الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

تباريح تربوية (2)

**
في منتصف العام الدراسي 1973 / 1974 انتقلت مع بقية طلاب منطقة البيوت الشعبية(منطقة سكنية أنشئت بجوار قصر الرباط العامر بصلالة في مستهل السبيعينات للمواطنين الذين انتقلوا إلى مدينة صلالة للإستقرار وتعليم أبنائهم) إلى مدرسة مبنية من المواد غير الثابتة أطلق عليها لاحقا مدرسة محمد بن القاسم الثقفي. في ذات يوم وبينما كنا نلعب الكرة في ساحة ترابية بجوار مبنى من الطابوق والصفيح أقبل علينا شاب في الثلاثينات من العمر تقريبا، يركب دراجة بخارية مردفا معه على الدراجة ولدين، بالإضافة إلى حمولة من الكتب والقرطاسية. ركن دراجته بجوار إحدى الغرف، نزل مقبلا علينا، رد علينا السلام مبتسما وهو يصافحنا، ثم طلب مساعدتنا في نقل تلك الأدوات إلى غرفة الإدارة، وأخبرنا بأن هذا المبنى سييصبح مدرستنا، وعلينا أن نساعده في تهيئته وتنظيفه. وخلال وقت وجيز كنا ننظف القاعات ونكنس الساحة التي صارت فيما بعد طابورا وفي غضون أيام قليلة امتدت الكهرباء إلى قاعات ذلك المبنى المتواضع بعد تركيب السبورات وتثبيت سارية العلم فاكتملت بذلك مرافق المدرسة، حدث ذلك في أيام قليلة، ثم تم نقلنا من المدرسة السعيدية المسائية إلى تلك المدرسة الصغيرة المتواضعة. كان عدد الطلاب داخل الفصول يتراوح ما بين الآحاد والعشرات، وكانت هيئة التدريس تتكون من مدير وهو الأستاذ عوض بن عيسى محفوظ آل الشيخ الذي لم يمكث طويلا إذ تم تكليفه لاحقا بأعمال إشرافية في مكتب الإشراف التربوي، واستخلف معلما مصريا يدعى محمد محمد جزر؛ صار مديرا ومعلما للغة العربية، وكان يساعده معلمون آخرون من الأردن ومصر ومن السلطنة. لم يكن للمدرسة عمال يقومون على تنظيفها، وكنا نحن الطلاب نتناوب في التبكير إلى المدرسة لتنظيف الفصول وساحة المدرسة ومرافقها، وتهيئة قاعات الفصول لتكون جاهزة عند دخول الطلاب، كانت الدراسة ممتعة جدا، وكان وقتنا يذهب بين المدرسة واللعب، فلم تكن هناك مشاغل أخرى تسرق أوقاتنا، وفي تلك المرحلة أتذكر أنني بدأت هواية القراءة والمطالعة وبدأت أكتب نصوصا بسيطة للأسف لم أحتفظ بها، وكان الموقف التربوي الذي رسخ عندي حب الكتابة هو ما قام به مدير المدرسة الأستاذ محمد جزر الذي فاجأني بقراءة نص الإنشاء الذي كتبته وأنا في الصف الرابع الإبتدائي وتمريره على جميع فصول المدرسة، وأيقظ في عقلي موهبة لم أكن سألتفت إليها يوما لولا تشجيعه وترسيخ ذلك الاعتقاد بداخلي. وقد شجعني تصرفه التربوي على القراءة والمطالعة والإنشغال بالفكر والثقافة، ومنذ تلك الفترة صرت أرتاد مكتبة العائلة ومكتبة أخرى تبيع الكتب في غرفة صغيرة ملحقة بالمدرسة السعيدية بالحصن، وأذكر أن أول كتاب اقتنيته في حياتي ولا يزال في مكتبتي حتى الآن؛ هو كتاب العنكبوت للمفكر المصري الراحل الدكتور مصطفى محمود، لم أفهم الفكرة الفلسفية المركبة للكتاب، ولكنني كنت سعيدا جدا بالكتاب وصرت أعتبر نفسي مثقفا، لأن المثقف في عرف الناس في تلك الأيام كان محل تقدير وتبجيل، وفي تلك المرحلة صرت أشتري أعداد مجلة العربي الكويتية، وكان مستوى مقالاتها أعمق بكثير من مداركي، لكنني وبطريقة عفوية كنت أشاهد الصور وأقرأ ما كنت أستوعبه من موضوعات وخاصة القصص القصيرة والتحقيقات الصحفية وأدب الرحلات، ثم في مراحل لاحقة عشقت أدب المهجر وأقبلت على قراءة كتابات ميخائيل نعيمة وتوفيق يوسف عواد، ومارون بعود، وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وغيرهم وكذلك الأدباء المصريين من أمثال المنفلوطي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ، وتبلورت عندي هواية القراءة، وكان وقتي يتسع لذلك وبدأت أسقي خيالي بتلك القراءات لأدبية وأخلق عالما خياليا أتقمص من خلاله شخصيات أبطال ما كنت أقرأ. صرت أخلق في عقلي وأنا في مستهل مرحلة المراهقة عالما من الحرية والجمال والإثارة، وكان المعلمون يشجعوننا على القراءة، ويقرأون النصوص التي نكتبها في حصص اللغة العربية وفي الطابور وأمام الضيوف، وكنا نحرر مجلات الحائط بأنفسنا، ونشارك في مسابقات أوائل الطلبة، وندير الإذاعة المدرسية، وننظم الرحلات، كان المعلمون منتمين سياسيا إلى هموم الأمة العربية وكانت أخبار حرب 1973 تشغلنا وقد شاركنا في جمع التبرعات وتقديمها الى لجان التطوع، وكان المذياع هو نافذتنا على العالم، فكنا مشغولين جدا ونحن أطفال بقضية فلسطين، واستطعت لاحقا أن أقرأ قصص الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، التي تتناول البعد الإنساني للقضية الفلسطينة والمعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون في مهاجرهم، كانت تلك القراءات والنصوص المدرسية تكرس فينا كتلاميذ في المرحلة الإبتدائية البعد القومي وقيم البطولة والتضحية، وكانت ساحة المدرسة في تلك الأيام هي القناة التي نبلور فيها تلك المعاني من خلال المناقشات والحوارات بيننا وبين أساتذتنا الذي كانوا بحق مثقفيين ومفكرين ويمثلون لنا قدوات حقيقية، وفي صباح جميل من بدايات العام الدراسي 1974 فؤجئنا بموكب مهيب لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم يزور المدرسة لتفقد أحوال الطلاب والمعلمين، فخرجنا إلى ساحة المدرسة ونحن نحييه ونهتف بإسمه ونصفق فرحا وابتهاجا بزيارته الميمونة. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي زارنا فيها، بل كانت زيارته إلينا وإلى بقية المدارس تتكرر في أوقات متقاربة، وكانت تلك الزيارات تشحذ هممنا وتشعر أساتذتنا الوافدين بمكانة تعليمنا في عقل القائد.

رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى