الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيف يمكن حل النزاع الصيني- الياباني؟

كيف يمكن حل النزاع الصيني- الياباني؟

”..لا يفتأ يذكر الزعماء اليابانيون والصينيون انهم لا يريدون الحرب. ولا يوجد مبرر لعدم تصديقهم. فهم يدركون ان وقف الترابط الاقتصادي بين ثاني وثالث اكبر اقتصاد في العالم يمكن ان يعرقل بشكل كبير خطط التنمية والاستقرار الداخلي في البلدين. غير ان المخاطر الحقيقية لا تكمن في نوايا قادة البلدين بل في احتمالية سوء التقدير على المستويات الأقل…”
في الوقت الذي يركز فيه العالم الاهتمام على اوكرانيا، تتحدى السفن والطائرات من اليابان والصين كل منهما الأخرى بشكل يومي تقريبا قرب بضعة أميال مربعة من الجزر القاحلة في بحر الصين الشرقي التي تسميها اليابان سينكاكو وتسميها الصين جزر دياويو. وترجع هذه الخصومة الخطيرة إلى القرن الـ19، وان كان تفجر الموقف الذي ادى إلى مظاهرات حاشدة مناهضة لليابان في الصين في سبتمبر2012 قد اندلع عندما اشترت الحكومة اليابانية ثلاثة من تلك الجزر الصغيرة من صاحبها الياباني.
عندما أعادت الولايات المتحدة اوكيناوا لليابان في مايو 1972، تضمنت عملية الإعادة الجزر المتنازع عليها التي كانت تديرها الولايات المتحدة بعد عام 1945. وبعد ذلك بأشهر قليلة، وعندما قامت الصين واليابان بتطبيع علاقاتهما فيما بعد الحرب العالمية الثانية، سأل رئيس الوزراء الياباني كاكوي تاناكا رئيس الوزراء الصيني تشو انلاي عن الجزر، فأجابه بأنه ليس علينا ان نسمح لهذا النزاع بتأخير تطبيع العلاقات ويمكن ترك هذه القضية للأجيال اللاحقة. واحتفظت البلدان بادعاءات السيادة على الجزر.
ولعقود عملت هذه الصيغة التوافقية. وعلى الرغم من ان اليابان تمتعت بالسيطرة الإدارية، فإن السفن الصينية كانت تدخل من وقت لآخر المياه اليابانية لتأكيد وضعها القانوني. وعندما كانت تقع حوادث، كانت اليابان في بعض الأحيان تعتقل اعضاء الطاقم الصيني لكن سرعان ما تفرج عنهم. كما ان التقارير المبالغ فيها بشأن وجود احتياطيات نفط وغاز تحت مياه البحر احيانا ما تثير المخاوف، وان كان حتى عام 2008، كان البلدان يتفقان على إطار عمل للتطوير المشترك لحقول الغاز المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي.
في 2009، تحسنت العلاقات بين الصين واليابان وزار وفد كبير من البرلمان الياباني من الحزب الديمقراطي بكين. وبعد ذلك وفي 7 سبتمبر 2010، ضربت سفينة صيد صينية قرب الجزر قوارب خفر يابانية مرتين، واقتادت السلطات اليابانية السفينة إلى اليابان. وبعد عدة أيام من الاحتجاجات الصينية، اطلقت اليابان سراح الطاقم لكنها وجهت اتهامات بحق القبطان. وأوقفت الصين بشكل مفاجئ صادراتها من الأتربة النادرة لليابان، وسرعان ما أفرجت اليابان عن القبطان، غير ان الصين لم تستأنف صادرتها من تلك الأتربة لمدة شهرين تقريبا. وعندما كان يتم السؤال لماذا كان ردة فعل الصين بهذه الطريقة، يجيب المسئولون الصينيون بأنه ليس امامهم خيار لأنه عندما وجهت اليابان تهما بحق القبطان، فإن ذلك من شأنه أن ينطوي على قبول بالقانون والسيادة اليابانية.
بالنسبة للصينيين، فإنهم يرون ان اليابان قد دمرت الوضع القائم الذي توصل إليه تشو وتاناكا مع عملية اعتقال عام 2010 ثم شراء الجزر في عام 2012. كما تعتقد الصين ايضا أن اليابان تدخل في هذه الفترة في النزعة القومية المتطرفة وان شراء الجزر كان محاولة متعمدة من قبل اليابان لبدء انهاء تسوية الحرب العالمية الثانية. ومنذ عام 2012، تواصل السفن الصينية العمل بشكل منتظم فيما تدعيه اليابان بأنه مياهها الاقليمية. ومن المفارقات ان هذه العمليات الصينية تزيد من اشتعال النزعة القومية اليابانية. ومن ثم تتواصل سلسلة الافعال وردود الافعال، مع عدم وجود فرصة تلوح في الافق لكلا الجانبين لوقف هذه السلسلة.
وقد كانت الزيارة المتعجلة لرئيس الوزراء شينزو ابي في ديسمبر الماضي لضريح ياسوكوني والتي تكرم في جزء منها مجرمي الحرب اليابانيين من الدرجة الاولى بمثابة اضافة مزيد من الزيت على النار. وبصفتنا مراقبين للعلاقات الصينية – اليابانية عن كثب خلال عقود طويلة، نعتقد انه من المنصف القول بأن الأمور لم تسوء بين البلدين إلى هذا الحد الذي وصلته الحين على مدى نصف قرن تقريبا.
ولا يفتأ يذكر الزعماء اليابانيون والصينيون انهم لا يريدون الحرب. ولا يوجد مبرر لعدم تصديقهم. فهم يدركون ان وقف الترابط الاقتصادي بين ثاني وثالث اكبر اقتصاد في العالم يمكن ان يعرقل بشكل كبير خطط التنمية والاستقرار الداخلي في البلدين. غير ان المخاطر الحقيقية لا تكمن في نوايا قادة البلدين بل في احتمالية سوء التقدير على المستويات الأقل والخبرة المحدودة في ادارة حادث والتصعيد في جو تتزايد فيه النزعة القومية في الجانبين.
في هذه الحالة، لعل افضل ما نهدف إليه يتمثل في احياء حكمة الصيغة الأصلية لتشو – تاناكا. واحد سبل عمل ذلك كما يقترح البعض ربما يتمثل في اعلان الجزر محمية بيئية بحرية مخصصة للصالح الأكبر للمنطقة. ولا يكون هناك استخدام سكني أو عسكري للجزر أو البحار المحيطة بها. ومن الناحية المثالية، فإن الصين واليابان يمكن ان يوافقا، لكن ذلك ربما لا يكون محتملا في المناخ الحالي. ويمكن استكشاف آليات أخرى للوصول إلى نفس الغاية. ويمكن لكلا الطرفين التعهد بإحياء اتفاقهما في 2008 بشأن الاستكشاف المشترك للغاز. وان كان هذه المقترح لن يحل المشكلة لكنه يمكن ان يخفف حدتها.

جوزيف ناي وكيفين رود
جوزيف ناي أستاذ في جامعة هارفارد والعميد السابق لكلية كينيدي لنظم الحكم في نفس الجامعة. وكيفين رود رئيس وزراء استراليا في الفترة من 2007 حتى 2010 ثم رئيس لوزرائها في 2013. خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص”الوطن”

إلى الأعلى