريس لا تتجاوز الثلاثة يوميا ويمنع أي واجب منزلي تعودنا عليه نحن العرب فدمرنا النمو الطبيعي للأطفال بأعباء لا طائل من ورائها ثم إن المدارس الفنلندية ليست متشابهة البرامج لأن المدرسة عندهم تندمج إندماجا كاملا وناجعا في البيئة التي توجد فيها فالمدرسة لها مجلس أمناء من رجال الأعمال وأصحاب الشركات العاملين في نفس بيئة المدرسة
وتمنع الدولة الفنلندية خصخصة التعليم بحصر العملية التربوية في مؤسسات الدولة لا كما نفعل نحن حيث أصبحت لدينا ما شاء الله مدارس خاصة 5 نجوم ومدارس حكومية (شعبية) لأولاد الفقراء. أنا أقول هذا ولي ثقة في وزير التربية التونسي الزميل ناجي جلول فهو مجتهد ولديه الجرأة بمبادرات ذكية لكني أشعر أنه ينوء بحمل أثقال النظام التعليمي التونسي التقليدي والعريق ويطمح للإبداع فلا يتحرك معه الجهاز الإداري الثقيل والمتراكم بل يكبل يديه ويدفعه دفعا نحو طاحونة الشيء المعتاد منذ ستين عاما إلى جانب منظومة نقابية مطلبية يصعب ايجاد حلول سريعة لمشاكلها المهنية والمعيشية في ظروف بلادنا المتأزمة.
وأمامنا المعجزة اليابانية وللتذكير فإن نهضة اليابان بدأت في نفس السنوات التي بدأت فيها نهضة العرب على أيدي محمد علي باشا في مصر أثناء مرحلة الإصلاحات الكبرى من 1805 الى 1848 حيث تبوأت مصر أعلى المراتب في التعليم والتجارة والجيش والصناعة وفي اليابان سنة 1848 دشنت الأسرة الحاكمة (مايجي) عهدا زاهرا بالتعليم والأخذ بأصول النهضة الصناعية واليوم التكنولوجية أي أننا نحن العرب واليابان انطلقنا مثل العدائين الأولمبيين من نفس الخط في نفس اللحظة ولكن انظروا نتيجتنا ونتيجة اليابان على خط الوصول سنة 2016! وقارنوا بيننا وبين هذه الأمم ! ولذلك أقول أننا مثلا في تونس لا نحتاج الى رئيس بل نحتاج الى زعيم !ولانحتاج الى حكومة بل نحتاج الى فريق مناضلين يحقق لنا المستحيل الممكن.

إلى الأعلى