الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “يو أس إسلام” و “يورو إسلام”

“يو أس إسلام” و “يورو إسلام”

أ.د. محمد الدعمي

”يطور الإنسان المسلم المنقول (من الجيل الأول) تعقيداً فسياً مبعثه منظومات المقارنات والمقاربات بين أحواله الصعبة في العالم الجديد، من ناحية، وبين النظرة العلوية، الحسود في جلها، التي يخصها به أبناء جلدته في الوطن حيث نشأ وترعرع وشب وعمل قبل أن ينتقل إلى عالم مختلف تماماً عن عالمه.”
ـــــــــــــــــــــــــ
عندما يجد الإنسان المسلم نفسه في أحد المجتمعات الغربية، الأوروبية أو الأميركية الشمالية بخاصة، فإنه لا بد وأن يشعر بالشرخ الموجع نفسيًّا وثقافيًّا حال الانتقال، ومن ثم الاستزراع. يبعث هذا الشرخ على معاناة نمط قاس من أنماط “الحساسية” الثقافية والاجتماعية التي تترتب من نقل جسم غريب عن الغرب ليستزرع في دواخل أحشائه.
يطور الإنسان المسلم المنقول (من الجيل الأول) تعقيداً نفسيًّا مبعثه منظومات المقارنات والمقاربات بين أحواله الصعبة في العالم الجديد، من ناحية، وبين النظرة العلوية، الحسود في جلها، التي يخصها به أبناء جلدته في الوطن حيث نشأ وترعرع وشب وعمل قبل أن ينتقل إلى عالم مختلف تماماً عن عالمه. في العالم الجديد ليبدأ من جديد، من الناحية الثانية. تبدو الحياة للإنسان المسلم المنقول وكأنها تدور على نحو معاكس لدورانها في مجتمع المنشأ الذي عاش فيه في السابق: فمشاهد المدينة الغربية ومشاهد النسوة اللاتي يدخن في الأماكن العامة ويرتدين الأثواب التي لا تغطي شيئاً يستحق الذكر، دون حاجة للحجب والإخفاء، هي من بين الظواهر التي تقدم له “رجة وعي”، هي بدرجة من القوة أنها إما تفقده صوابه، أو تدفعه لمراجعة نفسه وتراثه الفردي والمجتمعي على سبيل تغلبه على العوائق التي تحول بينه وبين مقبوليته في البيئة الاجتماعية الغربية (المسيحية، الآرية، النائية)، مستعيناً بموقف انغماسي صرف. المهمة الأولى هي أن عليه أن لا يفقد توازنه وأن يتمالك نفسه كي لا يبدو وكأنه فرد مستغفل يسبح ضد تيار الحياة والمجتمع.
والحق، فإن هذا التناقض المنبعث من استزراع الإنسان المسلم خارج بيئته، خاصة في بيئة مختلفة تماماً كالبيئة الأوروبية أو الأميركية على سبيل المثال، يخلق عند الإنسان المسلم المنقول “أزمة هوية” ثقيلة الأعباء والآثار. فإذا ما كان هذا الشخص رقماً ضائعاً في بحر متلاطم من أقرانه وأمثاله في موطنه الأصل، يكون الإنسان الأوروبي هو الغريب بدواخله، فإن الأمر يغدو حال معاكسة الآن.
يطور هذا التعقيد الشائك “أزمة الهوية” في دواخل نفس الإنسان المسلم المغترب، فهويته الأصلية المسلمة تأبى أن تتراجع أو أن تستكين وقد أغرقت في بحر متلاطم من الهويات المختلفة والمتنوعة، حيث تفرض العلمانية والعولمة معطياتهما عليه في مجتمعات لا تتكلم لغته ولا يتدافع أغلب مواطنيها إلى الجوامع والمساجد أيام الجمع لأداء فريضة صلاة الجماعة.
وهكذا تطلق أزمة الهوية سلسلة تفاعلات نفسية في دواخل الإنسان المنقول، ليجد نفسه في نهاية المطاف مخلوقاً غريباً طارئاً على حاضنة، اجتماعية مختلفة قد ترفضه، لأنه لا يتمكن من أن يفهمها أو يفهم لغتها (يقصد باللغة هنا طريقة التفكير). الغربيون يتركون هذا الغريب وشأنه، فهم ليس لديهم الوقت ولا الطاقة والاستعداد لصداع الرأس المتأتي من مساعدة هذا الغريب، الأمر الذي يولد في دواخله نوعاً من أنواع الحساسية المفرطة تجاه الغربي، إنساناً ونظاماً وثقافة. هي حساسية الأنا المركزي المتوتر حيال بيئة لا تلائمه، بل قد تقوده إلى كراهيتها.

إلى الأعلى