الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : وادي عربة تشتعل غازاً

في الحدث : وادي عربة تشتعل غازاً

طارق أشقر

منذ توقيع معاهدة وادي عربة للسلام بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل في عام 1994 ، مر أكثر من عقد من الزمان، فلم يكن لتلك المعاهدة زخماً يفوق الضجة الإعلامية التي احدثتها جبهة الرفض العربية المعارضة لاتفاقيتي السلام العربية الإسرائيلية (كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ، ووادي عربة بين الأردن واسرائيل)، ولكن بمجرد أن تم تفعيل الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية اقتصادياً بمستوى أكبر، ارتفعت الأصوات داخل الأردن وخارجها رافضة ذلك التوجه الذي أخذ منحى اقتصادياً اساسه بيع اسرائيل الغاز إلى الأردن.
بهذه الخطوة الأخيرة التي أشعلت بنود معاهدة وادي عربة للسلام غازاً ستضخه إسرائيل نحو الأراضي الأردنية، تكون صفقة الغاز المعلن عنها نهاية الأسبوع الماضي والمقدرة بعشرة مليارات دولار أميركي قيمة توريد أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب من الغاز يوميا يتم توريدها إلى الأردن من مخزون الغاز المكتشف في ليفاياثان شرق البحر المتوسط على مدى خمسة عشر عاماً، تكون الصفقة قد أعادت تسليط الضوء على معاهدة وادي عربة للسلام مرة أخرى، وذلك بعد مرور اثنين وعشرين عاما على توقيعها بين الأردن وإسرائيل.
ورغم الاحتجاجات الشعبية العارمة في الشارع الأردني ضد صفقة الغاز الأخيرة، ورغم الاستياء الإعلامي العربي منها خصوصا في دول الرفض التي انشغل معظمها بمشاكلها الداخلية بفعل فاعل أو بغيره، إلا أن صفقة الغاز بين البلدين لم تكن مفاجئة للمتابعين لمسيرة الأحداث بالمنطقة بعد 1994 عام توقيع معاهدة وادي عربة بين اسرائيل والأردن، خصوصا وان ديباجة اتفاقية السلام بين البلدين جاء فيها بأن الهدف من المعاهدة تحقيق سلام عادل و(شامل) بين البلدين، ولتحقيق ذلك السلام ينبغي تخطي (الحواجز النفسية) بين الشعبين الأردني والإسرائيلي ….. وعليه يرى بعض المراقبين في أن ملف الغاز ربما يسهم في إزالة تلك الحواجز رغم الرفض الشعبي ، وذلك لعلاقة الغاز بالمتطلبات الاستهلاكية الشعبية اليومية.
لم تكن الصفقة مفاجئة للقانونيين، وذلك باعتبار أن المادة الخامسة من معاهدة وادي عربة للسلام نصت على( يتفق الطرفان على أن العلاقة الطبيعية بينهما تشتمل أيضا على العلاقات الاقتصادية والثقافية)، فضلا عن أن المادة السابعة وتحت عنوان (العلاقات الاقتصادية) تحمل تأكيداً على رغبة البلدين في ترويج التعاون الاقتصادي بينهما.
كما أن الصفقة نفسها لم تكن مفاجئة للاقتصاديين، وذلك في وقت وجد فيه الأردن نفسه مواجهاً بأزمة في إمدادات الغاز الذي كان الغاز المصري من ضمن أهم المصادر التي يحصل منها على احتياجاته، في حين توقفت تلك الإمدادات بسبب الرفض الشعبي المصري لتصدير الغاز إلى اسرائيل في 2011 ، وكنتيجة لذلك تأثرت البنية التحتية الناقلة للغاز المصدر في اتجاه إسرائيل وماجاورها ، فكان لابد للأردن من أن يبحث عن بديل اقتصادي يوفر له احتياجاته اليومية وبأقل تكلفة .
وعليه، وكيفما كان القرار الأردني يصنف من القرارات السيادية الأردنية البحتة التي ليس للآخرين الحق في التدخل فيها، إلا أنه بالمجمل، وفي إطار تناول تداعيات اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية على ماكان يتطلع إليه مؤيدو السلام من نتائج بعيدة المدى من اتفاقيات السلام بشكل عام، يتضح جليا، بأن المكتسبات الإيجابية لكافة المفاوضات العربية الإسرائيلية انحصرت حتى الآن في مكاسب اقتصادية هائلة لصالح إسرائيل سواء كانت مستوردة للغاز من مصر، أو مصدرة للغاز للأردن، أو منفتحة اقتصاديا على الأسواق العربية التي كانت مقاطعة لها، أو رافعة يدها عن التزاماتها الاقتصادية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة واريحا التي كانت محتلة وانسحبت منها بموجب اتفاقيات أوسلو، ولكن ودون أن يتحقق (السلام) المنشود في المنطقة العربية بشكل كامل إلا في مساحات محدودة ألا وهي ساحات حروب المواجهة، غير أن الصراع وللأسف مازال مشتعلا خصوصا في الساحات غير المعلنة كساحات الدسائس والمخططات الاستراتيجية، فضلا عن الساحة الفلسطينية التي مازال أهلها يعانون الأمرين.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى