الخميس 24 أغسطس 2017 م - ٢ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المهنية بمواصفات الجنرال ديجول والمستشار فالدهايم

المهنية بمواصفات الجنرال ديجول والمستشار فالدهايم

عادل سعد

لقد دفعنا في العراق خسائر جسيمة على هذا الطريق لمجرد أن سياسيين اعتقدوا أنهم الأجدر بالمسؤولية في التوجيه ضمن هذا المرفق التنموي أو ذاك، وكانت النتائج سلبية في ميادين زراعية وصناعية وخدمية، وما زلنا ندفع هذه الخسائر في تلك الميادين، ومنها ميدان الكهرباء لأن أغلب الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة هذه الوزارة عينوا أتباعا لهم من الأحزاب والكتل التي ينتمون لها في مسؤوليات مهنية وجاء ذلك على حساب الخبرة..

تعد الانحناءة تكريما لأصحاب الخبرة والمهنية العالية من أساسيات التهذب الاجتماعي والحفاظ على القدرة الذاتية لمواصلة التسلح بأخلاقيات إنسانية حقيقية.
لقد فعلها الكثير من السياسيين في هذا الشأن تقديرا وتثمينا لمثقفين وعلماء وأصحاب دراية في المعرفة بأنواعها، وتكفي الشهادة هنا أن نشير إلى انحناءة الجنرال ديجول للكاتب الفرنسي أندريه مارلو عندما كان يلتقيه في مجلس الوزراء، إذ كان مارلو وزيرا للثقافة في حكومة الجنرال, وبقدر ما يتعلق الأمر بالمهنية الاقتصادية فإن واحدا من العيوب التي تحكم اقتصادات بعض الدول النامية غير المشمولة بالتنمية المستدامة، أنها حقا تحتاج إلى المواظبة على حماية خبرائها والانتباه لما يقررونه في الشأن التنموي، والكف عن تقليد توجهات دول أخرى إلا بما يثبت أن تجارب تلك الدول قد أسست لتقاليد لا يجوز التفريط بها أو التوقف عندها لمجرد أن طارئا معينا قد حدث في الوقائع الاقتصادية، أو أن التكيف مع تلك الحالات صار ذريعة تحت وطأة أن للضرورة أحكاما.
إن إغراء من هذا النوع قد يؤدي إلى نتائج كارثية خاصة إذا كان المنهج استنساخيا؛ لأنه لا يؤسس إلى مهنية أصلا، فهو يقطع الطريق على إدامة الخبرة المهنية الذاتية للبلد، والحال أن ذلك يحصل بصورة أو بأخرى عندما يجد السياسي في نزعة استعلائية أنه لا بد أن يؤثر في المؤسسة التي يتولى الإشراف عليها لمجرد أن يقال عنه إنه صاحب قرار وضليع في حيثيات المسؤولية التي يتولاها، وتبين من دراسات في واقعنا العربي ضمن أكثر من بلد واحد أننا قد عانينا وما زلنا نعاني من هذه الأطراف التي تقيم جاهها الوظيفي على أفكار مغايرة للآخرين في الرؤية والولاية الإدارية.
لقد دفعنا في العراق خسائر جسيمة على هذا الطريق لمجرد أن سياسيين اعتقدوا أنهم الأجدر بالمسؤولية في التوجيه ضمن هذا المرفق التنموي أو ذاك، وكانت النتائج سلبية في ميادين زراعية وصناعية وخدمية، وما زلنا ندفع هذه الخسائر في تلك الميادين، ومنها ميدان الكهرباء لأن أغلب الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة هذه الوزارة عينوا أتباعا لهم من الأحزاب والكتل التي ينتمون لها في مسؤوليات مهنية وجاء ذلك على حساب الخبرة, وبذات الاتجاه مع فارق نسبي حصل ويحصل ذلك في لبنان.
هناك قائمة طويلة من شواهد مماثلة، لكن ذلك لا يمكن أن يحصل في دول متقدمة حين تكون المهنية صاحبة الكلمة الفصل، فعندما يزاحم سياسي معين هذا الخبير أو المهني يكون القرار لصاحب الخبرة مع هامش التأكد من مهنيته الحريصة في هذا الشأن، ومن الطرائف التي لا أعرف مدى صحتها أن الرئيس الأميركي روزفلت أراد أن يعين وزيرا للبحرية الأميركية فلم يجد خبيرا يستحق هذا المنصب، لذلك لجأ البيت الأبيض إلى إصدار إعلان مدفوع الثمن في وسائل الإعلام يشير إلى حاجة البيت الأبيض لوزير على وفق شروط معينة، فلم يتقدم إلى شغل هذا المنصب سوى عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد, والشيء بالشيء يذكر أن للأمين العام الأسبق للأمم المتحدة المستشار النمساوي فالدهايم كلمة بشأن أهمية المهنية والخبرة الدبلوماسية عندما قال (من لا يتحمل حرارة المطبخ لا يجيد الطبخ).
ويحضرني أسبوعيا مشهد السيد حافظ الذي يدير مقهى في شارع المتنبي سوق المكتبات وسط بغداد، فعندما تتشابك المقاعد يوم الجمعة ويكون المرور بينها أشبه بالمرور بين كتلة من الأسلاك الشائكة، إلا أنه ينجح في تلبية طلبات رواد مقهاهٍ من متقاعدين إدارياً وسياسياً الذين يحرصون بصورة متكررة على إقامة مجلس عزاء لليسار العراقي وتلقي (رسائل) المواساة وسط تناول أقداح الشاي والليمون الساخن، إنها وقفة أسبوعية مهنية أيضا، ولكنها في كل الأحوال مهنية تستمد حضورها من الدفاتر القديمة.

إلى الأعلى