الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العراق إلى أين؟

العراق إلى أين؟

كاظم الموسوي

” الحقائق المعروفة في العراق تشير الى اغلب ما ذكر في النقاط أعلاه وتؤكد على ان المحتل نجح في تكريس المحاصصة، نظاما سياسيا، منشطرا طائفيا واثنيا، عموديا وأفقيا، ومسلح بها. وما يجري داخل كل طرف من اطراف العملية السياسية من صراع يؤكد ذلك ويشرح روح التفرد والاستئثار وتغليب المنافع والنفوذ على المصالح الوطنية العامة والسياسات الجامعة والقادرة على البناء والأعمار والتنمية بإخلاص ونزاهة وأمانة وحرص فعلي.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في لقاء ضم “نخبة” من العراقيين، اكاديميين وإعلاميين وكتاب وسياسيين، رسميين ومعارضين، منخرطين بالعملية السياسية الجارية او مختلفين معها وعليها، على وجبة طعام عراقية شعبية، سماها ابن احدهم من الجيل الثاني الذي يعيش في بريطانيا حاليا بانها “الفطور العراقي”. وخلالها جرى حوار عام ايضا حول ماذا بعد تحرير الموصل من ما يسميه الاعلام بـ”داعش”، او العراق الى اين؟!. وفي المداولات طرحت آراء جديرة بالتفكر والتأمل. الخصها في نقاط:
* تحرير الموصل من “داعش” سيحصل حتما، بأيد عراقية ودعم من يسمونه “التحالف الدولي”، وبعده قد يصدر المرجع الديني السيد علي السيستاني فتوى بانتهاء صلاحية فتوى الجهاد الكفائي، وهنا تنتهي مهمة تشكيل الحشد الشعبي، وهذا له صدمته اولا، وله ما بعدها ثانيا، والسؤال: هل يقبل قادة الحشد بهذه النهاية، او ما هو موقفهم بعدئذ؟.
* لا حل للعراق إلا بتسلم قائد عسكري صارم الحكم، يفرض القانون بالقوة، ويتمكن من انهاء الحساسيات القائمة وأعمار ما خرب في العراق خلال السنوات التي استمرت منذ الاحتلال، وتنصيب حكومة تكنوقراط مدنية لفترة زمنية للاستقرار السياسي، ويديرها العامل الخارجي.
* مازال للمرجعية الدينية دور في حماية الوحدة الوطنية والضغط على ادامة روح مقاومة المشاريع الصهيو غربية الهادفة الى تهديم العراق والمنطقة. وتعمل على كشف الاقنعة التي تراهن على التخادم الاجنبي والإرهاب الدموي ومحاربة اشكالها العملية، المتمثلة في تنظيم داعش والمدافعين عنه بأساليب مراوغة.
* تفتيت العراق وتقسيم المقسم فيه، وغياب الدولة وانفراط اسم العراق، وظهور اسماء جديدة بحجم وقدرة المليشيات التي ستحكم المناطق التي تعود اليها. وهناك اعداد كبيرة منها، من كل المكونات او في كلها.
* الصراعات القائمة حاليا بين المكونات او داخلها ستبرز اكثر وتصبح نتائجها هي المتحكمة بما يراد للعراق. والجميع بيده اسلحة وربما قرارات او اوامر مسبقة.
* فقدان روح المواطنة والشعور بتجذره في الوعي الوطني لكل مواطن عراقي، وغياب الاحساس بتشكل الدولة العراقية والانتماء لها منذ اعلانها في العشرينيات من القرن الماضي والى الان.
* يبدو ان روح التشاؤم هي الغالبة لما يجري والخوف مما سيحدث في العراق، خصوصا من عودة لما سبق الاحتلال بأشكال اخرى. وربما ما حصل لحد الان لا يبشر بما سيحصل، والأزمة اكبر من الصورة القائمة حاليا.
* بعض التشكيلات المكونة للحشد الشعبي سابقة للفتوى وتابعة لأحزاب مشاركة في العملية السياسية ومنها من له ارتباطات خارجية ولا تلتزم بالفتوى، لاسيما وبعضها له مرجعيته الدينية، ولا تتبع السيد السيستاني. وهي مع غيرها قدمت دما وصارت لها مصالح مادية.
* يجري حاليا اعداد قيادة عسكرية لتحرير الموصل في عاصمة مجاورة للعراق وتلقى تأييدا اقليميا ودعما ماليا وعشائريا، وتختبر كنموذج لحكم العراق مستقبلا، اي تنزل من الشمال الى الجنوب.
* لا داع للتشاؤم، هذه مسؤوليتنا كعراقيين، للبحث في مستقبلنا، عن مصيرنا نحن واولادنا وأحفادنا، وعدم التهرب منها، والتشاؤم لا يحل المعضلة ولا يقلل من اخطارها، ولابد من العمل لدرء الاسوأ.
* العموميات لن تخدم ولا تصلح لأي حل. لابد من التشخيص وبالأسماء، من وماذا والى اين المسير، معا او بدون؟!، التخطيط يستند الى الوقائع والبناء عليه بما يضع النقاط على الحروف وبجرأة لا محيد عنها.
* ما طرح سيناريوهات متعددة ومتناقضة، وقد او ربما يحصل بعضها، ولكن الاهم في الامر هو غياب المشروع الوطني والحركة الوطنية البديلة، والكاريزما الوطنية القادرة فعلا على تكوين قوة المواجهة والحوار مع اصحاب القرار المصيري، وهنا اس المعضلة العراقية ومستقبلها.
* المواطنة والطائفية هي الاشكالية التي توفر الفرصة لما يمكن ان يحصل للعراق، من تشظي وخراب. ولابد من العمل اولا على التخلص من الانقسام الطائفي وثانيا تكريس روح المواطنة.
الحقائق المعروفة في العراق تشير الى اغلب ما ذكر في النقاط أعلاه وتؤكد على ان المحتل نجح في تكريس المحاصصة، نظاما سياسيا، منشطرا طائفيا واثنيا، عموديا وأفقيا، ومسلح بها. وما يجري داخل كل طرف من اطراف العملية السياسية من صراع يؤكد ذلك ويشرح روح التفرد والاستئثار وتغليب المنافع والنفوذ على المصالح الوطنية العامة والسياسات الجامعة والقادرة على البناء والأعمار والتنمية بإخلاص ونزاهة وأمانة وحرص فعلي. واستمرار هذه القاعدة يسّر لتفشي الفساد السياسي والإداري والمالي والتنافس بين ممثليها ورموزها على المغانم والمكاسب الشخصية والفئوية اولا وأخيرا.
الوقائع تقول ان تأثير العوامل الخارجية قوي جدا، ويلعب احيانا دورا حاسما في رسم صورة القرار والانقسام، وإشاعة افكار المظلومية والانعزال او التهميش والإغراء بمكتسبات ومنافع. كما تضيف الوقائع الى مسألة هامة وخطيرة هي شيوع روح تقبل او حتى المبالغة في طاعة المحتل وخططه وقبول مشاريعه وتضليله، أي ان قابلية التخادم معه والرضا بمشروعه قائمة بقوة. ومعروف انه في تاريخ كل احتلال وغزو اجنبي لأي بلد صناعة قاعدة اجتماقتصادية له من ابناء البلد وعبر قاعدته المشهورة، فرق تسد. وهذه لم تعد مخفية ولا مستورة.
الشواهد المنشورة تنبه الى تكرار مسؤولي اجهزة المخابرات المركزية الغربية، ولاسيما السي آي أي عن قراءتها المستقبلية، واشارتها الى غياب اسم العراق، وتجزيء دولة العراق الى “كانتونات” وحكومات عسكرية تديرها وتسميها بأسمائها خدمة واضحة لاهداف معلنة، تتعلق باستمرار الكيان الصهيوني وبقائه، قاعدة عسكرية إستراتيجية للامبريالية في المنطقة، ودعم وجوده وأهدافه في المنطقة. والخطر فيها هو العمل العلني او المعلن عن هذه الخطط وهناك تجاوب مشبوه من اطراف محلية وإقليمية. المسوغات والأسباب لا تحصى وليس صعبا تصنيعها او تفريخها. وتعكس فشل المشاريع الأميركية خصوصا في تطبيق برامجها وإعلاناتها قبل الغزو والاحتلال، وفشل السياسات الصهيو اميركية والمتخادمين معها، داخل العراق وخارجه.
والمعلومات او المسربات ايضا تؤكد وعلى الارض بناء قواعد عسكرية واستخبارية متعددة، اكثر من خمسة اميركية ومثلها تركية في شمال العراق، غير المناطق الاخرى، مزودة بأحدث المعدات والأجهزة التقنية وكذلك البشرية المتدربة والمختصة. وتتنافس او تتسابق معها بلدان اوروبية اخرى، المانية، بريطانية، ايطالية، استرالية وغيرها في التواجد بأشكال مختلفة، او اعلانات مموهة، حماية السدود، اعمار الاثار، المشاركة في المشاريع الاستثمارية في الطاقة والأمن وغيرها الكثير.. والأهداف من كل ذلك لم تعد سرية، وأبرزها اعادة الاحتلال والاستعمار ومده خارج العراق ايضا. حيث ان هذه ليست مبان وأعداد بشرية وملحقاتهم وحسب.
والوقائع اخيرا لها مفاعيلها وتداعياتها، وهنا المحك لكل القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية، والتاريخ يسجل دور كل منها ويقدم لها شهادته الوطنية وأين موقعها في المشهد السياسي ومرحلة التحرر الوطني التي يعيشها العراق الان، “وهنا الوردة فلنرقص هنا!”.

إلى الأعلى