الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / المفتي العام للسلطنة: هجرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ذكرى تبدد ظلمات اليأس بإشراق الرجاء وتبعث عزائم التقوى في النفوس
المفتي العام للسلطنة: هجرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ذكرى تبدد ظلمات اليأس بإشراق الرجاء وتبعث عزائم التقوى في النفوس

المفتي العام للسلطنة: هجرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ذكرى تبدد ظلمات اليأس بإشراق الرجاء وتبعث عزائم التقوى في النفوس

الله تعالى أراد أن تكون هذه الهجرة تجسيداً لمبادئ الإيمان التي جاء بها القرآن، وذلك في التضحيات العظيمة التي قدمها المهاجرون والأنصار الهجرة لم تكن مجرد انتقال من بلدٍ إلى آخر، وإنما كانت توديعاً للحياة الجاهلية بجميع أشكالها وانتقال إلى حياة الإسلام
إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
من الخطب القيّمة والمتنوعة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي ألقاها خلال الفترة الماضية .. نطرح معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم هذه الخطبة بعنوان:(في ذكرى الهجرة النبوية)، حيث أن من أهم معالم الفكر لدى سماحته اعتماده على المنبر في الدعوة، الذي لم يكن معهوداً في عُمان في عصور سابقة ..
يستهل سماحته الخطبة قائلاً: الحمد لله الذي رفع منار الدين، وجمع شمل المسلمين بهجرة خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، أحمده تعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأستمنحه واسع رحمته وعظيم غفرانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة ـ 2)، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، أما بعد: فيا عباد الله إن من شأن هذه الأيام في كل عام أن تتعلق بقبسات سنية، وتفوح بنفحات شذية من بدر التمام ومسك الختام سيدنا محمد ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ فهي تعيد إلى الأذهان ذكرى غالية عزيزة على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، ذكرى تبدد ظلمات اليأس بإشراق الرجاء، وتبعث عزائم التقوى في النفوس، وتقضي على الكسل والخمول، ذكرى هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مسقط رأسه، ومرتع طفولته، ومسرح خياله مكة المكرمة البلد الحرام إلى البلدة التي شرفها الله تعالى لأن تكون مأوى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حياته، ومثوى لجثمانه الشريف بعد مماته، ولأن تكون قاعدة لدعوته، وعاصمة لدولته طيبة طيّب الله ثراها، ورفع ذكرها وذكراها، هذه الهجرة لم تكن أمرا من الأمور التي تعد من المصادفات، وإنما كانت قدراً مقدوراً من قدر الله (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) (الأحزاب ـ 38)، فقد أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الهجرة أن يجمع شمل هذه الأمة بعد الشتات، وأن يرفع ذكرها، وأن يشرح صدورها، وأن يبين للعالمين دعوتها.
واوضح سماحته قائلاً: لقد كانت الهجرة بعد محنة قاسية كابدتها هذه الأمة تحت وطأة الجاهلية التي لا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلاً، فقد عانى المهاجرون ما عانوه بمكة المكرمة قبل أن ينالوا هذا المتنفس الذي تنفسوه بدار الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكادت الدعوة تختنق أنفاسها غير أن الله سبحانه وتعالى الذي كتب لها الظهور أعدّ لها قاعدة تحميها، ورجالا يشدّون أزرها، كانت هذه القاعدة هي المدينة المنورة، وكان أولئك الرجال الأوس والخزرج الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى بإيواء رسوله (صلى الله عليه وسلم) بعد كتلة مشتعلة دام ضرامها مائة وعشرين عاماً ما بين هاتين القبيلتين العربيتين، فكانت هجرته (صلى الله عليه وسلم) إليهما رحمة لهما كما كانت رحمة للعالمين.
مؤكداً سماحته بقوله: ان الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الهجرة تجسيداً لمبادئ الإيمان التي جاء بها القرآن، وذلك في التضحيات العظيمة التي قدمها المهاجرون والأنصار، هذه التضحيات أنزل الله سبحانه وتعالى فيها قرآنا يتلى لا يبليه مر الجديدين، ولا يخلق على مرور الزمن، فالله تعالى يقول في المهاجرين:(لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر ـ 8)، ويقول في الأنصار:(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر ـ 9)، ولم تكن هذه الهجرة أمرا جانبيا طافحا على حياة الأمة الإسلامية، وإنما كانت من صميم الدين، ولذلك كانت الموالاة بين المؤمنين لا تتم إلا بالهجرة أو الإيواء والنصرة، فالله سبحانه وتعالى يقول:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال ـ 72)، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى دليلا على بلوغ الإيمان ذروته، فقد قال عز من قائل:(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال ـ 74)، هكذا جعل الله سبحانه وتعالى الهجرة من صميم هذا الدين، وجعلها ذروة الإيمان، فلم يكن الترابط بين المؤمنين يتم إلا بها أو بالإيواء والنصرة الذين كانا من الأنصار ـ رضي الله عنهم.
وقال: ولم تكن هذه الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما كانت توديعاً للحياة الجاهلية بجميع أشكالها وصورها ومضامينها، وانتقال إلى حياة الإسلام، حياة تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواد والتعاطف، كما تقوم أولا على الإيمان بالله واليوم الآخر، وابتغاء ما عند الله، وتقوم على القبض على يد الظالم، وإنصاف المظلوم منه، وتقوم على نشر دعوة الله سبحانه وتعالى في أرجاء الأرض.
منوهاً بقوله: ومن هنا أجمعت الأمة على اعتبار العام الذي هاجر فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ميقاتاً يبدؤون منه تاريخهم لأن هذه الأمة بهذه الهجرة انتقلت من الذلة إلى العزة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التشتت إلى الوحدة، فكان ميلاد هذه الأمة ميلاداً حقيقيا في ذلك العام، وقد أجمع على ذلك المسلمون عاماً بعد عام، وقرناً بعد قرن حتى أصيبوا بما أصيبوا به من الهزيمة النفسية التي تولدت من الغزو الفكري، فأصبحوا يؤرخون بتأريخ آخر لا يمتّ بصلة إلى عقيدتهم، ولا يمتّ بصلة إلى تأريخهم، ولا يمت بصلة إلى أمجادهم، فمتى تعود هذه الأمة إلى أسباب عزتها؟! ومتى تثوب إلى رشدها؟! جعل الله ذلك يوماً قريباً، فاتقوا الله يا عباد الله، واستلهموا الرشد من هذه المواقف العظيمة التي وقفها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ وجسدوا مبادئ الإيمان وقيم الإسلام كما جسدوها بأعمالهم.
واستأنف سماحته خطبته قائلاً” يا عباد الله إن هذه الهجرة كانت هجرة بالقلب والروح قبل أن تكون هجرة بالجسد، فهي هجرة لجميع معاصي الله تعالى ظاهرها وباطنها، ومن ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن الهجرة يترتب عليها أن يكون العبد لا يريد بها إلا وجه الله سبحانه، لا يبتغي بها عوضا في الدنيا، ولا يريد بها سمعة بين الناس، ولا يريد أن يتوصل بها إلى زواج امرأة، وإنما يريد بها وجه الله تبارك وتعالى، هاجر لأجل التضحية بنفسه، والتضحية بماله، والتضحية بكل محبوب لديه في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(المهاجر من هاجر ما نهى الله تعالى عنه)، والهجرة بهذا المفهوم واجبة على كل مسلم في أي وقت من الأوقات، وإنما الهجرة التي نسخت هي الهجرة إلى مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد نسخت بعد افتتاح مكة المكرمة كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا هجرة بعد الفتح، وإنما جهاد ونية)، فالجهاد والنية يجبان على كل مسلم في كل وقت من الأوقات، كما يجب عليه أن يهجر معاصي الله ظاهرها وباطنها في كل وقت من الأوقات، وأن يثوب إلى رشده، وأن ينتقل من الفساد إلى الصلاح، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الفجور إلى البر، هذا أمر واجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر في أي عصر من العصور.
وختم خطبته بقوله: وبما أن المهاجرين الأولين قدموا من التضحيات الجسام ما قدموا وعدهم الله سبحانه وتعالى بالمثوبة والأجر العظيمين، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى أبد الدهر، فقد قال الله عز من قائل:(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة ـ 100)، فاحرصوا رحمكم الله على الاقتداء بهم ليشملكم هذا الوعد العظيم، فتكونوا من الذين اتبعوهم بإحسان.

إلى الأعلى