الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ذكرى الهجرة النبوية الشريفة

ذكرى الهجرة النبوية الشريفة

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة:(إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم).
لقد ضل الناس الطريق المستقيم .. وتمكنت فيما بينهم عوامل الفساد .. وهضم الأقوياء منهم حقوق الضعفاء .. وفي هذا الضلال فسد على الانسان تصوره لخالقه .. فعبد ما لا ينفع ولا يضر .. وما لا يسمع ولا يبصر .. وفسد على الانسان تصوره للحياة فظن أنها ليست إلا للمادة .. عليها يتهالك وبها يتكاثر .. وأنكر البعث والحياة الآخرة.
في هذا الضلال الذي أظلم على الانسان حياته بعث الله رسوله محمداً (صلى الله عليه وسلم) ليخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربهم أرسله الى الناس كافة يدعوهم الى التوحيد .. وإلى الايمان بالبعث والجزاء .. وإلى العدل والاحسان وسائر العمل الصالح .. بعثه لتطهير العالم .. وتحرير القلوب من الشرك والضلال .. ومن أقبح نظام اجتماعي عرفه البشر الى يومنا هذا .. وحسب الشرك وما يحمل من نظام قول الله تعالى:(ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
بعث الله محمداً ليكون رحمة للعالمين .. بعثه الله وألزمه بأسس في نفسه أولا في قوله تعالى:(يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً، إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، وقوله تعالى:(يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر).
ومن هذه الأسس التي أمره الله بها في نفسه: حرر قلبك من تعظيم غير الله ليضعف أمامك الجبارون .. وحرر خلقك لتملك على الناس سر قلوبهم .. وحرر جوارحك لتكون مثالاً واقعياً لدعوتك تدعوا بحالك كما تدعو الناس بلسانك وكن محتسبا عطاءك وجهودك في إحياء الناس وإرشادهم عندالله لا عند الناس .. وحرر نفسك من الملل والجزع واليأس.
أيها الإخوة والأخوات:
بهذه القوة وبهذا النور أرسل محمد كلمة الله في قوم عرفوا بشدة البأس والجهل والتعب لما هم عليه وما ورثوه عن الآباء والأجداد .. فكبر عليهم الأمر وعظمت عليهم الدعوة ورأوا أنها تسلبهم الجاه والسلطان .. ورأوا أنها تجعل العبيد والسادة سواء أمام الله وأنه لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالايمان والعمل الصالح وتقوى الله .. عند ذلك قابلوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالاستهزاء والسخرية والاحتقار وقالوا:(لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وقالوا:(ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً).
وقد سجل الله ذلك في كتابه الكريم لأن هذا السلاح يستخدمه كل عدو للحق في وجه كل داع للحق.
ثم بعد ذلك ساوموه على تلك الدعوة بكل ما يطيب من ملك وجاه وسلطان فقابل هذه المساومة بكلمته المأثورة:(والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه). ثم اشتدوا في إيذائه وإيذاء أصحابه حتى أجمعوا أمرهم على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب مقاطعة اجتماعية واقتصادية .. وكتبوا بذلك صحيفة حتى يسلموا محمداً (صلى الله عليه وسلم) فصمد الرسول وصمد معه بنو هاشم وبنو المطلب حتى أكلوا ورق الشجر ولم يسلموا لهم محمداً يقتلوه.
ولما فشلت تلك الحيلة عادوا إلى الكيد لرسول الله ونشر الأكاذيب ضده عند غير المكيين فقالوا ساحر .. كذاب .. معلم مجنون .. فاحتمل الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذه الأكاذيب فانعكست أسلحتهم الفاسدة إلى نحورهم أسلحة قوية فتاكة.. فقد نما خبر محمد وذاع شأنه وتوجه الناس إليه لاستطلاع حاله.. أرادوا لفت الناس عنه فلفتوا الناس إليه. ومن هذه النافذة سرت أنوار الإيمان إلى شباب المدينة فاتصلوا به وبايعوه على الإيمان والموت في سبيل الله ونصر دينه.. وأن يمنعوا الرسول مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم.. وكان في هذه البيعة التي بايعوا فيها الرسول على الدفاع عنه نافذة مفتوحة للهجرة والدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
إخوتي وأخواتي في الله:
لقد كان آخر ما عند أهل البغي والعدوان أن اجتمع رؤساؤهم وقادة أمرهم في دار الندوة للتشاور فيما يتخذون من وسائل القضاء على محمد وصحبه حينما سمعوا نبأ البيعة التي زعزعت ثقتهم بأنفسهم .. فقال أحدهم أخرجوه من أرضكم تستريحوا منه.. فرفضوا هذا الرأي وقالوا: إنه إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرون من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه وتغلغل روحه.
وقال آخر: نحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت .. فرفضوا هذا أيضا وقالوا: إنا إذا حبسناه لا يلبث الخبر أن يبلغ أنصاره ونحن أدرى الناس بمن دخلوا في دينه فهم يفضلونه على الآباء والأبناء .. وربما جر هذا علينا من الحرب ما نحن في غنى عنه.. فقال ثالث: الرأي أن نقتله قتلة لا يستطيع بنو أبيه أن يأخذوا بثأره .. خذوا من كل قبيلة شابا ويرقبونه أمام داره حتى إذا خرج منها ضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلها ويذهب محمد بالدية. فوقع هذا الرأي عندهم موقع القبول.. فأعدوا له وسائل التنفيذ الممكنة .. ولكن الله الذي تكفل بحفظ رسوله ورعايته من يتمه تكفل به بعد رسالته في قوله تعالى:(والله يعصمك من الناس)، لذلك أفسد الله عليهم خطتهم وأحبط أعمالهم وأخرج رسوله من بينهم محفوفا بالعزة والكرامة قال تعالى:(وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
وخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاصداً أبا بكر معد الراحلة وصاحبه في الغار وباذل نفسه وماله وترك علياً الفدائي الأول ينام في فراش الرسول الكريم ويتسجى ببردته موهما أعداءه أن رسول الله هو النائم. ثم كلف عبدالله بن أبي بكر ذلك الشاب الزكي أن يكون صاحب المخابرات المكية على أهل مكة ينقل أخبارهم لرسول الله في الغار .. وكلفت أخته أسماء ذات النطاقين أن تكون صاحبة التموين للرسول وصاحبه في الغار .. وكلف عامر بن فهيرة بأن يخفي آثار عبدالله بن أبي بكر وأخته في طريقهما إلى الغار وذلك بالغنم التي كان يرعاها لأبي بكر.
تلك هي التضحية التي قام بها ثلة فيها الرجل والشاب .. وفيها الرجل والمرأة .. وفيها قريب النسب وبعيده .. لنعلم أن الجهاد والتضحية شأن المسلمين عامة يسقط في حسابها القرب والبعد.
وتمت الهجرة وخرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الغار بعد ثلاثة أيام تحفه ملائكة الله في الغار وخارجه، قال تعالى:(وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا)، ووصل الرسول إلى المدينة ولم تكن هجرة الفارين وإنما كانت تنفيذا لخطة مرسومة ونزولاً على حلف مع شباب المدينة أخذت فيه العهود والمواثيق بالدماء والأرواح زبذل المهج دون الإيمان بالله ودون رسول الله من أجل تطهير العالم من الشر والطغيان.
تمت الهجرة وكانت نصراً من الله تعالى لرسوله استنفر به المؤمنين لنصر رسول الله ونصر دين الله في كل زمان ومكان.
تمت الهجرة وكان للمهاجرين قول الله تعالى:(الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون).
تمت الهجرة وكان لرسول الله ولكل مهاجر في سبيل الله قول الله تعالى:(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عندالله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم*خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم).

إلى الأعلى