السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مخاطر التنين الصيني

مخاطر التنين الصيني

د.احمد مصطفى

” قبل الحديث عن المخاطر الاقتصادية الكامنة في اقتصاد التنين الصيني، نشير إلى مشكلة أساسية في التعامل مع البيانات والأرقام الصينية، وهي أن ما يعلن رسميا لا يعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع. ليس فقط من قبيل “التلاعب” و”ضبط الدفاتر” الموجود بدرجة أو بأخرى في كل مكان ولكن لأن السلطات الصينية رغم التحول الاقتصادي ما زالت مركزية إلى حد كبير وتدير شؤون البلاد عبر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل أيام حلت ذكرى انهيار بنك الاستثمار الأميركي العملاق ليمان براذرز الذي كان إفلاسه قمة الأزمة المالية العالمية الأخيرة حين أعلن إفلاسه في 15 سبتمبر 2008 بعد موجة الانهيار في قطاع الإقراض العقاري وسوق العقارات في أميركا عموما. وتوالت تبعات الأزمة وقتها لتمتد من أميركا إلى أوروبا ثم إلى بقية العالم. ومنذ ذلك الحين لم تفلح السياسات النقدية والاقتصادية في إنعاش الاقتصاد العالمي بالقدر الذي يمكنه من تجاوز الأزمة، رغم سياسات التسهيل النقدي بخفض أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر في الاقتصادات الرئيسية وضخ الأموال في السوق لتشجيع الإقراض على أمل إنعاش الاستهلاك والاستثمار المحفز للنمو.
أتابع في الأيام الأخيرة مجموعة من التقارير الاقتصادية من مؤسسات دولية أغلبها يركز على مشكلة الديون في النظام الاقتصادي العالمي واحتمال انفجارها في أي لحظة إذا لم تتخذ اجراءات عاجلة وجذرية لمعالجتها. والأرجح أن تلك الاجراءات لن تتخذ، أو على أفضل تقدير ستكون “بعد فوات الأوان”. فالعالم كله منذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة وعلى مدى نحو ثماني سنوات الآن لا يفعل سوى “ترقيع” مشاكل النظام المالي والاقتصادي العالمي والتركيز على حمية “المستثمرين والأسواق”. وكل اجراءات التسهيل النقدي لم تكن لتشجيع قطاعات منتجة على الاطلاق، بل أغلبها لإنقاذ شركات ومصارف وضبط الدفاتر وكشوف الحسابات وتشجيع الإقراض لتغطية الأوضاع المتردية في القطاع المالي كي “لا يفلس أحد” بعد ويسبب المشاكل.
لا أريد الخوض في كثير من التفاصيل والأرقام من تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أو تقرير بنك التسويات الدولي (وهو ما يوصف بالبنك المركزي للعالم) ولا تقارير مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية. لكن من المهم أيضا، لمجرد الدلالة على خطورة الوضع، الإشارة إلى أن حجم الديون الرديئة في النظام المالي العالمي في 2006 قبل أزمة الرهن العقاري الأميركي لم تكن تزيد كثيرا عن 2 تريليون (ألفين مليار) دولار أما الآن فأغلب التقديرات أن حجم تلك الديون الآن يصل إلى 25 تريليون دولار. ومما يزيد تلك الأضعاف أضعافا أن العالم في 2006 كان يشهد نموا اقتصاديا وكان لديه القدرة لامتصاص الصدمات بدرجة كبيرة مقارنة بالوضع الحالي حيث الاقتصاد العالمي من التردي إلى حد ينذر بكارثة دون حتى تفاقم مشاكل جديدة. لكن الأشد خطورة في كل تلك التقارير أن بذور الانفجار تكمن في ثاني أكبر اقتصاد في العالم ـ الاقتصاد الصيني. ولسخرية الأقدار، أن الاقتصاد الصيني كان رهان الجميع على ان يكون قاطرة إخراج العالم من أزمته السابقة باعتباره اسرع الاقتصادات الصاعدة نموا.
وقبل الحديث عن المخاطر الاقتصادية الكامنة في اقتصاد التنين الصيني، نشير إلى مشكلة أساسية في التعامل مع البيانات والأرقام الصينية، وهي أن ما يعلن رسميا لا يعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع. ليس فقط من قبيل “التلاعب” و”ضبط الدفاتر” الموجود بدرجة أو بأخرى في كل مكان ولكن لأن السلطات الصينية رغم التحول الاقتصادي ما زالت مركزية إلى حد كبير وتدير شؤون البلاد عبر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. كما أن الرأسمالية في الصين ليست رأسمالية سوق مفتوح وإنما تحول مضبوط بإدارة حكومية صارمة إلى حد كبير.
لهذا، ذكر تقرير لمؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني أن نسبة الديون “غير الفاعلة” ـ أي المشكوك في تحصيلها ـ وصلت إلى ما بين 15 و21 في المئة من إجمالي الديون وأن النسبة في زيادة مستمرة.وقدرت فيتش أن حل مشكلة الديون الرديئة تلك قد يكلف الصين نحو 2.1 تريليون دولار في حال البدء في مواجهة المشكلة الآن، وقد ترتفع الكلفة مع أي تأخير. يتزامن ذلك مع هروب رؤوس الأموال إلى الخارج بعدما كانت الصين قبلة الاستثمارات وحتى الأموال الساخنة. وتتراوح نسبة نقص رأس المال ما بين 11 و20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها قد تصل إلى 33 في المئة بنهاية 2018.وفي تقرير بنك التسويات الدولي ربع السنوي، حذر البنك من أن مستويات الخطر في القطاع المصرفي الصيني أصبحت أعلى من الخط الأحمر الذي يبدأ عنده القلق بثلاثة أضعاف، مشيرا إلى أن فجوة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين وصلت إلى 30.1 وهي أعلى بمراحل من أي نسبة سجلت في أي اقتصاد في العالم في أي وقت.وبنهاية العام الماضي وصل حجم الديون في الصين إلى نسبة 225 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ حجم الديون التجارية في الصين 28 تريليون دولار، أي ما يساوي تقريبا حجم الديون التجارية في الولايات المتحدة واليابان مجتمعة.
الأرقام والبيانات كثيرة، وكلها تشير إلى خطر عالمي قد تكون الصين مصدره، وللأسف ليس لدى أي سلطة في العالم ما يكفي من ادوات لمواجهة تلك المخاطر. وما علينا إلا الانتظار حتى تنفجر فقاعة مثل تلك التي تزيد وتيرتها في سوق السندات، أو ينهار صندوق استثمار كبير هنا أو هناك لانكشافه على استثمارات في الصين. لكن المؤكد، سواء وقعت أزمة كارثية ام لا، أن التوجه الحالي في الاقتصاد العالمي بمعنى عمل السلطات لصالح الأسواق فحسب لن يستمر طويلا. وسيكون ناقوس خطر التنين الصيني إيذانا ببدء التحول.

إلى الأعلى