الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التعليم في الوسط العربي في الداخل: شواهد صارخة في التمييز

التعليم في الوسط العربي في الداخل: شواهد صارخة في التمييز

علي بدوان

”يُشكّل المواطنون العرب الفلسطينيون في الداخل المحتل عام 1948 نحو (22%) من سكان إسرائيل. ويتعلم أغلبية الطلاب العرب واليهود في مدارس منفصلة، من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية. فجهاز التعليم في “إسرائيل” هو جهاز مركزي تديره وزارة المعارف، التي من ضمن مسؤولياتها تطوير المناهج التعليمية، والإشراف على المعلمين وبناء المنشآت التعليمية. ”

بداية شهر أيلول/سبتمبر الجاري 2016، قام رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو بزيارة مدرسة ابتدائية عربية في منطقة الجليل، وبالتحديد في بلدة (طمرة) داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1948، حيث حاول نتنياهو الإيحاء بوجود اهتمام “إسرائيلي” رسمي بالتعليم داخل الوسط العربي في “إسرائيل”. فالزيارة كانت استعراضية مئة بالمئة، حيث ما زال التعليم في الوسط العربي يعاني من مشاكل كبرى، ومن تمييز فاضح في الدعم والميزانيات، وفي سوء المناهج، وفي تصدع البنى التحتية وتجهيزاتها، وغياب التطوير في استخدام التقنيات ووسائل التعليم في الوسط العربي، وبالتالي وجود فارق كبير بين المدارس العربية والمدارس اليهودية لصالح الأخيرة.
لقد عكفت حكومات دولة الاحتلال المتعاقبة، مباشرةً بعد العام 1948، على إحكام قبضتها على جهاز التربية والتعليم في القرى والمدن العربية في الداخل المحتل عام 1948، بهدف السيطرة السياسية المباشرة على من تبقى من الشعب الفلسطيني على أرض وطنه التاريخي، وأجياله الجديدة على وجه الخصوص، انطلاقًا من سعيها لـ”أسرلة فلسطينيي الداخل”، وإعادة كي وعيهم الوطني، واستلهام مقولة وزير الخارجية الأميركية في حينها جون فوستر دالاس “الكبار سيموتون والصغار سينسون”. فوضعت سلطات الاحتلال أهدافًا تعليمية ومناهج ومضامين مدروسة، ترمي في مخرجاتها تكريس الانفصال القومي في نفوس الأجيال الفلسطينية الشابة، وسلخها عن انتمائها القومي والوطني والثقافي والحضاري الأصيل، فضلًا عن تكريس سياسة التجهيل لخلق “عربي إسرائيلي” هجين، يتكيّف والنظام العنصري الذي يخيّره بين مواطنته وانتمائه الوطني، ويستغل الأولى ليساومه على الثاني، مع أنها مشتقّة منه.
إن الثابت في السياسات التربوية والتعليمية “الإسرائيلية” خاصة في مواد العلوم الاجتماعية والجغرافيا والتاريخ، هو طمس الرواية التاريخية والذاكرة الجماعية الفلسطينية، وتغليب الرواية الصهيونية على مناهج اللغة العربية والتاريخ والمدنيات والجغرافيا. كما في جميع الفعاليات اللامنهجية الرامية إلى تعزيز القيم الصهيونية ورموز إسرائيل اليهود، ومنها فرض “النشيد الإسرائيلي” بشكل رسمي على المدارس العربية قاطبة في الداخل المحتل عام 1948. وقد اضطرت سلطات الاحتلال للتراجع النسبي عن فرض هذا المشروع في المدارس العربية، إثر تهديد القيادات السياسية والتربوية العربية بإعلان العصيان المدني.
إن قراءة واقع التعليم في الوسط العربي في فلسطين المحتلة العام 1948، يعطينا الدلالات القاطعة بوجود سياسات تمييز عنصرية رسمية “إسرائيلية” عنصرية، تجلّت في إهمال التعليم في الوسط العربي على مختلف المستويات، والتمييز ضده عبر شح الميزانيات الحكومية المخصّصة للتعليم وتطويره. فلم ينل التعليم العربي إلا الفتات والقليل مما يحصل عليه التعليم الإسرائيلي بأقسامه المختلفة، سواء الرسمي أو غير الرسمي أو التعليم الديني اليهودي، وقد زادت حدة تلك السياسات التمييزية خلال فترة الحكم العسكري التي امتدت من العام 1948 حتى عام 1966، واستمرت بعد ذلك وحتى الآن.
من هنا، فإن السياسة المنتهجة تجاه التعليم العربي في الداخل المحتل عام 1948 هي جزءٌ عضوي من السياسات الكولونيالية العنصرية تجاه من تبقى من الشعب الفلسطيني في أراضي العام 1948. وإلى الآن ما زالت حكومات “إسرائيل” المُتعاقبة ترفض الاعتراف العملي والحقيقي بوجود مجتمع عربي فلسطيني وتعليم عربي وبالتالي بوجود ثقافة عربية، وقيم وعادات، وما زالت تتحدث عن العرب الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948 بعبارات ملتبسة: “وسط غير يهودي” و”أبناء أقليات دينية” و”تعليم للعرب”.
يُشكّل المواطنون العرب الفلسطينيون في الداخل المحتل عام 1948 نحو (22%) من سكان إسرائيل. ويتعلم أغلبية الطلاب العرب واليهود في مدارس منفصلة، من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية. فجهاز التعليم في “إسرائيل” هو جهاز مركزي تديره وزارة المعارف، التي من ضمن مسؤولياتها تطوير المناهج التعليمية، والإشراف على المعلمين وبناء المنشآت التعليمية.
إن الفجوة بين جهازي التعليم العربي والإسرائيلي ملحوظة في جميع المجالات، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا من شأنها أن توضح أن جهاز التعليم العربي مُتخلف جدًّا عن الجهاز التعليمي في الوسط اليهودي، ولا يؤدي الدور المنوط به، سواء بصورة مطلقة أو بمقارنته بالجهاز التعليمي اليهودي الإسرائيلي. فقد أشارت عدة دراسات منشورة لوجود فوارق من حيث الطاقم التعليمي، والتقصير الحكومي المقصود في تأهيل المدرسين العرب، وارتفاع نسب التسرب، خاصة في منطقة النقب، وتدني نسب النجاح في البكالوريا (البجروت)، وبالتالي تدني نسب الطلبة العرب المؤهلين للدراسات الجامعية. ووجود مشكلة كبيرة في البيئة التعليمية العربية من حيث البنية التحتية والتجهيزات والميزانيات، وتمايز البيئة المهيأة والمرصودة في الميزانيات لصالح البيئة التعليمية اليهودية.
وعلى سبيل المثال، وفي دراسات منشورة وموثقة قبل فترة ليست بالبعيدة، بلغت ميزانية وزارة التعليم للعام 2005 حوالي (25.9) مليار شيكل. كما بلغت الميزانية المحددة لتطوير التعليم للـ”أقليات” وفق المصطلح الصهيوني (أي للعرب الفلسطينيين أصحاب الوطن الأصليين) للعام 2005 حوالي (39.2) مليون شيكل من ضمن ميزانية شاملة بلغ (1.048) مليار شيكل للدائرة التربوية، أي أن النسبة المخصصة لهم تقل عن (4%). وهذه هي الميزانية الوحيدة لتطوير التعليم العربي وهي ميزانية قليلة جدًّا مقارنة بالميزانية المخصصة للتعليم العبري التي تقدر بنحو (96%) من إجمالي المخصصات التعليمية. وبالتالي يبلغ مجموع ما ينفق على الطالب اليهودي (560) شيكل، مقابل (210) شياكل لنظيره العربي، أي أن الطالب العربي يحصل على (37.5%) من حصة اليهودي. وترجع هذه الفجوة إلى الفارق في مخصصات وزارة التربية التي تخصص للطالب العربي ما يساوي (54.5%) مما تخصصه للطالب اليهودي.
ويُعَدّ التعليم المهني، وخصوصا التكنولوجي، من المجالات البارزة التي تظهر فيها الفجوات الكبيرة بين جهازي التعليم اليهودي والعربي الفجوة. ففي حين أن (60%) من الطلاب اليهود يدرسون في المرحلة فوق الابتدائية من مراحل هذا التعليم، فإن نسبة الطلاب العرب لا يتجاوز (15%) ومن هؤلاء يدرس (50%) من الطلاب اليهود مهنًا تكنولوجية مقابل (20%) من الطلاب العرب. إضافة إلى ذلك فإن (36%) من الطلاب اليهود في هذا المجال يتخصصون بمهن تكنولوجية تعتبر ذات مكانة عالية ويكثر الطلب عليها في سوق العمل، في مقابل (19%) من الطلاب العرب الذين يدرسون عادة المهن التقليدية (نجارة، حدادة وغيرها) بمستوى متدنٍّ جدًّا.

إلى الأعلى