الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ

أبعاد

عبدالعزيز الروشدي

تذوّق طعامك قبل إضافة الملح إليه!
كان هنري فورد وقبل أن ينوي تعيين مدير جديد في شركته فإنه يقوم بتقديم دعوة له لتناول الغداء أولاً، حيثُ كان يراقبه وهو يتناول غداءه فإذا أضاف الملح إلى الطعام قبل أن يقوم بتذوقه فإن فورد كان يرفض تعيينه ظنا منه بأن هذا المدير سيقوم بتنفيذ الاستراتيجيات والخطط الجديدة دون أن يختبرها أولاً.
تبدو هذه نظرية ظالمة نوعا ما، لكنها لم تمنع فورد من أن يصبح أول ملياردير في أميركا.
إن النجاح في تحقيق أهدافنا مرتبط بمدى ثقتنا في اكتشاف قدراتنا واختبارها، فمن دون الاختبار والتجربة لا يمكن أن نحقق شيئا. كعرق الذهب الذي لا يُمكن أن نعثر عليه بسهولة إلا بعد أن نحفر عميقاً ونُزيل القشرة الخارجية للتربة، ثم نُزيل التراب حتى نصل إليه.
تماماً كما فعلت بعثة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عندما أرسلت ستة من علمائها إلى هاواي، وتحديدا على بركان (ماونا لوا) في قبة مغلقة ولمدة سنة كاملة، وعلى ارتفاع 2500 متر فوق مستوى سطح البحر حيثُ لا وجود لأي كائنات ولا نباتات، ولم يتم السماح للطاقم بمغادرة القبة دون ارتدائهم بدلة رائد الفضاء.
كان الهدف من هذه التجربة هي محاكاة الحياة القاسية على الكوكب الأحمر، وهو يُعتبر هدفا من أهداف وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لمعرفة مدى إمكانية بناء مساكن مغلقة بموارد محدودة جداً على سطح المريخ.
إن مثل هذه التجارب والاختبارات طويلة المدى نوعا ما لا شك أن نتائجها ستكون مُثمرة في المستقبل، بل إنها ستوفر علينا الكثير من الجهد والوقت، والكثير من الموارد الماديّة وحتّى البشرية.
إن عزوفنا عن التجارب ومحاكاة المستقبل وتطلعاته وآماله له تبعات سلبية على الاقتصاد والحكومات بشكلٍ عام. حتى أجيال المستقبل يجب أن ندفعهم نحو التجارب والتطبيق عوضاً عن التلقين والدروس النظرية.
فالإدارة الحديثة التي تتسم بالمرونة تبني استراتيجياتها على التفكير بعيد المدى، وتولّد الأفكار الجديدة بناءً على التجربة والخبرة.
إن بعض الحكومات اليوم ترصد المليارات لمشاريعها التنموية دون الأخذ بعين الاعتبار بعض الإجراءات التي تسبق ضخ تلك الأموال في المشاريع، حتى الاستعانة ببيوت الخبرة وإعداد الجدوى الاقتصادية لم يعد كافياً لتقييم المشاريع التي تعتزم الحكومات تنفيذها، فلا بد من تقييم تلك المشاريع من خلال محاكاتها على أرض الواقع أو استحداث بيئة عمل افتراضية يُشرف عليها المختصون لمراقبة سير العمل وتقييم المشروع أو الفكرة، وقياس مدى إمكانية تطبيق ذلك على أرض الواقع. وإن تدارك الأخطاء أو الوقوف على المعوقات قبل خوض غمار التطبيق والتنفيذ لهو أفضل بكثير من المجازفة دون أدنى وعي بالمخاطر المُحتملة، وكما قال فورد : ”العقبات هي تلك الأشياء المخيفة التي تراها عندما ترفع نظرك عن هدفك“.
فينبغي علينا جميعاً أن نتذوّق الطعام جيداً قبل إضافة الملح إليه!.

إلى الأعلى