الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حرية إطلاق (الشماريخ)

حرية إطلاق (الشماريخ)

محمد عبد الصادق

”ما يحدث الآن داخل الجامعات المصرية أمر غريب يسيئ للتاريخ المضيء للحركة الطلابية المصرية؛ وأنا هنا لا أقصد اعتراض الطلاب على إزاحة محمد مرسي عن الحكم ولا على اعتبار 30/6 انقلاباً ولا على اعتراضهم على طريقة فض اعتصامي رابعة والنهضة؛ فالطلبة أحرار في اعتناق ما يشاءون من أفكار أو انحيازات…”
ـــــــــــــــــــ
للحركة الطلابية المصرية تاريخ طويل من النضال من أجل تحقيق الاستقلال الوطني، ومقاومة الاحتلال الأجنبي والحكم الفاسد، وعمرها يتعدى المائة عام؛ وتعتبر من الحركات الرائدة على مستوى العالم، وقال عنها المؤرخ الفرنسي “والتر لاكير” : لم يلعب الطلاب دوراً في الحركة الوطنية في العصر الحديث مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر.
وما زلت أتذكر مشهد المظاهرات الطلابية أيام الدراسة في جامعة القاهرة في منتصف الثمانينات تضامناً مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وكذلك بسبب قيام حسني مبارك بتعديل لائحة 1979م الخاصة بصلاحيات الحرس الجامعي، والذي أصبح له بموجب هذا التعديل حق الموافقة على تنظيم المظاهرات، والندوات، وحتى الأمسيات الشعرية وتحديد الضيوف الذين يحق لهم دخول الجامعة، وصولا إلى الموافقة على تعيين المعيدين وأعضاء هيئة التدريس، واندلعت المظاهرات الطلابية اعتراضاً على هذه التعديلات وتصدى لها الحرس الجامعي داخل أسوار الجامعة وحاصرها الأمن المركزي خارج الأسوار، وكان وزير الداخلية في ذلك الوقت اللواء زكي بدر وهو من أكثر وزراء الداخلية شراسة وإهدارا للقانون، وحقوق الإنسان وتم اعتقال المنظمين والناشطين، وتعقب المشاركين وحرمان المتعاطفين من درجات أعمال السنة والتسبب في رسوبهم، ورغم وحشية المواجهة ونُبل المطالب؛ لم أر طالبا يردد لفظاً نابياً، أو يلقي حجراً على عسكري أمن أو حاول اقتحام مبنى إداري، أو محاولة الاعتداء اللفظي أو البدني على موظف أو مدرس أو عميد، رغم كل ما تعرضوا له من قمع وتضييق، وتهديد لمستقبلهم الدراسي، ولم يتخلوا عن سلميتهم وهتافاتهم كانت لا تتجاوز التنديد بالعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وفساد السلطة والمطالبة بحرية التعبير عن الرأي واستقلال الجامعات.
أما ما يحدث الآن داخل الجامعات المصرية فأمر غريب يسيئ للتاريخ المضيء للحركة الطلابية المصرية؛ وأنا هنا لا أقصد اعتراض الطلاب على إزاحة محمد مرسي عن الحكم ولا على اعتبار 30/6 انقلاباً ولا على اعتراضهم على طريقة فض اعتصامي رابعة والنهضة؛ فالطلبة أحرار في اعتناق ما يشاءون من أفكار أو انحيازات أو الانضمام أو التعاطف مع تيار سياسي بعينه؛ حتى لو كان جماعة الإخوان المسلمين ولكن اعتراضي الوحيد على الطريقة التي اختاروها للتعبير عن آرائهم داخل وخارج أسوار الجامعة، وانتهاج طريق العنف، والتدمير والحرق لمنشآت الجامعة التي هي ملك للشعب وللأجيال القادمة وانحرافهم عن المسار السلمي المتحضر للتظاهر باستخدامهم الشماريخ والمولوتوف، والخرطوش، فضلاً عن الاعتداء على مدرسيهم وأساتذتهم، واقتحام مكاتب العمداء ورؤساء الجامعات، وتحطيم كل ما تقع عليه أيديهم داخل أسوار الجامعة فضلاً عن الهتافات البذيئة والسباب المقذع الذي لا يليق أن يصدر عن طلبة جامعيين، ثم نأتي للمطالب التي ينادون بها وقد استمعت لأحد هتافاتهم الذي يقول:
” حرية .. ولع شمروخ يمحي الظلام .. ينشر حرية .. يسقط نظام” يرددون هذا الشعار، وهم يصيحون ويقفزون في الهواء على طريقة “الألتراس” في مباريات الكرة، يرتدون “البنطال القصير” ويلوحون بالشماريخ المشتعلة ولا مانع من وجود الخرطوش والمولوتوف في الحقيبة التي يحملونها على ظهورهم وباستثناء سب الداخلية والعسكر والتلويح بشعارات رابعة، لم نسمع منهم مطالب سياسية أو حقوق طلابية محددة، كل مطالبهم محصورة في حرية إشعال الشماريخ والحرق بالمولوتوف وسقوط الشرطة والجيش، والتخلص من أي سلطة أو نظام يقيد حريتهم أو يحاسبهم على تصرفاتهم وأفعالهم مهما كانت مجافية للأصول والتقاليد الجامعية العريقة المتعارف عليها.
ولا يستطيع هؤلاء الطلاب الفوضويون التحجج بأن ما دفعهم للجوء للعنف هو الاستخدام المفرط للقوة من قبل الأجهزة الأمنية فعلى مدار تاريخ الحركة الطلابية في مصر كان هناك استخدام مفرط للقوة من أجهزة الأمن تجاهها ومع ذلك حافظت على سلميتها، وانتمائها للوطن وانحيازها لقيم الحرية والعدل والمساواة؛ من خلال مشاركتها في الأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية العديدة التي مرت بها مصر خلال القرن الماضي.
فكان لمظاهرات الطلبة السلمية في كل مدن ومحافظات مصر دور عظيم في ثورة 1919م ضد الاحتلال الإنجليزي، وللمطالبة بالاستقلال الوطني وعودة الزعيم سعد زغلول من منفاه وتعرضوا جراء ذلك لعدوان غاشم من القوات البريطانية، وقتل منهم العشرات واعتقل المئات ولكنهم ظلوا صامدين في الميادين يرددون الهتاف الشهير “الاستقلال التام أو الموت الزؤام” حتى انصاعت سلطات الاحتلال لمطالبهم وأطلقت سراح سعد زغلول ورفاقه وسمحت له بممارسة السياسة وصدور دستور 1923 الذي جرت بموجبه الانتخابات التي لعب فيها الطلبة المصريون دوراً كبيرا في فوز سعد وحزب الوفد ليشكل أول حكومة وطنية كل أعضائها من المصريين المشهود لهم بالوطنية.
وفي 14 نوفمبر 1935م ثار طلبة الجامعة على الاستعمار الإنجليزي والحكومة والملك فؤاد بسبب تدخل وزير الخارجية البريطاني في الشؤون المصرية ودعوته لتعطيل العمل بالدستور، وتصدت لهم الشرطة، ولم ينصع الطلاب الغاضبون لأوامر العساكر الإنجليز بعدم عبور كوبري عباس واستمروا في العبور لتنهال عليهم رصاصات الغدر ويسقط عدد من الجرحى والشهداء لتشتعل المظاهرات في كل أنحاء مصر، حتى تراجع الوزير البريطاني عن موقفه وأُعيد العمل بالدستور وشكلت لجنة للتحقيق في الأحداث وتم اختيار 9 فبراير يوم شهداء الجامعة عيداً قوميًّا للشباب المصري يحتفل به سنويًّا.
وفي التاسع من فبراير عام 1946م قرر طلبة جامعة القاهرة التوجه في مظاهرة حاشدة إلى قصر عابدين لرفع مطالبهم للملك فاروق المتعلقة بجلاء القوات البريطانية عن مدن القناة واستمرار الوحدة بين مصر والسودان تنفيذاً لمعاهدة 1936م، ولكن (قوات الشرطة) كانت لهم بالمرصاد؛ فما كاد الطلاب يتحركون من جامعة القاهرة متجهين إلى كوبري عباس، حتى قام “البوليس” بفتح الجسر على مصراعيه ولم يكتف بذلك بل هاجمهم من الخلف فسقط عشرات الشهداء غرقى في النيل وأصيب المئات، مما أشعل الغضب بين صفوف الطلاب في كل مدارس وجامعات مصر، وامتدت الشرارة لتعبر البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي لتخرج المظاهرات في جامعات أوروبا وأميركا الشمالية متضامنة مع الطلبة المصريين ومنددة بما اقترفته القوات البريطانية من عنف ضد المتظاهرين السلميين، وتم اختيار هذا اليوم يوما عالميا للطالب على مستوى العالم.
وعقب هزيمة 1967م والأحكام الهزيلة التي حُكم بها على الضباط المتسببين في النكسة أخذ السخط يتصاعد في صدور طلاب الجامعة واعتصم الطلاب داخل أسوار جامعة القاهرة وفي اليوم التالي خرجوا في مظاهرات حاشدة إلى ميدان التحرير وهناك التقوا مع مظاهرة ضخمة نظمها طلاب جامعة عين شمس ليرددوا الهتافات المنددة بالنكسة، ومطالبين بإعادة المحاكمة الهزلية للمتسببين في الهزيمة.
وعند منتصف الليل اتخذ مجلس الوزراء برئاسة جمال عبد الناصر قراراً بإلغاء الأحكام التي صدرت وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية أخرى، وتخفيف القيود على ممارسة الطلاب للعمل السياسي داخل الجامعات.
وتكررت المظاهرات الطلابية ضد الرئيس السادات لحثه على اتخاذ قرار الحرب وتحرير سيناء من أيدي الصهاينة؛ حتى استجاب وكان انتصار اكتوبر 1973م، الذي اعتمد خلاله الجيش بصفة أساسية على المجندين من المؤهلات العليا خريجي الجامعات وأبلوا بلاء حسناً وساهموا في تحقيق النصر.
وعقب اتفاقية كامب ديفيد اشتعلت جامعات مصر بالمظاهرات المنددة بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي وشارك فيها الطلاب من جميع الاتجاهات الناصري بجوار الليبرالي والإخواني بجوار الاشتراكي وذاع هتاف طلبة الإخوان آنذاك “خيبر .. خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود” وشارك الجميع في ترديده، كما شارك الطلاب في انتفاضة الخبز عام 1977م واعتقل منهم المئات، ونفس الأمر تكرر عقب الغزو الأميركي للعراق، وفي الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعند كل عدوان صهيوني على غزة كانت المظاهرات السلمية تشتعل في الجامعات المصرية رغم تعرضها لكل أنواع القمع والتنكيل والمطاردة من قبل أجهزة الأمن، لكنها حافظت على تحضرها وسلميتها وانتمائها للثوابت الوطنية.

إلى الأعلى