الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مجرد إنسان

مجرد إنسان

kنمير بن سالم آل سعيد

**
الرحلة مكتملة العدد، وحظي أوقعني في الجلوس مع رجل لفظ انفاسه الاخيره بعد اقلاع الطائره. وهو الان على يميني ميت.
ابلغت طاقم الطائره برغبتي للانتقال من مكاني الى اي مكان آخر، فلم يجدوا لي مقعدا شاغرا لامتلاء الطائره بالركاب.
طلبت أن ينقلوا الميت الى اي مكان في الطائره. فلم يستجيبوا لطلبي، فنقله قد يسبب القلق والاضطراب لراحة المسافرين وغير مسموح حسب الانظمه المتبعه، وكان عليّ ان ابقى مع هذا الميت سبع ساعات، طوال فترة رحلة الطائره الى وجهتها.
نهضت من مكاني ووقفت في الممر بعيدا عن المتوفي فطلبوا مني العودة الى مقعدي، فإشارة ربط الاحزمه مضاءه، ولا يصح الوقوف في ممرات الطائره في كل الاحوال لضمان انسيابية الحركه بالطائره حين تنطفئ اشارة ربط الاحزمه.
عدت الى مقعدي مضطرا وانا في حالة من عدم الارتياح من هذا الميت الذي يجلس بجانبي.
ولاحظ احد الركاب قلقي وعدم ارتياحي وعرف بأن الذي يجلس بجانبي ميت.
فقال: لا عليك، الاحياء يتشاءمون من الاموات ويخافون من تواجدهم معهم، حتى اقرب الناس واعزهم للميت لا يريد التواجد معه اكثر من لحظات او دقائق، ويكتفي الاحياء بنظرة وداع اخيره على الميت وربما قبلة سريعه على الجبين، ويسارعون في مواراتهم التراب، ثم ينفض الجميع في اتجاهه، فما بالك انت، وانت لا تعرف الميت ؟.
وقال الثاني: مسكين هذا الميت، لم يعلم بأنه سيموت اليوم فقد صحا من نومه مثلما صحا جميع البشر وامامه حياته كلها ليعيشها، وهب عليه الموت دون سابق انذار، قاطعا عليه حياته.
قال ثالث: وهذا الموت لا يريد الناس ان يتذكروه أو احد يذكرهم به ولو على سبيل العبره و الموعظه، ويتشاءمون منه وينفرون، ويعتقدون بأنه بعيدا عنهم وهو ليس الا للعجزه وكبار السن والمرضى و الميئوس من شفائهم، ويمضون في حياتهم هكذا ساهون عنه غافلون، الى ان يأتي الموت ويقبض ارواحهم فجأة، يدركهم الموت ولو كانوا عاليا في السماء منطلقين يجتازون السحاب.
قال رابع: ولد هذا الميت في هذه الحياة مخلوقا ضعيفا هشا تحميه والدته ووالده حتى من نسمة هواء عابرة، الى ان كبر واشتد عوده واصبح يخرج في مواجهة الحياة، ولديه افكاره ومعتقداته، ومشاريعه وطموحاته، ومشاكله وصراعاته، من اجل هدف واحد هو الحصول على السعاده، فالسعادة هي هدف الانسان في الحياة، وكل يتخذ طريقه ومنهجه للوصول اليها، حتى اذا تحمل في سبيل ذلك الالم والمعاناة يعيش على أمل تحقيق السعادة يوما ما والوصول بذلك الى مراده.
وتناول الحديث احدهم قائلا: قد تكون السعادة في نظر البعض في مرضاة الله بالصلاة والعباده وتجنب المعاصي والكبائر والعيش بحياة طاهره حسب المنظور الاسلامي، فيسعى المرء لذلك الهدف مجتهدا صابرا محتسبا من اجل الاستمتاع بالسعادة الايمانيه في الحياه والفوز بالجنه في الاخره.
وقد تكون السعاده في نظر البعض الاخر في اللهو والتسليه والسهر وارتكاب المعاصي، فيهيئ لنفسه اسباب ذلك دون اكتراث او مبالاة.
والبعض الاخر يرى سعادته في الكسب المادي وتكديس الاموال وتخزينها وتعاسته في صرفها، فيعمل لذاك الهدف الذي يسعده دون غيره.
والبعض الاخر يرى السعادة في بعض من هذا وذاك وتلك بمتناقضات الحياة المختلفه … فيعيش بذلك الاسلوب والمنوال.
والجميع نهايته كهذا الذي يجلس بجانبك غائبا عن الدنيا، مصيره في علم الغيب.
قلت: صمتا، لنلتزم الهدوء احتراما للميت. حينها كل ادار رأسه الى مكان، ولم ينبس بكلمه.
جلست استرق النظر الى هذا الميت الذي يجلس بجانبي، عيناه تنظران الى الفراغ المميت، جسده بلا حراك، وروحه علمها عند الله، هل غادرت الطائرة بعد ان غادرت جسده ونحن على ارتفاع خمس وثلاثين الف قدم ؟ وهل تعرف طريقها من هنا اذا غادرت ؟! واين ستذهب ؟! ام هي لا تزال موجوده ترفرف في المكان بانتظارهبوط الطائر ؟!
أغمضت عيني الميت المفتوحتين على العدم، وقرأت الفاتحه على روحه، وترحمت عليه وسألت الله له القبول، وانا لا اعلم الى اية ديانة ينتمي هذا المتوفي.
وماذا فعل في دنياه ؟ وماذا اقترفه ؟ وما هي سيئاته وما هي حسناته ؟ وماذا كان له وماذا كان عليه ؟ وماذا كان يريد ؟ وماذا حقق ؟ وما الذي جناه وما الذي فاته ؟ وماذا كانت الجدوى من وجوده ؟ ومن أين أتى، ولماذا جاء، ولماذا رحل ؟ وما هي قصته التي بدات وانتهت ؟
انقضت حياته وهو يتمنى لو عاش العمر كله مائة عام، وكان قبل قليل مفعما بالحياة والامل. وكان هذا اليوم كباقي الايام في حياته تشع منه طاقة الحياة وحيويتها، الى ان وافته المنيه وهو يجلس بجانبي، وشهدت موتته مفارقا الحياة.
هذا الميت انتهى الان، وبذلك خسر ثروته اذا كان غنيا ليأخذها من يستحق أو لا يستحق، وتتوقف سلطته اذا كان ذا نفوذ ليقبضها غيره. وتتبدد حكمته اذا كان رشيدا وتنعدم.
اختفى من هذه الحياة بموته وتلاشى من الوجود وانقضى، ترك عائلته واهله واصدقاءه وبيته ووظيفته وممتلكاته، وحياته كلها ليغادر الى المجهول وحيدا مجردا.
ترك محبيه وكارهييه، رؤساءه ومرءوسيه، هزائمه وانتصاراته، نجاحاته واخفاقاته، تكبره وتواضعه، ضعفه وقوته، حاضره ومستقبله وماضيه. لم يعد لديه شيء الآن، ولا شي يستطيعه، لن ينطق بعد اليوم، لن يتكلم، لن ينفع او يضر، لن يوافق او يرفض، لن يخطئ أو يصيب، لن يعارض او يؤيد، لن ينتقم او يسامح، لن يحب او يكره، لن يفرح أو يحزن، لن يثور او يغضب، لن يظلم أو يعدل، لن يكون أو لا يكون.
قدر على البشر كٌتب هذا الموت، يحصد الناس كل يوم، ومن جاء موعد حصاده لا يقبل التأجيل.
انظر الى الجالس بجانبي وهو غير نابض بالحياة، مليء بالاسرار لا يفصح عن مكنوناته هذا الموت، ولا أحد يستطيع فك طلاسمه، فأغرا فاه يبتلع الحيوات تلو الحيوات، جبار لا يشبع، في جوفه العدم.
ستبكي عليه هذا الجالس بجانبي عائلته واصدقاؤه ومقربوه، وسيوارى التراب وستضمحل ذكراه، فالحياة ذاكرتها ضعيفه حين ياتي ذكر الاموات، ولا تريد الحياة الانشغال الا بذاتها، وليس بالذين رحلوا مهما عظموا في قلوبنا.
فذكراهم تجلب الحزن والالم وتشعر الاحياء بضعفهم وقلة حيلتهم امام جبروت الموت وسطوته وقوته الطاغيه على البشر. والانسان مهما كان مجرد انسان يعيش ويموت وما بين ذلك ينقضي وينسى وبالوفاة يفوت.
هذه هي الحياه وكل شيء فيها الى نهاية. وكلماتي التي تقرؤن جاءت الان لنهايتها لتنتهي.
إذن سألوذ بالصمت، وأسدل الستارة على التفكير.

إلى الأعلى