السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

تباريح تربوية ـ 3 ـ
**
كان الطالب عيسى مثار سخرية وازعاج للمدرسة والمدرسين، كان يشتري علب اللحم المفروم، ثم يجري تعديلات ذوقية طفيفة عليها، فيضيف إليها بعض البهارات والمشهيات الذوقية ثم يبيعها بالمفرق في خبز (براتا ) على شكل سندويشات ملفوفة في ورق طعام نظيفة، يدور به في الفسحة على الطلاب قائلا: لحم، لحم ، لحم! لا تزال صورته أمامي بجسمه النحيل وقامته القصيرة، وسرعة ساقيه اللتين تسابقان صوت جرس انتهاء الفسحة، لم يكن ذلك الطالب متميزا دراسيا، لكنه كان يعرف تماما الطريق الى جمع المال. كانت آفاقنا نحن مقيدة بالتعليم المتعارف عليه في تلك المرحلة، جئنا مبرمجين على أن المدرسة للتحصيل التعليمي فقط، ولم يكن في عقولنا فكرة ابداعية كتلك التي كان زميلنا عيسى يقوم بها. يبدو أن ما كانت المدرسة تقدمه من معارف وعلوم لم تكن تحقق طموحه وتطلعاته، تابع زملاؤه دراستهم وفق المناهج التقليدية، بينما انقطع عيسى بعد الصف السادس والتحق بالقوات المسلحة كجندي مستجد، كان أميز عن بقية زملائه المستجدين منذ اليوم الأول، ولمح عليه المدربون قدرة على القيادة وحسن التصرف وحل المشكلات، وبعد تخرجه كجندي مستجد لم يمكث طويلا حتى حظي بالترشيح كضابط متدرب في أحد الأسلحة المهمة، ولم يمكث طويلا حتى التحق بإحدى الأكاديميات العسكرية في الخارج وتخرج من هناك برتبة ملازم أول. و خلال سنوات خدمته العسكرية ترقى إلى أن أصبح ضابطا برتبة كبيرة، ولكن جرأته في الأعمال قادته مرة أخرى إلى الجمع بين التجارة والجيش؛ الأمر الذي فرض عليه طلب التقاعد المبكر. خرج من الجيش قبل أوان تقاعده، ثم تابع مزاولة تجارته التي غلب عليها حسه الوطني وحبه لمساعدة الناس، فأنشأ مجموعة شركات داخلية وخارجية تستوعب أعدادا من المواطنين من الذكور والإناث، ثم امتدت اعماله لتشمل بعض دول مجلس التعاون وبعض دول أفريقيا. وعندما تجمعني به الصدف في المطارات، تحضر صورته التي خزنتها في ذاكرتي منذ أكثر من أربعين عاما، وتتداعى الى عقلي بقية فصول القصة. منذ عام تقريبا كانت صورة هذا المتميز في عقلي، فخطرت في عقلي فكرة تمنيت أن أنفذها في مدرسة خاصة أشرف عليها، لكن لوائح التعليم تتطلب عملا مضنيا وصرف مبالغ ضخمة لكي أخرج الفكرة كمشروع مكتوب وكنماذج لحقائب دراسية يتم تطبيقها على عينات استطلاعية قبل أن تحظى بالقبول والتبني من القائمين على التعليم. تتلخص تلك الفكرة بأن يتم تحويل بعض حصص الأنشطة والمهارات الفردية إلى حصص ريادة الأعمال والتفكير الإبتكاري، فينخرط الطالب في دراسة الابتكار وريادة الأعمال في مستهل الصفين الحادي عشر والثاني عشر بالإضافة إلى مقرراته الدراسية، فيتخرج من مرحلة دبلوم التعليم العام وهو مؤهل لتأسيس مشروعه الخاص، و اذا رغب في اكمال تعليمه الجامعي بعد الدبلوم العام، فإن حسه الابتكاري والريادي بلا شك سيمنحه الجرأة والمعرفة للإقدام على تأسيس مشروعه. بل وتساءلت مرة أخرى وأنا أقيم نشاطا للأطفال في الصيف: لماذا لا نبدأ بتدريس أطفالنا أساسيات مهارات التجارة وأخلاقها منذ بواكير حياتهم، فأقدمت على إعداد فكرة تأسيس أكاديمية رائد الأعمال الصغير، وهي عبارة عن مقررات يتدرب عليها الطفل عن طريق اللعب والتطبيق من سن الرابعة وحتى سن الخامسة عشرة من العمر، بواقع ساعات أسبوعية لا تتعارض مع مقرراته الدراسية، لكن اللوائح والروتين والبيروقراطية المكتبية تقف مرة أخرى عائقا في وجه مثل هذه الأفكار الجريئة، فأنا منذ شهر إبريل من العام الماضي لم استطع حتى الآن تجديد ترخيص مكتب النجاح للتنمية البشرية، وهناك بعض مكاتب التدريب أغلقت، والسبب هو تعقيد اجراءات الترخيص والتجديد وسوء الظن بأنشطة خدمات التدريب، وكلما أراجع مكتبا في صلالة أو في الوزارة بمسقط يحيلني إلى مكتب آخر، فما بالك بتسجيل أكاديمية لرائد الأعمال الصغير، وما بالك بتقديم أفكار ابداعية في التعليم تخرج عن مساطر الموظفين. إن شفاء التنمية وتعافي الإقتصاد لن يتحقق إلا بفك الوصاية عن الأفكار الإبداعية وتحريرها من سطوة اللوائح التي وضعت منذ خمسين عاما. وعلينا أن نستفيد من تجارب الشرق والغرب، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

د. أحمد بن علي المعشني رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى