الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : نحن والمستقبل

باختصار : نحن والمستقبل

زهير ماجد

مازال هنالك متسع من الوقت لإنقاذنا من الحسرات المتتالية التي هدت نظام حياتنا وغلبت فينا حس التشاؤم بأننا بالفعل أمة مدرجة على لائحة الفناء. اذ ثمة ابطال يقرعون المستقبل بتاريخهم الاستثنائي في التعبير البطولي الذي سلكوه، ووالله كلما تذكرت ثورة الجزائر عادت لي الروح وأصابني الامل من جديد، وكلما هبت رياح الاسود في سوريا والعراق على خيالي انفتحت نفسي لعشق الحياة.
لا أخاف على امتي من الكوابيس الهاجمة عليها .. في حياة الامم احيانا تواريخ مستعادة من عذابات سابقة، وامتنا العربية لها العديد من هذا القبيل، لكنها ظلت مخلصة الى وجدانها الذي أضاء سريرتها لتكمل دورها في فضاء الانسانية.
ربما سقط كثيرون في تلك الفوضى العارمة حتى من بعض المثقفين العرب .. تلك حال هذا البعض الذي لم ينل اللقاح الكافي لقوة الايمان بالتغيير، تعلمنا من الديالكتيك ذلك التناقض الذي يحكم حياتنا، والذي لولاه لما نظرنا إلى ماخلف الصورة، او الى الكأس الملآن ، ثمة دائما كما يقول احد أبرز علماء الجمال أن في الثوب الابيض نقاطا سوداء لانراها، وفي الاسود نقاط بيضاء لاتبان لنا ..
تلك الانعطافة التي تعيشها الأمة ليست سوى لفتة من التاريخ الا انها ستمر وان لم يكن بسهولة، بل باقتدار السواعد التي ستصنع المرحلة من جديد، او تعيد الصورة التي تشقلبت إلى واقعها المصحح. تلك الانعطافة اذن، قدر، لكنها تصيب عادة الأمم الطليعية، من يقف في الخلف لايراه احد ولا تصيبه الاحجار التي ترمى على الجمع.
معركتنا في الموصل مثلا ليست من اجل تلك المدينة العزيزة على قلوبنا فقط، بل هي تطهير من فكر اسود داهم قبل اي شيء ليعود رفع القيم الكبرى ووضعها في مكانها الطبيعي . وكذلك الحال مع كل مكان يقاربه العراقيون والسوريون ليغسلوا الهواء والتراب والافكار من مؤامرة الافكار الشريرة التي صنعت وزرعت ونمت وقيض لها ان تغزوا وتنجح في لحظة لم تدم ولن تدوم.
حنيني إلى الموصل كعربي مثله مثل ارتباطي بدمشق وبيروت والقاهرة والجزائر ومسقط وغيرها من مدن بلاد العرب .. تتشكل في نسيج تلك الاماكن حالة الرفض لما هو صادم لها .. ولهذا فهي تقاتله، تطرده وجودا مسلحا، ثم فكرا، هذا الغزو الذي يشبه الاحتلال، بل هو احتلال، قد يكون من مسؤوليتنا ابادته، لكن العالم ايضا مسؤول عن وضعيته، عن تقديم الامان له في فتراته، لا ابالغ القول انها مستمرة تحت فكرة اشغال العرب ببعضهم ، باعادة تشكيل مجتمعات جديدة ومختلفة عما هو سائد، ثم احياء كل ماهو سلبي في تراثنا الاسلامي والعربي.
نحن في مرحلة اختمار ( كمون )، ففي اللحظة التي تتحرك فيها جيوش العراق وسوريا وغيرهما لقتال التكفير، يتم تصنيع احلام الغد وافكاره وصوره .. فلا خوف على خسائرنا المادية التي نملك اعادتها افضل مما هي علي وبمحسنات الذوق والجماليات، وكلما اطيلت المدة، كانت هنالك تفاصيل غير مرئية لواقع جديد تتكثف للحظة التي نكون فيها قد انهينا الشرط العسكري بانتصار ساحق ومؤكد. عندها لن يكون فقط بناء ماتهدم، بل صورة الوطن الخارج من معنى الى قيمة مؤكدة بانها المنتظر دائما.

إلى الأعلى