الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: حدث عظيم يجري تجاوز قيمه السامية

رأي الوطن: حدث عظيم يجري تجاوز قيمه السامية

تمثل ذكرى الهجرة النبوية فرصة لمراجعة النفس فيما قدمت وأخرت من أعمال، وتجليًا إيمانيًّا لتدارس المعاني الجليلة الكامنة في هذه الذكرى العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، لعل في مقدمتها القدر الذي تحلى به المؤمنون الأوائل من الصبر على المكاره وتحمل الإيذاء والاضطهاد، ومجاهدة النفس وتحكيم العقل والمنطق في مقاومة سيل العداوات من قبل كفار قريش، كان من بينها الحصار الاقتصادي الذي حال بين المؤمنين وبين الماء والزاد، ومجابهة وسائل الترهيب والترغيب، حيث كانت دار الندوة بمثابة مطبخ استخباري وسياسي وأمني لمشركي قريش فيها يحيكون دسائسهم ومؤامراتهم لوأد الدعوة الوليدة ومحاصرتها، باحثين عن الوسائل الكفيلة التي تمكنهم من إطفاء نور الله وقتل الدعوة في مهدها، والتنكيل بمن آمن بالرسالة المحمدية خاصة من المستضعفين والعبيد، واحتواء مبلغ الدعوة وهو الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تارة بترغيبه في أن يكون كبيرًا وسيدًا عليهم مقابل تخليه عن الدعوة إلى توحيد الله، وتارة بالتخلص منه لما رأوا منه قوة الموقف والثبات على المبدأ.
وكل هذا يقودنا إلى تعلم أهمية التحمل والتجمل بالصبر والثبات على المبدأ لمواجهة أحلاف أشد شراسة وعنفًا من تحالف الملأ في المجتمع القرشي.
وفي مواجهة كل هذا، كان تبني خيار الهجرة من مجتمع الشرك والوثنية في قريش إلى مناخ حاضن بالمدينة المنورة، لتوفير فرصة لتدعيم ركائز الدعوة الوليدة ونشرها في محيط أوسع يمثل تعزيزًا لقوتها ومناعة تحول دون النيل منها، وهذا الأمر يعلمنا أيضًا أنه قد يضيق بالمرء سبيل، لكنه بحكمة وبإرادة الله أمامه سبل أخرى ليسلكها تكون أكثر حكمة وعقلانية، فالهجرة النبوية كانت خيارًا مفضلًا من بين خيارات متعددة، وكانت أقصر طريقًا وأفضل مسلكًا نحو تحقيق الأهداف والغايات، حيث كانت هذه الهجرة الانطلاقة العملية لانتشار نور الإسلام واتساعه، وأتت بالبيئة الصحيحة والسليمة لنزول التشريع الإلهي وعبادة الله، وتخليص الناس من أدران الشرك والوثنية ونقلهم من ظلماتهما إلى نور الحق والخير والصدق والعدل والمساواة واحترام الحقوق والذات، واحترام الإنسان وحفظ كرامته. فبوصول المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ومن معه من المهاجرين وبحرارة الاستقبال لهم من قبل إخوانهم الأنصار، صاغت المدينة المنورة أجمل الملاحم، وخطت أسمى معاني التلاحم والتراحم والتكافل بين المهاجرين من مكة والأنصار في المدينة، وصل ذروتها باقتسام المال والثروة وسبل العيش بين الفريقين، في وحدة جميلة تؤكد معاني الأخوّة وقيمتها في العقيدة، قبل أن تكون بالدم والرحم، وتسقط من حساباتها تمامًا أي تفرقة على أساس طائفي عرقي، أو أي مفاضلة بين مؤمن وآخر إلا بتقوى الله، تصديقًا لتعاليم عقيدة تجعل الجميع سواسية كأسنان المشط، ولا يعلو فيها هذا عن ذاك إلا بالارتقاء في مراتب الإيمان وخشية الله تعالى والعمل بما يحبه ويرضاه، وعلى أثر هذه التبادلية والإيثار نال الأنصار شهادة وإشادة ربانية في قوله تعالى “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”. ونستفيد من هذا الموقف الإنساني الرائع، ومن هذا الصفاء القلبي والنقاء النفسي نبذ التطرف والتعصب الطائفي والمذهبي، والتوحد على كلمة سواء أمام الأخطار التي تحيط بالأمة من كل اتجاه، وتربية القلب وتزكيته من أدران الحقد والحسد والكراهية والبغض، وتوضيح العلاقة التي يجب أن تسود بين الإنسان وأخيه الإنسان.
غير أنه من المؤسف والمحزن والمبكي في الوقت ذاته، أن هذه المعاني والقيم السامية والمبادئ القويمة والأخلاق الرفيعة، وسلامة الصدر من الأحقاد والتطرف والغلو قد اختفت عن واقع المسلمين اليوم وأصبحت أضدادها هي السائدة، فاستحل المسلم حرمة دم أخيه المسلم وماله وعرضه وأرضه، وبدل أن يستدير لنصرة أخيه على عدوهما وعلى دينهما دين الإسلام، استدار لنصرة أعداء الأمة ممتشقًا سيفه ورشاشه وقنبلته وراجمته ليريق دماء أمة الإسلام ويهدم مساكنها ويدمر بناها الأساسية، ويفتت وحدتها، ويمزق جغرافيتها ويفرغ ديمغرافيتها، مزنرًا نفسه بباطل شعارات أعداء الأمة. إن احتفالنا نحن المسلمين بذكرى الهجرة النبوية واستحضارنا لأحداثها ينبغي أن لا يكونا رمزيين وشكليين، وإنما يجب أن نستلهم من الذكرى الدروس والعبر واستخلاص نتائجها وتدبر معانيها لاستعادة ما ضاع، وما سرق منا من وحدة وقوة وتكافل وتراحم وألفة ومحبة.
وفي هذه الذكرى العطرة نتقدم بالتهنئة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ولكافة المواطنين والمقيمين وللأمتين العربية والإسلامية، سائلين المولى العلي القدير أن يعيدها على الجميع وهم بأحسن حال ومآل.

إلى الأعلى