السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المصريون يستهلكون .. ينفقون .. يشتكون

المصريون يستهلكون .. ينفقون .. يشتكون

محمد عبد الصادق

” يفسر البعض حالة التبرم والحنق وإدمان الشكوى التي يمر بها المصريون مؤخراً ؛ ربما يكون ناتجاً عن ارتفاع سقف الآمال والطموحات عند المصريين عقب ثورة 25 يناير وحلمهم بالتخلص من الفقر والفساد والمحسوبية وسيطرة الأقلية النافذة على ثروات البلاد ومقدراتها, ثم بعد مرور خمس سنوات لم يجدوا شيئا تحقق من الشعارات التي رفعت في الثورة؛ ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عائد من زيارة للقاهرة بعد غياب عامين .. لا أخفي سراً أن القلق كان يساورني وتتنازعني الظنون, حتى أنني فكرت في إلغاء الزيارة متأثراً بالأخبار السيئة التي تتواتر عن مصر في وسائل الإعلام , والانطباعات السلبية التي تصلني عبر حكايات العائدين من القاهرة, والصور المزعجة التي تبثها شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت التي تصر على انعدام الأمن وغياب الاستقرار وانتشار السرقات والبلطجة وسرقة الأعضاء وتوسع أجهزة الأمن في القمع والانتهاكات بحق المواطنين , ناهيك عن غلاء الأسعار والأزمات المعيشية المتتابعة في السلع والخدمات.
ولم يقتصر الحديث عن سوء الأحوال في مصر على وسائل الإعلام المحلية والعربية, بل امتد إلى الإعلام الغربي, فخرجت علينا مجلة “الإيكونميست” البريطانية ذائعة الصيت والتي يستند إليها في دراسات الجدوى الاقتصادية ـ في شهر أغسطس الماضي بتحقيق مكون من أربع صفحات تتصدره صورة تخيلية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيه العسكري وهو يمتطي ظهر جمل ويقف أمام الأهرامات, وكان المقال بعنوان ” خراب مصر” وفيه تنصح “الإكونوميست” السيسي بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 2018م , بعد إخفاقه في إدارة شؤون البلاد لاسيما الجانب الاقتصادي, واتهمت نظامه بأنه أشد قمعاً من حسني مبارك وأنه يفتقر للكفاءة مثله مثل محمد مرسي الرئيس المعزول ووصفت المجلة الاقتصاد المصري بالمفلس وأنه يعيش فقط على المنح السخية من دول الخليج, والمعونات العسكرية الأميركية.
وانتقدت المجلة الإدارة المالية للحكومة المصرية التي أوصلت عجز الميزانية لقرابة 12% من إجمالي الناتج المحلي, وتجاوز معدل البطالة بين الشباب إلى 40% , وقطاع خاص عاجز عن استيعاب الأيدي العاملة الجديدة الملتحقة بسوق العمل بسبب سيطرة الدولة على الاقتصاد ووضعها العراقيل أمام القطاع الخاص.
ورغم أن المجلة أقرت بوجود عوامل خارج السيطرة فاقمت متاعب الاقتصاد المصري كتدني أسعار النفط وتراجع حركة التجارة العالمية واستمرار الحروب والنزاعات المسلحة وتنامي ظاهرة الإرهاب التي طالت دول المنطقة ـ إلاّ أنها ترى أن استمرار السيسي في الحكم يجعل الأمور أكثر سوءاً؛ حيث حملته المسؤولية عن تدهور قيمة الجنيه المصري وفشل حكومته في السيطرة على أسعار المواد الغذائية التي تستورد مصر معظمها من الخارج .
تغلبت عاطفة الحنين للوطن, ونحيت كل تلك الهواجس جانباً ووطأت قدماي أرض مصر, وقررت أن أتخلى عن كسلي وأترك سيارتي وأتواصل مع المصريين المحدثين, تعمدت أن أمشي في شوارع القاهرة العتيقة بغير هدى ولا هدف محدد سوى استرجاع الذكريات وتفقد أحوال الناس العاديين وقراءة الوجوه والسلوكيات والتعرف على ملامح الأجيال الجديدة التي لم يسبق لي التعامل معها بسبب سنوات الغربة والظرف التاريخي الاستثنائي الذي تعيشه الأجيال الشابة في مصر عقب ثورة 25يناير .
أتيحت لي الفرصة لزيارة الريف حيث الجذور وقبور الراحلين, كما تعمدت زيارة المناطق العشوائية القريبة من سكني حيث أقيم بأحد الأحياء الشعبية المتوسطة, قضيت أكثر من أسبوع بأحد المنتجعات الراقية بالساحل الشمالي, جلست على المقاهي الشعبية الرخيصة مع أصدقاء الطفولة, ارتدت المطاعم والمقاهي الفارهة, جالست الفلاحين والعمال البسطاء, تحاورت مع رجال الأعمال وكبار الموظفين وصغارهم وتناقشت مع قضاة وصحفيين ومثقفين, حاولت التعرف على أحوال مصر من خلال آراء هؤلاء في الأحداث السياسية والمعيشية على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والجهوية ؛ تعليمهم وثقافتهم وطبقتهم الاجتماعية وأوضاعهم المادية.
كانت السمة الغالبة على أحاديث هؤلاء هي الشكوى: الشكوى من الغلاء وسوء الأحوال الاقتصادية وقلة فرص العمل وانتشار الفساد والرشوة, وتمنى عليّ كثير منهم أن أساعد ابنه أو ابنته المتخرجة حديثا في الحصول على فرصة سفر للعمل في الخارج, وعندما سألتهم عن الأعمال التي يمارسها أولادهم في مصر, كان رد أحدهم:” أبني قام بالتعاون مع مجموعة من زملائه الخريجين بتأسيس مركز خدمة لتوصيل السلع المشتراة عبر الإنترنت إلى الزبائن بعدما أبرموا عقدا مع كبرى شركات البريد السريع العالمية وأن هذا المشروع يدر عليه ربحاً بآلاف الجنيهات مكنه من اقتناء سيارة حديثة رغم الفترة القصيرة التي مرت على بداية المشروع ؛ ورغم ذلك يعتبر الأب أن ابنه عاطلاً ويبحث له عن وظيفة حكومية أو فرصة عمل في الخارج, وهناك صديق آخر استثمرت ابنته موهبتها في الرسم واحترفت مهنة الرسم بالحناء وطورت هوايتها بالتسويق لها على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت وأصبح لها زبائنها الذين يطلبونها لإحياء الأعراس والمناسبات السعيدة التي لا تنقطع في مصر وتحصل على ربح مجزٍ من هذا النشاط ورغم ذلك تعتبر نفسها باحثة عن عمل ويحسبها أبوها في عداد العاطلين.
حاولت إقناع الجالسين بأن الأزمة ليست فقط في غلاء الأسعار ولكن الأزمة الأشد هي عدم وجود سلع أو بضائع تشتريها بـ”الفلوس” , وأن هناك شعوبا يملك بعض أفرادها الملايين ولا يجدون وطنا يعيشون فيه وإذا استطاعوا العيش في أوطانهم لا يجدون شيئا يشترونه, وصادفت من هؤلاء كثيرين من الأشقاء العرب من سوريا والعراق وليبيا واليمن جاءوا لقضاء إجازاتهم الصيفية في القاهرة بعدما حالت الأوضاع المأساوية في بلادهم دون قضاء إجازاتهم في أرض الوطن.
رغم غلاء الأسعار .. رأيت الأسواق والمتاجر عامرة بالسلع والبضائع المحلية والمستوردة “إذا بحثت عن “لبن العصفور” ستجده في مصر” وهناك إقبال كبير على شراء كافة السلع.. حركة نقل البضائع على الطرق منتعشة حتى أن سيارات النقل تسير في جميع الحارات ولا تترك فرصة لبقية المركبات, هناك إقبال منقطع النظير على دور السينما والمسرح حتى أن هناك حفلات تمتد للرابعة فجراً, لا توجد مشكلة أمنية فالشوارع والطرقات تعج بالسائرين حتى الصباح , ولم أرى حالة تحرش أو مضايقة للفتيات خلال أيام العيد كما كنا نسمع من قبل.
يفسر البعض حالة التبرم والحنق وتكرار الشكوى التي يمر بها المصريون؛ ربما يكون ناتجاً عن ارتفاع سقف الآمال والطموحات عند المصريين عقب ثورة 25 يناير وحلمهم بالتخلص من الفقر والفساد والمحسوبية وسيطرة الأقلية النافذة على ثروات البلاد ومقدراتها, ثم بعد مرور خمس سنوات لم يجدوا شيئا تحقق من الشعارات التي رفعت في الثورة؛ بل وجدوا الوضع أكثر سوءا عن ذي قبل, فثروات الأغنياء لم تمس بل ازدادوا غنى والسواد الأعظم من الشعب زادت أعباءهم بعد رفع الدعم وزيادة أسعار السلع والخدمات وثبات الأجور وقلة فرص العمل المجزية, ولكن تظل مصر وطنا يستوعب الجميع , ” ولا ينام فيها أحد جوعان”.

محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري
Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com

إلى الأعلى