الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (125)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (125)

ناصر بن محمد الزيدي
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـمـن لـم يـكـن مـؤمـناً بالله، ويـكـل أمـره لله وحـده، ويعـتـقـد أن الله عـلى كل شيء قـديـر، لا جـري في كـونه شيء إلا بإرادته سـبحانه وتعالى.
نتيـجـة التـعـلـق بـغـير الله:
ويحـكى أن طـبيـبا مختـصا بأمـراض الهـضـم، والأمـور مـدروسـة عـنـده بعـمـق وفهـم، فـلـيكـن آية وعـبرة للناس، أصـيب بـقـرحـة وما نجـا منها، بـل أدت بحـياتـه، أين عـلـمه؟، أين طـبه؟، أين تجـاربه؟، أين دراساته؟، ولـكـن حـيـن نسي أنه مخـلـوق وأن كل أمـوره بيـد خـالـقه خـالـق السماوات والأرض.
ويـذكـر أن طـبيباً أميـركياً، كان مـؤمنا بالجـري ومـنافـع الجـري وأن الجـري رياضـة ممـتازة وجـيـدة، لـمـن أراد أن يحـافـظ عـلى صحـته، وعـود نـفـسه أن يجـري يـومـيا سـاعـتـين، وكـتب مـقـالات وأجـروا مـعـه حـوارات، ومـقـابـلات وكان يـظـن نـفـسه أنه آخـر إنسـان يـمـوت بالـسكـتة القـلـبية، فـإذا مات كل مـن حـوله فـسيكـون آخـرهـم، لأنـه يجـري كـل يـوم سـاعـتين، وجـعــل اعـتماده عـلى الجـري دون الله تعـالى، فأصـيب بـنـوبـة قـلبيـة قاسية جـدا وهـو يجــري، فـكان فـيها حـتـفـه.
لـقـد أخـطـأ الطـريـق الصحيح هـذا الطـبيب، إذ أوكـل أمـره للجـري والـرياضـة وجـعـله بـديـل حـفـظ الله عـز وجـل لـه، وهـذا لا يغـني مـن الله شـيئاً، هـنا يـظهـر البـعـد الشاسـع لـمـن لـم يستحـضـر الله في الأخـذ بالأسباب، والعـلـم يـدعـو ويحـض ويـرشـد إلى الأخـذ بالأسـباب، وأن الجـري لا شـك مـفـيـد للجـسم، وتـنـظـيم الطـعـام وتجـتـنـب الـمـواد الكـيماوية، يمـكـن أن تـحـافـظ عـلى صـحـة الجـسـم، ولـكـن عـليـنا أن لا ننـسى أن الله هـو الحـافـظ، وأن تلـك الأسـباب لا تتـفاعـل إلا بإرادة الله، ومـلخـص القـول: اعـقـلها وتـوكل.
ويجـب عـلى الـمـؤمـن أن يراقـب الله، الـذي لا يعـزب عـنه مـثـقـال ذرة في الأرض ولا في السـماء، وهـناك حـالات بالتجـارة، وهـناك حـالات عـلاقـة بالنساء وحـالات اجـتـماعـية، فـإذا كان تـعـامـلك مـع أذكـى إنسان عـلى الأرض، فـلـن يكـشـف نياتـك، ولا تصـرفاتـك في كـثير مـن الأحـيان، ولـكـن الله عـالـم الخـفـيات والحـقـائـق، فهـو عـالـم الغـيـب والشـهادة.
وورد في الآثـار:(أحـب ثـلاثاً وحـبي لـثـلاث أشــد: أحـب الطـائـعـين وحـبي للشـاب الطـائع أشـد، أحـب الـمـتـواضـعـين وحـبي للـغـني الـمـواضـع أشــد، أحـب الكـرماء وحـبي للـفـقـير الكـريـم أشـد، وأبـغـض ثـلاثاً وبغـضي لـثـلاث أشـد: أبـغـض العـصاة وبـغـضي للشيخ العـاصي أشـد، وأبـغـض الـمـتـكـبرين وبـغـضي للـفـقـير الـمـتكـبر أشـد، وأبـغـض البخـلاء وبغـضي للـغـني البخـيـل أشـد).
فالسخـاء حـسن لـكـنه في الأغـنياء أحـسن، والصـبر حـسن ولكـنه فـي الفـقــراء أحـسن، والـورع حـسن لكـنـه في الـعـلـماء أحسـن، والعــدل حـسـن لكـنه في الأمـراء والـمـلـوك أحـسـن، والحـياء حـسـن لـكـنه في النساء أحـسـن.
فالـمـرأة ألـزم ما يـلـزمها الحـياء، والعـالـم يـلـزمه الـورع، والحـاكـم يـلـزمـه العــدل والغـني يـلـزمه السـخـاء ، والـفـقـير يـلـزمه الصـبر، والشاب يـلـزمه الـتـوبة وما مـن شيء أحـب إلى الله مـن شـاب تائـب، ومتى سـلم العـبـد مـن شـبهـة الكـبر، فـكل شيء بـعـد ذلك يـزول ويهـون.
قال (صلى الله عـليه وسـلم):(لـو لـم تكـونـوا تـذنـبـوا، لخـفـت عـليـكـم ما هـو أكـبر مـن ذلك قـالـوا: فـما هـو الـذي أكـبر مـن الـذنـب؟، قال:(العـجــب) ـ رواه الإمام البيهـقي.
وقال (صلى الله عـليه وسـلم):(لا يـدخـل الجـنة مـن كان في قـلبه مـثـقال ذرة مـن كـبر). رواه مسـلم عـن ابن مسـعـود.
والـذي ينـادي بأعـلى صـوته قـائـلاً: يا أيها الناس اتـقـوا ربـكـم وهـو لا يـتـقي الله، ولا يـراقـبه في ســره وعـلانية فـهـو أكـبر مـنـفـر، وأكـبر خـداع وأنانيـة وانتهـاز للفـرص، مسـتغـلاً الثـقـة التي وضـعـها الـمسـؤولـون فـيه.
وأين نحـن مـن أمـير الـمـؤمنين، عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنـه ـ وهـو يطـوف في طـرقـات الـمـدينة الـمـنـورة، رأى دوراً عـالـية البناء، قال قـولـته المشهـورة:(أبـدت الـدراهــم إلا أن تـظـهـر وتـرفـع رؤوسـها) فـشاطـر بعـض الـولاة أمـوالهـم، ولـم يخـش في الله لـومـة لائـم.
* إن ربـك لبالمرصـاد:
ومما يـروى أن رجـلاً كانت له أخـت عانـس، سـاكـنة بـبيـته وكانت زوجـته تـبالـغ في إهـانتها، فـكان الأخ يـوماً جـالساً عـلى السـريـر وكانت وزوجـه إلى جـانبه، وأراد أن يشـرب الـماء فـضـرب أخـته بـرجـله بتـكـبر وقال لها: أحـضري لـي كأسـاً مـن الـماء فـبكـت الأخـت الـمسكينة، مـن شــدة إهـانـته لها أمام زوجـته، ولأنهـا لا تجـد مـن تأوي إلـيه غـير أخـيها فـصـبرت وتحـمـلـت المـذلـة والاهـانة.
وفي اليـوم التالي سـافـر أخـوهـا إلى إحـدى القـرى المجـاورة، وفي الطـريـق وقــع له حـادث سـير، أصـيب بـرجـله اليمـنى، وأصـيب بمـرض خـطـير مما اضـطـر إلى قـطـع رجـله مـن الـفـخـذ، وكانـت هـي الـرجـل التي ضــرب بها أخـته تكـبراً وتجـبراً، أمام زوجـته لإهـانتها، ما هـذه القـلـوب الـقاسـية، فـكانـت تلك نتـيجـة حـتميـة، فـنال جـزاء إهـانته لأخـته الـمسـكـينة.
فـإذا عـتى الإنـسان وتجـبر، وأكـل أمـوال الناس بالباطـل، فالله هـو الحـسـيـب الكبيـر، وكلـما ازداد عـقـلـك وإدراكـك، وعـرفـت قـيمـتـك وقـيمة مـن حـولـك ازداد خـوفـك مـن الله، والـمـؤمـن الـذي ينخـلـع قـلبه خـوفاً مـن الله، الـذي لا تخـفى عـليه خـافـية، هـو الـمـؤمـن الحـقـيقي الـذي لا يتحـرك ولا يسـكـن إلا عـلى ما يمـلي عـليه الإيـمان.
ويحـكى أن رجـلاً كان مـن كـبار صـناع الحــلـويات في لـبنـان، وكان يصـدر طائـرة كل يـوم إلى دول الخـليـج، محـملة بأنـواع الحـلـويات، دخـل يـوماً إلى مصـنـعـه فـرأى أحـد العـمـال يعـجـن العجـين فـلم يـعـجـبـه ذلك، فـاخـذ تـلك العـجـيـنـة ووضـعـها عـلى الأرض، وعـجـنهـا بـقـدميه، لـيـعـلـم الصناع عـرك العـجـين، فـقـال له الـعـامل منـبـهاً له، إنـك يا سـيـدي تلـبـس حــذاء؟، فـأجـابه وماذا يضـير الآخـرين أن يأكلـوا تلك الحـلـوى؟.
وبـعـد شـهـرين مـن ذلـك الـمـوقـف الغـروري، أحـس بألـم شـديـد فـذهـب إلى بـريـطانيا للـعـلاج، فـقـرر الأطـباء قـطـع رجـلـيه كـلاهـما، اليـمنى واليسـرى، فـقـطـعـتا، وهـو الآن مقـيـم في بـريـطانـيا، عـلى مـن يـتكـبر ويتجـبر هـذا الإنسان الضـعـيف، أعـلى الله يـتـكـبر ويتجـبر.
اعـمـل ما شـئـت وأعـلـم أن حـساب الله في الـدنيا أهـون مـن حـساب الآخـرة، وحـساب الـدنيا حـساب تـربـوي تهـذيبي، أما حـسابه تعـالى في الآخـرة فهـو حـساب جـزائي عـسـير فـفي الـدنيا يحاسـب لـيربي، أما في الآخـرة يحـاسـب ليجـازي.
يـقـول أحـد العــلـماء:(إن كـفـاية الـرب لعـبـده، أن يـكـفـيه في جـمـيـع أحـواله وأشـغـاله، وأجـل هـذه الكـفـايات ألا يـعـطـيه إرادة الأشـياء) بـل الكلـمة: رب خـر لي وأخـتر لي أرقى درجـة مـن أنـواع الـتـوكل، ويسـر لي لـما فـيه صـلاح لي في ديني ودنـياي، وهـو دعـاء الاسـتخـارة أسـاساً، ألـم يـقـل رسـول الله (صـلى الله عـليه وسـلـم) ذلك، لـقـد كان ديــدن الـرسـول في جـميع أعـماله وأوقاته، مـوصولاً بالله.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى