الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأحرف السبعة في القرآن (1 ـ 2)

الأحرف السبعة في القرآن (1 ـ 2)

علي بن سالم الرواحي:
عزيزي القارئ: جاء القرآن الكريم إلى الناس رحمة بهم وتيسيراً لهم لذلك كان من الدواعي أن يفهمه كل العرب إبان نزوله لا مجرد البعض دون البعض، فاقتضى ذلك نزوله على سبعة أحرف وذلك فضل من الله على هذه الأمة.
* تعريف سبعة الأحرف
الحرف ذو معنى مشكل لكن علينا أن نفهم ليس معنى الحرف الكلمات لأن كلمات القرآن أكثر من سبع, وليس معناه حروف الهجاء لأنه مكون من ثلاثة أحرف وحروف الهجاء ثمانية وعشرون حرفاً, وليس يراد به المعنى لأن الحرف لفظ مشترك له عدة معاني تزيد عن السبعة.
لذا تعين معنى الحرف اللغوي بأنه الطرف والجانب والجهة, قال الله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)(الحج ـ 11) أي على طرف أو جهة السراء والجهة من معاني الوجه, قال الله تعالى:(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)(البقرة ـ 115) أي الجهة المشروعة من ربنا جل جلاله.
والتعريف الاصطلاحي لـ (الأحرف السبعة) مختلف فيه وأهمها وأرجحها: سبعة أوجه فصيحة من لغات العرب للمعنى الواحد في القرآن متواترة عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
* الدليل على وقوع الأحرف السبعة في قراءة القرآن
ولقد تواترت الروايات الخاصة بالسبعة الأحرف عن واحد وعشرين صحابياً,وهي وإن اختلفت في بعض الألفاظ لكن معناها واحد هذا التواتر يفيد الثبوت القطعي ويوجب الاعتقاد بحتمية وقوع السبعة الأحرف في كلمات القرآن ويعصي ناكره فمن الأحاديث:
1 ـ حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:(أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ:(أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ)، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ)، فَقَالَ:(أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ)، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، فَقَالَ:(أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ)، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا)(رواه مسلم)، وأضاة بني غفار هو مكان مستنقع الماء كالغدير في المدينة المنورة.
2 ـ حديث أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة قال:(بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ـ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ قِرَاءَتِهِ هُوَ، قَالَ عُمَرُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) أَقْرَأَنِيهَا، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِي فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) لِلرَّجُلِ: (اِقْرَأ) فَقَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(هَكَذَا أُنْزِلَتْ)، قَالَ عُمَرُ: فَقَالَ لِي: (اِقْرَأْ) فَقَرَأْتُ، فَقَالَ لِي:(هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، فَاقْرَأُوا مَا تيَسَّرَ مِنْهُ) ـ (رواه الربيع).
* من دلالات الحديثين
ويدل حديث أبي أن أمر السبعة الأحرف وقع في المدينة المنورة حينما توسعت دائرة الدعوة الاسلامية، وضمت الكثير من القبائل قصار بعض الحرج في قراءة القرآن لتعودهم على لهجاتهم، ويفيد كذلك أن السبعة الأحرف فيه رحمة من الله دل عليه قوله: (وإن أمتي لا تطيق ذلك) وعليه لا يجوز استغلالها في خارج نطاق ذلك, في بث الفرقة والانتقام بين المسلمين, لأنه يتحول من التيسير إلى التعسير ومن الرحمة إلى النقمة ومن التوسعة إلى الضيق, ويدل كذلك على أحقية المسلمين بالقراءة بأي حرفٍ شاءوا.
ويدل حديث أبي عبيدة أن الأحرف السبعة لا يمكن أحد أن يخترعها من عقله وفكره ولكنها سماعية موقوفة من النبي (صلى الله عليه وسلم) من جبريل من رب العالمين بدليل حديث الربيع السابق وهو يشير إن كلا قراءتين عمر وهشام أخذت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفيه فائدة أخرى أنهما من القرآن نزلتا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال:(هكذا أنزلت), ومن فوائده بيان تحوط الصحابة وهم يحافظون على القرآن بأن لا تشيبه شائبة, من خلال ما نراه من تصرف عمر مع هشام إذا لم يمهله عمر بل جمع ثيابه عند نحره وصدره وجره بثيابه تلك إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويلتمس من تحسين النبي (صلى الله عليه وسلم) لقراءة عمر ولقراءة هشام أن معناهما واحد إذ لا يستساغ أن يكونا حسنين وهما ذات معنيين مختلفين ,لأن الحسن يتفاوت في المعاني هل هي مثلاً الأحكام أو القصص أو الأمثال، وأي حكم من الأحكام تعني أو قصة من القصص أو مثل من الأمثال.
* الأقوال في السبعة الأحرف في القرآن
علمنا تواتر نزول القرآن على سبعة أحرف, لكن هناك اشكال أو اجمال في اصطلاح ذلك ناشئ من عدم تحديد المراد بها تحديداً قطعياً, ولقد تبارت أقلام العلماء في تفسير ذلك, وكانت خلاصتها ترجيح قولين ويحققان التيسير على الأمة, وهما:
1 ـ سبع لغات للمعنى واحد ـ وقد أشير إليه سابقاً ـ وهو لجمهور السلف ويتفق تماماً مع حكمة التيسير في القراءة, واختلفوا في اللغات السبع ما هي؟ فقيل: لغات قريش وهذيل و ثقيف وتميم واليمن, وقيل: غير ذلك, ومثاله: هلم ـ تعال ـ أقبل ـ عجّل ـ أسرع ـ إليّ ـ قربي .. وكلاها تدل على الأمر بالدنو.
المثال الأول:(إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً)(يس ـ 29), قرأها ابن مسعود:(إن كانت إلا زقية واحدة)
المثال الثاني:(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)(الجمعة ـ 9), قرأها عمر ابن الخطاب بـ (فامضوا إلى ذكر الله)
المثال الثالث:(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)(الحديد:13), قُرأها أبي بن كعب:(امهلونا), وقُرِأت (أخرونا) و(ارقبونا)
المثال الرابع: قراءة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى:(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور ـ 64) بـ (بكل شيء بصير).
المثال الخامس: قراءة عمر ابن الخطاب:(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)(آل عمران) بـ (الحي القيام).

إلى الأعلى