الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المهمة الأخيرة لأميركا في كابول

المهمة الأخيرة لأميركا في كابول

”.. يتذكر الجيران انهيار الجيش الأفغاني الأول سريعا بعدما تلقاه من تدريبات على يد السوفيت وكذلك عقد كامل من الحرب الأهلية في التسعينات. ولا احد من الجيران يريد تكرار التجربة، ويدعمون التوصل لصفقة سلام اقليمية كأوثق طريق لإثناء القوى الخارجية عن دعم اي طرف افغاني.”
ــــــــــــــ
حتى الآن لا يزال خوض الحرب الافغانية مشروعا اميركيا، ولا يزال الاميركيون يخشون من ان انسحابهم سيعقبه الفوضى، ولهذا ركزوا على تسليم خوض المعركة للجيش الأفغاني.
غير ان الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في الخامس من ابريل فتحت احتمالا جديدا بأن الافغان يتوقون لمستقبل مستقر وبحاجة إلى اصدقاء في الجوار لحل خلافاتهم، وهذا ما يخلق حافزا لكل الدول المجاورة كي تتعاون على المحافظة على وحدة افغانستان بعد خروج الاميركان.
ربما افضل شيء بالنسبة للولايات المتحدة هو التركيز اولا على تسليم صنع السلام لجيران افغانستان كاستراتيجية اكثر قبولا للتصديق لإنهاء الحرب سريعا. فمنذ هجمات 11 سبتمبر طالبت واشنطن بدعم من القوى الموجودة بالمنطقة لاستراتيجيتها في افغانستان ولكن المنطقة كانت منقسمة حيث الهند ورسيا كانتا راضيتين عن سعي اميركا لتحقيق نصر صريح على طالبان ومواصلة الحرب حتى نهايتها فيما باكستان وايران يتشاركان جذورا اثنية مع مجموعات في افغانستان ولهما رغبة في انهاء اميركا للقتال والتفاوض من اجل الخروج.
ولأن مصالح الجيران لم تتلق ابدا في دعم واضح لنظرة اميركا فكانت المنطقة ترقب التجربة الاميركية بنتائجها المختلطة في مكافحة التمرد وبناء الدولة ثم في صنع السلام مع طالبان.
الآن الأمر متروك للجيران الذين برغم اختلافاتهم يتقاسمون اهتماما برؤية افغانستان تتجنب سفك المزيد من الدماء، ويتساءلون عن قدرة الجيش الأفغاني على دحر طالبان في المعركة خاصة ان القوة في معظمها لا تزال تتشكل من الطاجيك والهزارة من شمال وغرب افغانستان تاركين احتمال إثارة مقاومة بين البشتون المحاصرين في الجنوب والشرق والذين يخرج منهم انصار طالبان.
ويتذكر الجيران انهيار الجيش الافغاني الأول سريعا بعدما تلقاه من تدريبات على يد السوفيت وكذلك عقد كامل من الحرب الأهلية في التسعينات. ولا احد من الجيران يريد تكرار التجربة، ويدعمون التوصل لصفقة سلام اقليمية كأوثق طريق لإثناء القوى الخارجية عن دعم اي طرف افغاني.
السؤال الذي يثور هو كيف تمضي الولايات المتحدة قدما؟
لا بد للولايات المتحدة من ان تذكر الجميع بأنها ستغادر افغانستان وانه من مصلحة الجميع بناء اجماع اقليمي من اجل السلام الأفغاني، وهو ما يعني التعاون مع الأميركيين لضمان ظهور رئيس قوي من وسط فوضى العملية الانتخابية.
لقد كان رد الفعل الأولي في يوم الانتخابات مريحا بعد اقبال الناس ولكن الآن ثمة قلقا من ان الفرز النهائي للأصوات سيثير مزاعم بأن هامش التزوير يفوق هامش النصر، حيث تشير النتائج المبكرة للجولة الاولى إلى احتدام التنافس بين اشرف غاني وعبد الله عبد الله، وهناك حاجة لأميركا للمساعدة في التوسط للوصول الى نتيجة نزيهة حيث ان النزاع حول النتيجة من شأنه تقسيم أفغانستان. وأي شجار سياسي من شأنه جر ايران وكذلك اميركا، حيث إن البلدين لهما اكبر تأثير في السياسات الافغانية، وعليهما تكرار تعاونهما الهادئ خلال عام 2001 عندما ايدا مؤتمرا للزعماء الافغان في بون بألمانيا والذي كان سببا في تحضير افغانستان للانتقال إلى الدستور وحكومة منتخبة.
إن الرئيس الافغاني القادم ما ان يتقلد منصبه سيواجه آلاف المشاكل ليس اقلها الاقتصاد الذي سيتقلص بعد وقف التمويل الأميركي للحرب. في الوقت نفسه ستظل اهم مهمة هي المحافظة على ابعاد طالبان. واذا لم تستطع القوات الافغانية اداء هذه المهمة فستحتاج افغانستان إلى رئيس قوي بدعم اميركي واقليمي مستمر، وستكون مهمته التفاوض من اجل التصالح مع طالبان، وهو ما يثير سؤالا عن كيفية ايجاد جيران افغانستان المتباينين لأرضية مشتركة لتقديم يد المساعدة، اذ عليهم ان يفعلوا ذلك لأن الفوضى في افغانستان تهددهم جميعا.
من جانبها لا تزال موسكو تعتبر التطرف في افغانستان خطرا على اقاليم اسلامية روسية مثل الشيشان وعلى جمهوريات سوفيتية سابقة ذات اغلبية مسلمة في وسط آسيا. والصين كذلك قلقة من ان الاضطراب في افغانستان من شأنه مفاقمة التطرف الاسلامي في جينجيانج، والهند تعتقد نفس الشيء سيحدث في كشمير، وايران الشيعية دخلت من قبل في حرب مع طالبان كحركة سنية متطرفة في عام 1997، وزعماؤها لا يريدون تكرار الازمة. وايران تؤوي بالفعل اكثر من مليوني لاجئ افغاني، وعددا ضخما من مدمني المخدرات الذين يعتمدون على تجارة الهيروين من افغانستان. ومن ثم فإن نشوب حرب في الجوار سيفاقم المشكلة الأولى وغياب القانون سيعقد المشكلة الثانية.
ربما تكون باكستان المشكلة الأكبر والاهم بين الجيران لأنها كانت من قديم تعتني بطالبان لحماية مصالحها في افغانستان، ولكن حكومتها تعرضت مؤخرا لتحد من جماعات اسلامية عنيفة داخل باكستان من بينها طالبان الباكستانية. ولقد عارض الباكستانيون النفوذ الهندي في افغانستان على اساس ان الهند ربما تحول القومية البشتونية ضد باكستان؛ غير ان هذا الخوف الافتراضي يتوازن مع الخطر الملموس من أن حركة طالبان في غياب القوات الاميركية ربما تشعر بمطلق الحرية في الانضمام إلى طالبان افغانستان.
بعبارة اخرى تهتم اسلام اباد هذه الايام بالتوصل إلى مصالحة بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان اذا وافقت كابول على دمج دور باكستان ومصالحها.
ان الولايات المتحدة تشارك في حوار الان مع ايران، وعلاقاتها بباكستان مستقرة، وانسحابها من افغانستان يجري التحضير له. كل هذا من شأنه ان يجعل من الممكن انشاء حوار اقليمي قد يمنح افغانستان فرصة في المستقبل.
لقد حصلت افغانستان على انتخابات جيدة، ولكن الحرب لم تنته بعد، وأميركا لن تخوض هذه الحرب، ولكنها تستطيع ان تساعد في جلب السلام.

والي نصر
عميد كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ـ خدمة نيويورك تايمز، سنديكيت، خاص بـ(الوطن)

إلى الأعلى